Skip to main content

مؤشرات مقلقة على تدهور الصحة النفسية في سورية

 |  د.أسامة دليقان  |  علوم وتكنولوجيا

تُقدِّر مراجعة علمية نُشرت خلال العام الجاري (2026) - وتجمع بين دراسات حول اللاجئين السوريين وبيانات سكانية - أنّ واحداً من كل ثلاثة سوريين يعاني من أعراض «اضطراب الكرب ما بعد الصدمة»، في حين تظل حالات رئيسية مثل الاكتئاب والقلق والاضطرابات المرتبطة بالتوتر واسعة الانتشار نتيجةً للصراع الممتد والنزوح.

 وقبيل اليوم العالمي للصحة النفسية (9–10 أكتوبر 2026)، حثّت منظمة الصحة العالمية الحكومات والوكالات الصحية على تسريع التحول من الرعاية المؤسسية الطويلة الأمد للأمراض النفسية إلى خدمات الصحة النفسية المجتمعية القائمة على الحقوق.
وتبرز من بين التحديات الرئيسية التي تواجه الصحة النفسية للشعب السوري:
أولاً: النقص الحاد في الكوادر المتخصصة في الطب النفسي ومرافق الرعاية الداخلية (للمرضى المقيمين)، ولا سيما في المناطق الريفية ومخيمات النازحين. وبحسب بعض تقديرات الخبراء تحتاج سورية ما لا يقل عن عشرة آلاف من المهنيين النفسيين (كالأطباء والمعالجين والمرشدين النفسيين) لتلبية الاحتياجات الفعلية. بينما لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في عموم سورية 75 طبيباً (ومصادر أخرى تذكر 100 طبيب)، مما يعني وجود طبيب واحد لكل 250 ألف نسمة، وهذا أقل بكثير من المعدل العالمي الموصى به، حيث توصي منظمة الصحة العالمية بمعدل طبيب نفسي واحد لكل 10 آلاف نسمة (أي ما يعادل 10 أطباء نفسيين لكل 100 ألف نسمة) كحد أدنى مقبول لتلبية احتياجات رعاية الصحة النفسية الأساسية. وبحساب بسيط، هذا يعني أن سورية تحتاج 25 ضعف عدد الأطباء النفسيين الموجودين حالياً.
ثانياً: تزايد تعاطي المواد المخدرة، كآلية تكيُّف سلبية في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر والضغوط البيئية ونقص المياه. ولا توجد إحصائيات رسمية أو أرقام دقيقة وشاملة صادرة لعام 2026 تحدد النسبة المئوية الدقيقة لتعاطي المواد المخدرة في سورية، وذلك بسبب طبيعة هذا النشاط غير المشروع وغياب المسوح الميدانية الشاملة الصادرة للعام الحالي، سواء عن جهات حكومية ومحلية أو منظمات دولية. ومع ذلك، تُجمع التقارير الحقوقية والأممية الصادرة مؤخراً على وجود ارتفاع حاد وملحوظ في معدلات التعاطي والإدمان. وتشير إلى أنّ الفئات الأكثر عرضة وتعاطياً هم الشباب والمراهقون (بين سن 15 و35 عاماً)، مع تسجيل زيادة مقلقة في نسب التعاطي بين الإناث وطلاب المدارس والجامعات مقارنة بالسنوات الماضية.

أمّا بالنسبة للمواد الأكثر انتشاراً، فتأتي حبوب الكبتاغون وحبوب «الترامادول» والمذيبات الطيارة - الغراء و«الشعلة» للفئات الأشد فقراً - في صدارة المواد المستهلكة نظراً لرخص ثمنها وسهولة الحصول عليها مقارنة بالمخدرات التقليدية كالهيروين والكوكايين. وبحسب بيانات وزارة الداخلية السورية في التقارير السنوية الأخيرة، تم ضبط آلاف القضايا المتعلقة بالاتجار والتعاطي سنوياً، وتوقيف آلاف الأشخاص، لكنّ هذه الأرقام تعكس فقط الحالات المضبوطة قانونياً ولا تعبر عن الحجم الحقيقي لظاهرة التعاطي المجتمعي.
المعروف أنّ اجتماع الانهيار الاقتصادي مع الضغوط البيئية يشكلان بيئة مثالية لتعاطي المخدرات، حيث تسبب انهيار القوة الشرائية، والبطالة المرتفعة، والفقر المدقع (الذي يتجاوز 90% من السكان في سورية) في حالة من التيئيس الجماعي، مما يدفع البعض إلى الهروب النفسي عبر التعاطي. كذلك أدت الضغوط البيئية ونقص المياه والجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي وخسارة سبل العيش في الأرياف إلى موجات نزوح داخلي وضغوط معيشية هائلة، مما جعل سكان المخيمات والمناطق العشوائية الأكثر عرضة لشبكات الترويج كآلية تكيّف بائسة مع الواقع الصعب.
ثالثاً: يضاف إلى ما سبق الوصمة الاجتماعية العميقة المحيطة بالمرض النفسي، والتي لا تزال تحول دون سعي الأفراد للحصول على المساعدة المبكرة، مما يبرز الحاجة إلى نشاطات التوعية المجتمعية بأهمية الصحة النفسية وأنّ طلب المساعدة النفسية أمر طبيعي وضروري، كما يتطلب الأمر جهوداً على عاتق الجهات الحكومية المسؤولة عن القطاعات ذات الصلة المباشرة بالتعامل مع الفئات العمرية الأكثر عرضة، وهذا يعني قطاع التربية والتعليم، وضرورة زيادة عدد المرشدين النفسيين في المدارس وتفعيل عملهم في اختصاصهم وتغطية المدارس بهم بالأعداد الكافية.