يزن بوظو
email عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أُعلِنَ يوم الجمعة، 31 تموز 2026، عمّا وصف بـ «اختراق تاريخي» في ملف غزة، حيث تمت الموافقة على مسودة اتفاق جديدة من 15 نقطة طرحها «مجلس السلام» بإدارة ترامب، ووافقت عليه حركة المقاومة الإسلامية في غزة «حماس»، بما فيه ما يتضمنه نص الاتفاق من «تسليم للسلاح»، وسرعان ما ضجّت وسائل الإعلام بتداول أخبار تفيد أن المقاومة قدمت تنازلاً كبيراً، وهُزمت، وجُردت من السلاح وما شابه. لكنّ مسودة الاتفاق المعلنة، والبيان الصادر عن الحركة، والردود «الإسرائيلية» عليها، بالتوازي مع السياق العام دولياً وإقليمياً، واللحظة السياسية الحالية، تشير إلى شيء آخر...
خلف الصورة المقدمة بالانسجام والوحدة، تسود حالة متزايدة من القلق وعدم اليقين داخل القارة الأوروبية ودول حلف الناتو حيال التطورات الدولية عموماً، وضمناً المتغيرات في السلوك الأمريكي بشكل خاص، وفي العلاقات والموازين بين الدول الأوروبية نفسها. فعلى الرغم من تأكيد البيان الختامي لقمة الناتو في أنقرة على «الالتزام الراسخ بالدفاع الجماعي» وجل ما يوحيه البيان من تماسك وتعاضد وطمأنة، إلا أنه وبعد 9 أيام فقط، أعلنت كل من فرنسا وألمانيا عن خطى جديدة في التعاون الدفاعي بينهما بشكل ثنائي خاص، وضمناً تعاون في الردع النووي.
قبل أيام من قمة الناتو في أنقرة، يشهد الملف الأوكراني موجة متسارعة من التطورات العسكرية والسياسية، تمتد من تصعيد غير مسبوق على الجبهة، إلى تحركات دبلوماسية واتصالات دولية، وصولاً إلى تطورات قضائية قد تترك آثاراً سياسية داخل أوروبا نفسها. وبينما تتمسك موسكو بأهدافها، وتحاول كييف الحفاظ على الدعم الغربي، تبدو القمة المقبلة اختباراً ليس فقط لمستقبل الحرب، بل أيضاً لقدرة المعسكر الغربي على الحفاظ على تماسكه وسط خلافاته المتزايدة.
تعيش الولايات المتحدة اليوم واحدة من أكثر مراحلها السياسية اضطراباً منذ عقود، في ظل تراجع قدرة النظام السياسي التقليدي على احتواء التناقضات الداخلية، التي أخذت تتراكم على مدى سنوات طويلة. وإذا كانت هذه التناقضات موجودة قبل الحرب الأخيرة على إيران، فإن نتائج تلك الحرب من هزائم سياسية واستراتيجية، بدأت تُسرّع بصورة واضحة انفجارها، وبدفعِ الصراعات الكامنة داخل المؤسسة الأمريكية، إلى مرحلة جديدة أكثر حدة ووضوحاً.
تستمر الحرب الروسية الأوكرانية كحرب استنزافٍ طويلة، لكن تحت سطح الجمود الظاهري تتراكم مؤشرات مهمة على المستويين العسكري والسياسي، تشير إلى أن الأشهر المقبلة قد تحمل تصعيداً أكبر من السابق.
تدخل الولايات المتحدة مرحلة داخلية أكثر اضطراباً مع اقتراب الانتخابات النصفية لعام 2026، وسط تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل متزامن، وبما يعكس أزمة بنيوية أعمق من مجرد صراع انتخابي عابر بين الجمهوريين والديمقراطيين، فالمشهد الأمريكي الحالي لا يبدو كخلاف طبيعي داخل نظام مستقر، بل كصراع مفتوح بين مؤسسات السلطة نفسها، وبين قطاعات اجتماعية واقتصادية متزايدة السخط على الواقع القائم، في ظل شعور متنامٍ بأن النموذج الأمريكي يفقد تدريجياً قدرته على إنتاج الاستقرار أو تقديم حلول حقيقية لأزماته المتراكمة.
تعيش الساحة السياسية داخل «إسرائيل» حالة تآكل متسارع في بنية الحكم، حيث لم يعد موقع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مستقراً كما كان لسنوات، وفي الوقت نفسه لا يظهر بديل قادر على إنتاج استقرار فعلي. فالتطورات الأخيرة، من تحالفات جديدة إلى استطلاعات رأي متقلبة، تكشف أن الأزمة لم تعد أزمة شخص أو حزب، بل أزمة بنيوية في المشروع السياسي الصهيوني نفسه.
بعد جولة حرب شرسة وعنيفة خاضتها المقاومة اللبنانية بمواجهة العدو الصهيوني لأكثر من شهر في الجنوب اللبناني، أظهرت خلالها قوة عسكرية وقدرات نوعية عالية حالت دون تمكّن قوات جيش الاحتلال من التقدّم والسيطرة على الجنوب، وتكبيده خسائر فادحة في قواته ومعداته، فرض المقاومون على العدو قبوله وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام، قابلة للتمديد ضد إرادته، ودون تحقيقه هدفاً واحداً من أهدافه المعلنة.
ظنّ صنّاع القرار الأمريكيون و«الإسرائيليون» أن بإمكانهم تحقيق انتصار سريع وحاسم بإسقاط النظام الإيراني، ودفع إيران بلداً وشعباً نحو اقتتال وانهيار داخلي، فكانت النتيجة وقوعهم في «مستنقع» صنعوه بأيديهم، وباتت تديره وتتحكّم به إيران نفسها، لنرى ارتدادات اقتصادية وسياسية واجتماعية عديدة وكبيرة في الداخل الأمريكي و«الإسرائيلي» على حدّ سواء، تنذر بتوترات قادمة.
{تمرّ «إسرائيل» بواحدة من أخطر مراحل وجودها، إن لم تكن أخطرها وآخرها على الإطلاق، وهي الآن بأكثر فترات ضعفها منذ صناعتها، وبدء الاحتلال الصهيوني في القرن الماضي، وذلك على الرغم من مظاهر «القوة العسكرية» المتمثلة فقط بـ: البطش والإجرام والتدمير والتخريب في كامل المنطقة، وبمختلف الوسائل والاشكال المباشرة والهجينة، إلا أنها ورغم كل هذا «الجنون» العسكري والاستخباراتي، ورغم حالة عدم الاستقرار كلها التي صنعتها في الإقليم، لم تحقق أيّ هدف من أهدافها، كما لم تحرز تقدماً واحداً يذكر... وإذا كان الحديث فيما مضى يقول: إن استمرار وجود «إسرائيل» بات موضوعاً «على طاولة البحث»، فإن إنهاء الكيان الصهيوني بات «على مسار التنفيذ».