Skip to main content

شهدت أوروبا في زمن مضى ظهور رجال دولةٍ أقوياء خرجوا من محارق الحروب، وحركات المقاومة، ودوّامات السياسة الجماهيرية. فبغض النظر عن مدى احترامنا لهؤلاء وتوافقنا مع خطهم السياسي، برزت شخصيات، مثل: شارل ديغول، ووينستون تشرشل من قلب صراعات وجودية، يحمل كلّ منهم رؤية واضحة لما يريدون لدولهم. جمع هؤلاء بين الرؤية الاستراتيجية وحدس الدولة، وتمكنوا من توجيه أوروبا نحو ما يشاؤون في منتصف القرن العشرين.

في الجزء الأول من هذا المقال، توقّفنا عند البنية النظرية للإمبراطورية الرقمية: كيف تحوّل «الريع التكنولوجي» إلى أداةٍ رئيسية لاستخراج الفائض من الجنوب العالمي، وكيف تُعيد الملكية الفكرية والمنصّات الرقمية والأمولة إنتاج منطق الإمبريالية في ثوبٍ تقني جديد. استعرضنا هناك مساهمات عددٍ من المفكّرين، أمثال: سمير أمين وديفيد هارفي ويانيس ڤاروفاكيس وجون بيلاّمي فوستر وريتشارد وولف، لفهم العلاقة بين المركز والأطراف في عصر البيانات والذكاء الاصطناعي. في هذا الجزء الثاني ننتقل من الخرائط النظرية إلى الوجوه العملية للإمبراطورية الرقمية: كيف تُترجَم تلك البنى إلى سياساتٍ ملموسة، وسلاسل توريد، وأشكال عملٍ واتفاقات، ومحاولاتٍ من الجنوب لكسر قبضة الشمال على التكنولوجيا والمعرفة.

شيدت الرأسمالية الرقمية بقيادة الغرب نظاماً إمبراطورياً جديداً في القرن الحادي والعشرين، حيث تتيح الملكية الفكرية والتمويل واحتكارات المنصات تحويلاتٍ هائلة للثروة من الجنوب العالمي إلى الشمال العالمي. سنتطرق في هذا المقال إلى «الريع التكنولوجي» الذي أصبح اليوم الوسيلة الرئيسة لاستخراج الفائض الإمبريالي. وانطلاقاً من إطارٍ نظري ماركسي، نُبيّن كيف انتقل استحواذ الفائض من خطوط المصانع إلى دوائر المعلومات والمنصات الرقمية، في توازٍ مع أنماط السلب الاستعماري السابقة. لكن على الجهة المقابلة، علينا أن ندرك وجود توجّهاتٍ مضادّة ناشئة: مبادراتٌ تكنولوجية تقودها الدولة في الصين والهند، ومساعٍ إقليمية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا لتعزيز السيادة الرقمية، وتعاونٌ جنوب–جنوب في العلوم والتكنولوجيا. تتحدّى هذه التطورات قوّة الاحتكار في الشمال، وتلمّح إلى نظامٍ رقمي متعدد الأقطاب.

تُصِرّ أسطورة النيوليبرالية على أنّ الدولة يجب أن «تبتعد عن طريق» الأسواق. في الواقع، مع ذلك، لا يمكن لأيّ اقتصادٍ رأسماليٍّ كبير اليوم أن يصمد دون تدخّلٍ نشطٍ من الدولة. كما تُلاحظ عالمة الاقتصادي جاياتي غوش، فإنّ رأسمالية القرن الحادي والعشرين تعمل عبر دمج الربح الخاصّ بالتحكّم العام، حيث تضمن الحكومات شروط التراكم في الوقت الذي تُصوَّر فيه الأسواق على أنّها «حرّة». نحاول هنا أن نختبر هذه الفرضية من خلال ثلاث دراساتٍ لحالاتٍ معاصرة: أمريكا، والاتحاد الأوروبي، والجنوب العالمي في ظل الإمبريالية المالية – لإظهار حقيقةٍ مشتركة: الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين لا يمكن لها الاستمرار من دون الدولة، إذْ توفّر الدولة السِّقالة التي يتكئ عليها الربح.

من منظور مادي-تاريخي، لا يُعدّ «الغرب» جغرافيا ثابتة أو جوهراً ثقافياً، بل هو تشكّلٌ تاريخيّ لعملية تراكمٍ رأسمالي تحوّل إلى إمبريالي في مرحلة لاحقة. في تحليل ماركس لما أسماه «التراكم البدائي»، كان صعود أوروبا الغربية قائماً على النهب العنيف على نطاقٍ عالمي، إذ كتب: «إن اكتشاف الذهب والفضة في أمريكا، وإبادة واستعباد السكان الأصليين، وبداية غزو ونهب الهند الشرقية، وتحويل أفريقيا إلى مرعى لصيد البشر السود، كانت جميعها تُؤذن بفجرٍ ورديّ لعصر الإنتاج الرأسمالي».

قال ريتشارد وولف في محاضرته الأخيرة: «حين تتقاطع التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في نظامٍ واحد، فإن التاريخ لا يُعيد الأمور إلى نصابها، بل يُعيد صياغتها». تنطبق هذه المقولة بعمق على الحالة «الإسرائيلية» الراهنة، إذ تقف «إسرائيل» عند نقطة تحوّل بنيوية لا يمكن التراجع عنها، بعدما بلغ التوتر بين أركان الدولة ــ الاقتصاد والسياسة والمجتمع ــ ذروةً لا تسمح بالعودة إلى ما قبلها.

تفيد وسائل إعلام غربية مثل «بلومبرغ» و«بوليتيكو» وغيرها، بأنّ المفوضية الأوروبية تعتزم إنفاق تريليون يورو لتنفيذ خطة لإعادة التسلّح و«ردع» روسيا، والهدف من هذا المشروع الضخم هو «جعل أوروبا قادرة على القتال بحلول عام 2030».

تواجه السعودية تحدياً ملحاً يتمثل في الصحراء وتدهور البيئة، إذ يُصنَّف نحو 95% من أراضيها كصحراء. تاريخياً، اعتمد نهج المملكة في إدارة الأراضي على الخبرات الغربية، وثروة النفط لتمويل المبادرات البيئية. اليوم، التوجّه الاستراتيجي للعالم، والسعودية جزء من هذا العالم، يميل إلى الشرق، ويرتكز بشكل رئيسي على علاقات متنامية مع الصين، ما أدّى لإدخال أدوات واستراتيجيات جديدة لإعادة تأهيل النظم البيئية السعودية. يبحث هذا المقال في كيفية تمكين الشراكة السعودية–الصينية الشاملة من نقل المعرفة والاستثمار والمبادرات المشتركة لمكافحة التصحر وتعزيز الاستدامة.

في الجزء الأول من هذا المقال، أظهرنا كيف تراجعت الروابط الاقتصادية والعسكرية بين أنقرة وواشنطن: من هبوط حصة أمريكا في التجارة التركية إلى 6.5% من الصادرات و4.8% من الواردات، إلى خسارة برنامج F-35 والعقوبات التي أضعفت الليرة بنسبة 40% عام 2018. هذا التراجع لم يكن حدثاً عابراً، بل مساراً استراتيجياً أعاد تعريف مكانة تركيا داخل الناتو، وحدود اعتمادها على الغرب.

على مدى العقدين الماضيين، انتقلت العلاقات بين أمريكا وتركيا من شراكة استراتيجية متينة إلى حالة توتر واضحة. وقد اتسم هذا التدهور بخلافات سياسية امتدت إلى المجالين الاقتصادي والعسكري. فبعد أن كانتا حليفتين وثيقتي الصلة داخل الناتو، بات البلدان اليوم يختلفان حول قضايا محورية تتراوح من الأمن الإقليمي إلى التزوّد بأنظمة التسليح. وتعكس المؤشرات الكمية هذا الشرخ: إذْ لا تمثّل أمريكا اليوم سوى نحو 6.5% من صادرات تركيا و4.8% من وارداتها، ورغم أنها ما تزال ثاني أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا بنسبة 8.1% من إجمالي التدفقات التراكمية، فإن التجارة والتعاون الدفاعي قد أصابهما الجمود أو التراجع، من إخراج أنقرة من برنامج F-35 إلى العقوبات التي هزّت الليرة بنسبة 40% عام 2018.

Page 4 of 80