Skip to main content

باتت الإشارات على تراجع الإمبريالية الأمريكية كثيرة، بحيث لا يمكن إحصاؤها في مقالٍ واحد لتنوعها. لكنّ آخرَها كان تجميد جميع إنفاقات «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID» التي تقدَّر بنحو 68 مليار دولار سنوياً، لمراجعة اتساقها مع أهداف «أمريكا أولاً». إنّ USAID لم تكن وكالةً عادية، بل هي إحدى الأذرع الهامّة للإمبريالية الأمريكية منذ إنشائها في ستينيّات القرن الماضي. وعلى هذا فإنّ تجميد وفلترة التمويل الذي تعطيه يعني شلَّ هذه الذراع الهامّة، تبعاً لضرورات التقشف في الإنفاق الأمريكي على إدامة الهيمنة، واستكمال هندسة التراجع الذي كان ترامب حتّى الآن هو رمزه الطّافي على السطح. سنمرّ تالياً على مدى أهمية USAID للهيمنة الإمبريالية الأمريكية، لنستدلّ على ما يعنيه تجميد إنفاقها ومراجعته.

يُظهِرُ المشهد العام أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ستكون مركزاً، ومصدراً أيضاً، للفوضى والتقلبات خلال السنوات القادمة. ثبّتت الفترة القصيرة منذ عام 2025 الكثيرَ من ركائز هذه القراءة؛ من الممارساتٍ الإمبرياليّة البلطجيّة ضدَّ دولةٍ فقيرة تعدّ من أقرب حلفائها في أمريكا اللاتينية: كولومبيا، وأخرى غنية في شمال أوروبا: الدنمارك، إلى التخبط المرافق لوقف إطلاق النار المُذِلّ «لإسرائيل» في غزة. إضافةً لأسوأ كارثة طبيعية تكلفةً «تخطت 250 مليار دولار» في تاريخ الولايات المتحدة بسبب حرائق الغابات التي دمّرت المنازل في كاليفورنيا. وأمّا الحديث عمّا كان يُعتبر حتى وقت قريب ملعب الهيمنة الأمريكية: الذكاء الاصطناعي، فقد شهد بيعاً مسعوراً بقيمة تريليون دولار في فقاعة الذكاء الاصطناعي كردّ فعل على ابتكار شركة صينية تمكنت من تجاوز الحصار المفروض على أشباه الموصلات. أمّا أسعار الدواجن والبيض التي ارتفعت بسبب ظهور فيروس H5N1 الذي أدى إلى نفوق مئات الملايين من الدواجن في الولايات المتحدة، فهو أمر دعى الكثير من العلماء للتحذير من جائحة جديدة. هذا هو رأس جبل الجليد للواقع القاتم للولايات المتحدة اليوم.

حققت شركة «DeepSeek» الصينية مؤخراً أداءً مذهلاً وحظيت باهتمام واسع من مختلف الجهات. ففي 27 كانون الثاني، تصدرت قائمة التطبيقات المجانية في متجري «Apple App Store» في كلٍّ من الصين والولايات المتحدة، لتصبح بذلك أول تطبيق صيني يحقق هذا الإنجاز بشكل متزامن في كلا السوقين، متفوقةً حتى على «ChatGPT». قصة النجاح هذه تتخطى في الناحية التقنية البحتة، لتؤكّد قضيّة استراتيجية أعمّ؛ حيث يعترف عدد متزايد من الخبراء بأفضلية البرمجيات مفتوحة المصدر على تلك المغلقة، مما يؤكّد تفوّق الملكية العامة المعرفيّة (والمعرفة كمشاع إنسانيّ) ضدّ ضيق أفق الملكية الخاصّة الاحتكارية مفرطة الجشع التي تنتهجها الشركات الغربيّة خصوصاً.

في السابع عشر من كانون الثاني، وقَّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بيزشكیان اتفاقية استراتيجية تاريخية لمدة 20 عاماً، والتي علّقت عليها وكالة رويترز لاحقاً بأنها «من المحتمل أن تثير قلق الغرب».

ظاهرياً، يبدو أن الأمين العام الحالي لحلف الناتو لا يشبه الصقور على الإطلاق. رجل نحيل، يرتدي بدلة أنيقة مع ربطة عنق، ويتصرف بأسلوب رجل مهذَّب، وليس كجنرال سابق يستخدم أساليب جافة وخشنة. ومع ذلك، أثناء حديثه يوم الأربعاء الماضي في فعالية مخصَّصة لأوكرانيا على هامش المنتدى الاقتصادي العالَمي في دافوس، صرّح روتا قائلاً: «إذا خسرت أوكرانيا، فلن يحتاج الناتو إلى مليارات إضافية، بل إلى تريليونات إضافية من الدولارات. في هذه الحالة، ستكلِّفُ استعادةُ الردع الغربي لحلف الناتو ثمناً أعلى بكثير من كل ما نناقشه الآن».

إنّ الوضع في الشرق الأوسط، بل في العالم، في حالة من التغيّر المستمر. وحرب غزة كانت هي المقلاع الذي حطّم الباب الهشّ الذي كان يحاول تأخير التغيير. أدّت الأزمة الغربية العامة إلى اضطرار جزء من النخب الأمريكية، بالتحالف مع الحكومة «الإسرائيلية»، إلى تعكير صفو شبه السكون الذي كان يحكم المنطقة في العقود الثلاثة الماضية، عبر أعمال التدمير الباحثة عن «النصر العظيم» الموهوم. إنّها الأعمال التي وضعت الكيان وداعميه في أزمة لا خلاص منها.

في 9 كانون الثاني 2025، أجرى وانغ وين، مدير معهد تشونغيانغ للدراسات المالية بجامعة الشعب الصينية، حواراً مع هارولد جيمس، المؤرخ الاقتصادي الشهير عالمياً، والأستاذ بجامعة برينستون، ومؤلف الكتاب الأكثر مبيعاً «سبعة انهيارات». دار النقاش حول تأثير المتغيرات العالمية، ووصول ترامب من جديد إلى الرئاسة الأمريكية «عصر ترامب 2.0» على العولمة والاقتصاد العالمي. إليكم أبرز ما جاء فيه.

أشار تقرير المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني إلى أنّ «العالم يشهد في الوقت الحالي تغيَّرات لم تحدث منذ مئة عام، حيث تتسارع وتيرة التطورات، وتتعمق الثورة التكنولوجية الجديدة والتحولات الصناعية، وتشهد القوى الدولية تغييرات جوهرية، مما يجعل تطور بلادنا يواجه فرصاً استراتيجية جديدة». يشي ما سبق بأنّ صانعي السياسة الصينيين يدركون بأنّهم أمام مفترق طرق، فإمّا أن يلتزموا بالروح الاشتراكية الصينية فيتخلّصوا من العقبات ويضمنوا الاستمرار فيما يطلقون عليه اسم «الاشتراكية بِسماتٍ صينية»، أو أن يُفرغوا هذه المبادئ من محتواها ويضطرّوا لإعادة إنتاج الأزمات التي مرّت بها الدول الغربية، والتي اتبعت الوصفات الغربية دون تغيير. من هذا المنطلق، يحاول رئيسُ جامعة شنغهاي للعلوم المالية والاقتصاد، ليو يوان تشون، والأستاذ الجامعي في الجامعة نفسها، دينغ شياو تشين، التعرّض لهذه العقبات تحليلاً، والإجابة عن الأسئلة المرتبطة بها. إليكم أبرز ما جاء في حديثهما.

رغم أنّ العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والصين كانت تتحسَّن باستمرار منذ نهاية الاتحاد السوفييتي، فإن التعاون الاقتصادي كان مهمَلاً في البداية مع تركيز كلا البلدين على الغرب، للاستفادة من رأس المال والتكنولوجيا والأسواق الغربية. يتحدّث بحثٌ كتبه الدكتور يانيس كلوغ، الخبير في التنمية الاقتصادية في شرق أوروبا، عن تزايد التشابك والتبادل بين الاقتصادين الروسي والصيني منذ تسعينيات القرن العشرين. إليكم بعض ما جاء في هذا البحث.

أولئك الذين تفاجأوا بإمكانية أنْ تتجه روسيا نحو «التخلّي» عن الأسد وسلطته في سورية، في سياق توافقٍ ما مع تركيا - لم تتكشّف كامل نقاطه وأطرافه وتفاصيله بعد - يمكن تصنيفهم إلى قسمين: إمّا مَن لم يدركوا التحوُّلات الكبرى في العلاقات الدولية والإقليمية منذ عام 2015، أو مَن عجزوا بسبب محدودية أدواتهم التحليلية عن التحرُّر من أنماط التفكير التقليدية المرتبطة بفترة الحرب الباردة. في هذا المقال، سنستعرض أبرز التحولات التي طرأت على العلاقات الروسية-التركية خلال السنوات اللاحقة لعام 2015، لفهم أعمق لموقع سورية، بوصفها «ملفّاً مَصلحياً»، ضمن ملفّاتٍ معقَّدة أخرى تربط بين موسكو وأنقرة. فالملف السوري، رغم أهمّيته، لا يشكِّل سوى جانبٍ صغيرٍ من التفاهمات والمصالح المشتركة دولياً وإقليمياً بين هاتين القوَّتَين.

Page 7 of 80