نقل المعرفة التكنولوجية مقابل احتكارها: مشروع C430L نموذجاً
في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على التفوق التكنولوجي، لا يقتصر السؤال على من يملك التكنولوجيا الأكثر تقدماً، بل يمتد إلى كيفية استخدام هذه التكنولوجيا كأداة للنفوذ الجيوسياسي. ويبرز سلوكان متناقضتان: الأول يقوم على نقل المعرفة التكنولوجية الجوهرية كوسيلة لبناء تحالفات استراتيجية، والثاني يعتمد على تصدير التكنولوجيا الجاهزة مع الاحتفاظ الصارم بأسرار الإنتاج.
كشف تحقيق نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» في أيلول 2026 عن برنامج سرّي يحمل الاسم الرمزي C430L، بدأ في عام 2023، قدمت فيه روسيا لإيران دعماً تقنياً لتطوير محركات «رامجت» (Ramjet) اللازمة لتصنيع صواريخ كروز فرط صوتية. ما يميز هذا البرنامج ليس بيع صواريخ جاهزة، بل نقل المعرفة التكنولوجية العميقة التي تمكن إيران من تصنيع هذه الصواريخ بنفسها.
وفقاً للوثائق المسرَّبة، لم يقتصر التعاون على إرسال البيانات، بل شمل عملاً مباشراً بين مهندسي جمعية الإنتاج العلمي الروسية (ماشينوسترويينيا) ونظرائهم الإيرانيين لتطوير وتحسين نظام الدفع. عندما أجرت إيران اختبار طيران لنموذج أولي، قام المهندسون الروس بتحليل بيانات القياس عن بعد وأرسلوا إلى طهران مجموعة مفصَّلة من الأسئلة حول أداء النظام: استفسروا عن تغييرات نظام الوقود، واستقرار الاحتراق، وتصميم مدخل الهواء، وفوهة المحرك، وما إذا كان المحرك قد استمر في العمل بعد انقطاع البيانات. هذا ليس بيعاً تجارياً، بل نقلَ معرفة حقيقية.
بحلول عام 2025، كان البرنامج قد وصل إلى مرحلة متقدمة، حيث اقترحت «روس أوبورون إكسبورت» - وهي الوكالة الحكومية الوحيدة في روسيا المسؤولة عن تصدير واستيراد الأسلحة والمعدات العسكرية والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج والخدمات المرتبطة بها - إرسالَ وفد من نحو عشرين متخصصاً روسياً إلى إيران لإجراء مشاورات تقنية. يقول فابيان هينز، الخبير في الشؤون العسكرية الإيرانية: «هذا نقل لتكنولوجيا عسكرية حساسة استراتيجياً للغاية، أرادها الإيرانيون لعقود».
النموذج الأمريكي: تصدير «المنَتج» مع احتكار «المعرفة»
في المقابل، تعتمد السياسة الأمريكية على نموذج مختلف جذرياً. الوثيقة الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض في كانون الثاني 2025 حول تحديث سياسة تصدير تكنولوجيا الصواريخ تنصُّ صراحةً على أن التسهيلات الجديدة «تستبعد بشكل صريح نقل منشآت الإنتاج الكاملة التي تشمل جميع القدرات اللازمة لإنتاج نظام من الفئة الأولى بشكل مستقل». بمعنى آخر: يمكن لأمريكا أن تبيعك الصاروخ، أو حتى تسمح بتجميعه محلياً، لكنها لن تمنحك القدرة على تصميمه أو تصنيع مكوناته الحرجة بنفسك.
هذا النهج ليس جديداً، بل هو امتداد لفلسفة «نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ» (MTCR) الذي تأسس عام 1987. ورغم أنّ التحديثات الجديدة تمنح مرونة أكبر للحلفاء مثل أستراليا والمملكة المتحدة والهند، تظل تحتفظ بالقيود الجوهرية على نقل المعرفة الإنتاجية العميقة. حتى عندما يُسمح بـ «الإنتاج المرخَّص» أو «التطوير المشترك»، فإنّ ما يمكن نقله يظلُّ محدوداً بالمعرفة التي تحتفظ بها واشنطن لنفسها.
السابقة السوفييتية: «التضامن الاشتراكي»
لم تكن روسيا المعاصرة أول من استخدم هذا النموذج. كشف تحليل تاريخي لسياسات الاتحاد السوفييتي أن مبدأ «صوفيا» (آب 1949) نصَّ على أن تداول التكنولوجيا غير المدمجة (براءات الاختراع، التراخيص، المعرفة الفنية، الوثائق التقنية) يتم دون مقابل في روح «الأممية الاشتراكية». بين عامي 1950 و1970، تشير تقديرات ماري لافين إلى أن وثائق تقنية بقيمة تتراوح بين 15 و20 مليار دولار انتقلت دون دفع رسوم ترخيص داخل منظمة «كوميكون»، أيْ مجلس التعاون الاقتصادي الذي جمع دول الكتلة السوفييتية، الذي تأسس في 25 كانون الثاني 1949، وحُلّت في 28 حزيران 1991.
مع ذلك، لم تشارك موسكو آنذاك مع حلفائها تكنولوجيا الصواريخ الباليستية، أو أحدث الرادارات، أو الأجهزة النووية العسكرية. بل كان يُسمح لهم بتصنيع صواريخ أرض-جو وطائرات مقاتلة بموجب تراخيص، لكن قلب التكنولوجيا ظل حكراً على السوفييت. مما يعني أنّ روسيا حالياً في نقلها المعرفة التكنولوجية التصنيعية للصواريخ فرط الصوتية إلى إيران ربما تجاوزت حتى الاتحاد السوفييتي السابق في هذا المجال.
ماذا عن الصين؟
يجب تذكّر أن المعلومة بشأن نقل معرفة تكنولوجية في مجال حساس في المشروع C430L من روسيا إلى إيران جاءت كتسريب، لكن هذا قد لا يعني بأنها الحادثة الوحيدة، وتطرح فرضيات وتساؤلات حول إذا ما كانت توجد عمليات ومشاريع مشابهة ما زالت سرّية في علاقات الصين مع حلفائها أيضاً. وذلك رغم أنّه على المستوى المعلَن حتى الآن ما هو معروف أنّ مجلس الدولة الصيني أصدر هذا العام 2026 المرسوم رقم 837 الذي دخل حيز التنفيذ في 1 حزيران، والذي يفرض رقابة دولة صارمة على نقل التكنولوجيا من قبل الشركات الصينية المستثمِرة في الخارج. وتنص المادة 13 من المرسوم على حظر نقل التكنولوجيات والبيانات والخدمات المقيدة بأي وسيلة: إرسال مهندسين إلى الخارج، تنظيم برامج تدريب عبر الحدود، تقديم توجيه تقني عن بعد، أو توظيف أفراد صينيين يمتلكون معرفة خاصة في العمليات الأجنبية. هذه القيود تغطي معالجة المعادن النادرة، تصنيع بطاريات الليثيوم للسيارات الكهربائية، خوارزميات الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا الحيوية، وأنظمة التوجيه الفضائية.
مثال لقاحات كوفيد-19 كاحتكار معرفة مميت
جسدت أزمة لقاحات كوفيد-19 التناقض بين النموذجين بأوضح صوره. في عام 2001، وقبل عقدين من الجائحة، حذّرت منظمات غير حكومية من أن اتفاقية «تريبس» (TRIPS) لمنظمة التجارة العالمية - التي فرضت نظام حماية الملكية الفكرية العالمي بناءً على ضغط 12 رئيساً تنفيذياً لشركات متعددة الجنسيات: «تنقل ميزان السيطرة بعيداً عن المصلحة العامة نحو الربح الخاص لحاملي براءات الاختراع».
عندما ضربت الجائحة، أصبح هذا التحذير حقيقة ملموسة. رفضت شركات الأدوية الغربية الكبرى التنازل عن براءات اختراع اللقاحات، بينما دعت جنوب أفريقيا والهند إلى إعفاء مؤقت من اتفاقية «تريبس» لتمكين الدول النامية من تصنيع اللقاحات محلياً. لم يكن الخلاف حول المنتج (اللقاحات الجاهزة التي تبرعت بها الدول الغربية بكميات محدودة)، بل حول المعرفة (الصيغة والتصنيع والمعرفة التكنولوجية). رفض الاحتكار الغربي نقل «الوصفة» حتى في خضم أزمة صحية عالمية.
هل تصلح إشارة المساواة؟
يقدّم البعض في سياق المُحاجَّة حول نقل المعرفة التكنولوجية أو احتكارها، بأنّ الأسلوبَين قد لا يمثّلان افتراقاً جوهرياً، مجرد اختلافٍ «تفصيلي» أو «تكتيكي»، وأنّ الاستراتيجية «متطابقة» بين القوى العظمى، وأنّ روسيا إنما تنقل المعرفة لأنها تحتاج إيران كحليف يواجه واشنطن في الشرق الأوسط، بينما تحتكر أمريكا المعرفة لأنها تريد إبقاء حلفائها معتمدين عليها وليس مكتفين ذاتياً.
لكن هذه الحجة تواجه على الأقل ثلاث حجج مضادّة:
أولاً: أمريكا تصدّر «المنتج» وتبقي «القدرة الإنتاجية» حكراً عليها، بينما روسيا في مشروع C430L نقلت المعرفة التقنية ذاتها، أي منحت إيران القدرة على التصنيع الذاتي المستقل للمنتوج. والمنتوجات الجاهزة تُستَهلك في النهاية وبحاجة للعودة إلى المصدر لتجديدها. أما المعرفة فتتولد وتتراكم ويمكن حتى تطويرها أكثر ولها أثر دائم.
ثانياً: العلاقة الروسية-الإيرانية تبادلية لا أحادية؛ إيران قدّمت لروسيا تقنيات الطائرات المسيّرة (شاهد) وروسيا نقلت تقنية الصواريخ الفرط الصوتية. هذا ليس «نقل معرفة من الأعلى للأسفل»، بل شراكة استراتيجية حقيقية.
ثالثاً: الاحتكار يُنتج تبعيةً وليس ندّية. كندا أوقفت F-35 خشية «القفل الأمريكي»، وأوروبا تسعى للاستقلال الدفاعي. بينما نقل المعرفة يبني قوى قادرة على الإنتاج الذاتي، ويشكّل تحالفات أعمق قائمة على الاعتماد المتبادل لا التبعية.
ولذلك يمكن قراءة نمط نقل المعرفة التكنولوجية وتشاطرها بين الحلفاء الصاعدين اليوم على أنّه مرتبط بالفلسفة العامّة لهذه القوى التي تحاول التخلّي عن إرث أحادية الهيمنة القطبية على العالم الذي جسدته عقود من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والذي بات بحد ذاته متخلّفاً تاريخاً ومعيقاً لتطوّر العلم والتكنولوجيا نفسها.