Skip to main content

كندا... تمرّد نحو الاستقلال

 |  يزن بوظو  |  عربي دولي

لم تعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مجرد خلاف حول نسبة الرسوم الجمركية أو قيمة الصادرات والواردات بين بلدين متجاورين، بل تحولت تدريجياً إلى مواجهة حول شكل العلاقة التي ستربط كندا بالولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة، وحول قدرة أوتاوا على الحفاظ على استقلال قرارها الاقتصادي والسياسي في مواجهة جارها الجشع.

دخلت هذه المواجهة مرحلة جديدة من التصعيد بعد فشل المفاوضات وفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 50% على واردات كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، اعتباراً من 22 آب، لتردَّ كندا بإجراءات جوابية مماثلة بعنوان «الدولار مقابل الدولار»، تشمل أكثر من 700 سلعة أمريكية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، على أن تدخل الرسوم الكندية الجديدة حيّز التنفيذ في 8 أيلول.
وبذلك، انتقلت العلاقة بين البلدين من مرحلة الخلافات والضغوط المتبادلة إلى ما يشبه حرباً تجارية، سيكون لها ثمن اقتصادي على الطرفين، لكن تداعياتها تتجاوز بكثير قيمة السلع التي استهدفتها الرسوم.


كندا تقاوم


لم تعد واشنطن تتعامل مع كندا بوصفها مجرد شريك تجاري وحليف تقليدي، بل تصاعدت الضغوط عليها بالتوازي مع طرح ترامب المتكرر لفكرة جعلها الولاية الأمريكية الـ 51.
وفي هذا السياق، تبدو المعركة التجارية بالنسبة إلى الحكومة الكندية مرتبطة بمسألة أوسع من الوصول إلى السوق الأمريكية، فرئيس الوزراء مارك كارني أكد أن كندا لا تستطيع القبول باتفاق يرى أنه يمس اقتصادها أو سيادتها، معلناً تعليق المفاوضات بعد أن اعتبرت أوتاوا أن واشنطن «طلبت الكثير وقدمت القليل».
وكان كارني قد قال إن الولايات المتحدة تغيرت، وإن التكامل الاقتصادي الذي استمر لعقود بدأ يتحول من «عامل استقرار» إلى «أداة ضغط» تستخدمها واشنطن ضد شركائها.
فمن جهتها، تدرك كندا أن ميزان القوة الاقتصادي بينها وبين الولايات المتحدة ليس متكافئاً، حيث الاقتصاد الأمريكي أكبر بنحو عشرة أضعاف الاقتصاد الكندي، كما أن نحو 72% من الصادرات الكندية تتجه إلى السوق الأمريكية.


ماذا تستهدف الرسوم؟


شملت الرسوم الأمريكية مجموعة واسعة من المنتجات، بينها الحديد والصلب، والملابس، والأثاث، والأجهزة المنزلية، ومواد البناء، والأخشاب والورق، والمنتجات الزراعية والغذائية وغيرها.
بالمقابل، اختارت كندا الرد بطريقة مدروسة، من خلال فرض رسوم تتراوح بين 15 و25 و50% على أكثر من 700 منتج أمريكي، بقيمة تقارب 20 مليار دولار أيضاً، محاولة بذلك اختيار منتجات قادرة على خلق ضغط سياسي داخل الولايات المتحدة نفسها.
حيث استهدفت الرسوم الكندية الحليب والقشدة بنسبة 50%، والجبن بنسبة 25 %، إضافة إلى الورق ولب الخشب والأجهزة المنزلية، بما فيها الأفران وغسالات الصحون والثلاجات والمجمدات، إلى جانب الآلات الزراعية والإلكترونيات ومنتجات صناعية أخرى.
والهدف هنا واضح: إذا كانت واشنطن تستخدم حجم السوق الأمريكية كأداة ضغط على كندا، فإن أوتاوا تحاول استخدام السوق الكندية بطريقة مختلفة، عبر الضغط على الصناعات والولايات الأمريكية التي تعتمد بشكل كبير على المستهلك الكندي.


الكنديون مستعدون


قد يبدو للوهلة الأولى أن كندا تخوض مواجهة غير متكافئة، وأن المواطن الكندي هو من سيدفع الجزء الأكبر من الثمن، وهذا صحيح إلى حد كبير على المدى القصير.
فالرسوم تعني ارتفاع تكلفة بعض السلع، واضطراب سلاسل التوريد، واحتمال خسارة عشرات آلاف الوظائف، حيث تقدر بعض التحليلات أن كندا قد تخسر نحو 100 ألف وظيفة إذا استمرت الرسوم الحالية، فيما حذرت تقديرات اقتصادية من احتمال دخول الاقتصاد الكندي في مرحلة ركود إذا انهار إطار اتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
لكن هذه التكلفة باتت معروفة للكنديين أنفسهم، ومع ذلك تتزايد الدعوات إلى مواجهة واشنطن، وليس الاستسلام لها، وهنا ظهرت حملة «اشترِ المنتج الكندي»، التي تحولت من مجرد دعوة اقتصادية إلى نوع من المقاومة الشعبية للضغط الأمريكي.
حيث بدأ المستهلكون في كندا بالسؤال عن مصدر المنتجات، وتفضيل السلع الكندية حتى وإن كانت أغلى سعراً، كما اختفت منتجات أمريكية عديدة من رفوف المتاجر في عدد من المقاطعات، وتراجعت مبيعات المشروبات الكحولية الأمريكية بصورة كبيرة، فيما امتدت المقاطعة إلى قطاع السياحة أيضاً، مع انخفاض سفر الكنديين إلى الولايات المتحدة.


كندا ستتضرر أكثر... لكن مؤقتاً


بالمعيار الاقتصادي المباشر، لا شك أن كندا معرضة لضرر أكبر من الولايات المتحدة، فالسوق الأمريكية بالنسبة إلى كندا أكبر بكثير من السوق الكندية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، والاقتصاد الكندي أكثر اعتماداً على التصدير إلى الجنوب، كما أن قطاعات كاملة، من السيارات إلى الأخشاب والطاقة، بنيت خلال عقود على أساس التكامل مع الاقتصاد الأمريكي.
لكن هذه القراءة تصبح ناقصة عندما نتعامل معها باعتبارها نهاية الأمر، فالحقيقة أن الخسارة الأكبر التي تواجهها كندا اليوم هي اعتمادها المفرط على سوق واحدة، والحرب التجارية الجارية نفسها تدفعها إلى معالجة هذه المشكلة.
فبدأت أوتاوا بالفعل العمل على تنويع أسواقها، وتشير البيانات إلى أن الصادرات الكندية إلى الأسواق غير الأمريكية ارتفعت بنسبة 11.1% خلال عام 2025، في حين تراجعت الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 3.7%، ولترتفع حصة الأسواق غير الأمريكية بالمحصلة إلى 32.8% من إجمالي الصادرات الكندية، وهي أعلى نسبة منذ أكثر من أربعة عقود.
والمسألة هنا ليست استبدال أمريكا بالكامل، فذلك لا يمكن أن يجري بين ليلة وضحاها، وإنما تقليل قدرة واشنطن على استخدام الواقع الحالي كسلاح، فكل سوق جديدة، وكل اتفاق تجاري جديد، وكل صناعة كندية قادرة على بيع منتجاتها خارج الولايات المتحدة، تعني أن واشنطن تفقد جزءاً من قدرتها على الضغط على أوتاوا.


بداية لفك الارتباط؟


ما يحدث بين كندا والولايات المتحدة قد يكون، على المدى القصير، حرباً تجارية مؤلمة، لكنه على المدى الطويل يمكن أن يتحول إلى عملية إعادة تموضع اقتصادي كاملة.
فكندا التي كانت تفترض لعقود أن قربها الجغرافي من الولايات المتحدة والتكامل بين الاقتصادين يشكلان ضمانة للاستقرار، بدأت تكتشف أن هذا التكامل نفسه يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف عندما تستخدمه واشنطن كأداة ضغط.
وبالتالي، فإن ما يبدو اليوم خسارة لكندا قد يتحول لاحقاً إلى حافز لإعادة بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على جارٍ واحد، وهذا الأمر لا يقتصر على التجارة الخارجية، فالضغط الأمريكي يمكن أن يدفع كندا أيضاً إلى تعزيز إنتاجها المحلي، وحماية بعض الصناعات، وتشجيع المستهلك على شراء المنتجات الوطنية، والاستثمار في قطاعات استراتيجية، بدلاً من ترك السوق الكندية مفتوحة أمام اعتماد طويل الأمد على الإنتاج الأمريكي.
والسؤال الاستراتيجي هو: من سيكون في وضع أفضل بعد سنوات من الآن بحال استمر هذا المسار؟
إذا نجحت كندا في تحويل الأزمة إلى فرصة لتنويع تجارتها، وزيادة إنتاجها المحلي، وتوسيع علاقاتها مع الصين والهند وأوروبا وآسيا عموماً، فإنها ستخرج من الأزمة وهي بموقف أفضل وتمتلك خيارات أكثر.
أما الولايات المتحدة، باستمرار استخدام الرسوم والعقوبات والضغط الاقتصادي مع الحلفاء، ستسرع من انفكاكهم عنها، وكلما أصبحت التجارة الأمريكية أداة للضغط السياسي، أصبح لدى الدول الأخرى دافع أكبر لبناء طرق بديلة حولها.
وبالنتيجة فإن سياسات الحمائية الأمريكية قد تؤخر بعض مظاهر الأزمة أو تخفف سرعتها، لكنها لا تضمن معالجة أسبابها، بل تدفع العالم تدريجياً نحو تكتلات اقتصادية أكثر استقلالاً عن واشنطن.


المعركة أبعد من كندا


إذا نجحت أوتاوا في الصمود خلال المرحلة الحالية، قد تتحول التجربة إلى نموذج لدول أخرى تريد تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة من دون قطع العلاقات معها، ولهذا، فإن قراءة الحرب التجارية من زاوية الأسعار والوظائف والرسوم فقط تقود إلى استنتاجات متسرعة، في حين استراتيجياً تبدو الصورة معاكسة.
فالحرب التجارية الحالية ليست فقط معركة حول الرسوم الجمركية، بل ربما تكون مرحلة جديدة في علاقة كندا بالولايات المتحدة، ومرحلة إضافية في إعادة تشكيل النظام العالمي إلى نظام تتراجع فيه هيمنة «الأخ الأكبر» الواحد، وتتقدم بدلاً منها مجموعة من القوى والأسواق والتكتلات التي تبحث كل واحدة منها عن مساحة أكبر من الاستقلال والقدرة على المناورة.