Skip to main content

على مدى القرن الماضي، شهدت الرأسمالية الأمريكية وجود أكثر الطبقات الحاكمة وعياً طبقياً ونفوذاً في تاريخ العالم، إذ تهيمن على كلٍّ من الاقتصاد والدولة، وتمتد هيمنتها داخلياً وعالمياً. ويكمن جوهر حكمها في جهاز أيديولوجي يصرّ على الادعاء بأنّ القوة الاقتصادية الهائلة للطبقة الرأسمالية لا تعني حكماً سياسياً مباشراً، وأنّه مهما بلغ الاستقطاب في المجتمع الأمريكي على الصعيد الاقتصادي، فإنّ ادعاءاته بالديمقراطية تبقى قائمة.

في الأيام الأخيرة، تشهد ألمانيا نقاشاً حاداً حول قضيتين سياسيتين من العيار الثقيل، الأولى: هي الفشل المفاجئ لفريدريش ميرتس في الجولة الأولى من التصويت على منصب المستشار الاتحادي، والثانية: إعلان حزب «البديل من أجل ألمانيا» كتنظيم متطرف، مع ما يحمله ذلك من احتمالية حظره في المستقبل. والغريب أن هاتين المسألتين، رغم اختلاف طبيعتهما، ترتبطان ببعضهما ارتباطاً وثيقاً.

في تحولٍ جذري لحملتها العسكرية التي استمرت قرابة عام في البحر الأحمر، وافقت الولايات المتحدة على وقفٍ لإطلاق النار مع القوات اليمنية المتحالفة مع حركة أنصار الله، بوساطة سلطنة عمان. فبعد شهور من التصعيد تحت ذريعة «حماية الملاحة الدولية»، تجد واشنطن نفسها اليوم مضطرة إلى إنهاء صراعٍ كانت هي من بدأته، لكنها فشلت في السيطرة عليه.

تخيّل دولة منخفضة الدخل. تعاني من عبء ديونٍ ثقيل، وتحاول منذ عقود اللحاق بركب الدول الغنية، لكن دون جدوى، والسبب الرئيسي هو ذلك الدين الذي يحيط بعنقها كطاحونة ضخمة. وفي الوقت ذاته، تنفق المزيد والمزيد من مواردها الشحيحة للتعامل مع آثار تغيّر المناخ، من ارتفاع مستويات البحار إلى العواصف العاتية - وهي أزمة لم تساهم في خلقها إلا بنسبة ضئيلة. تواجه هذه الدولة الآن نسخة أرضية من «مشكلة الأجسام الثلاثة»*. هذه الأجسام الثلاثة: الديون، والتنمية، وتغير المناخ، تتفاعل بطرق يصعب التنبؤ بها.

عادةً ما تُستخدم الرسوم الجمركية في اقتصاد أي دولة عند مرحلتين حاسمتين: إما في فترة بداية التصنيع، حين تسعى الدول إلى خلق «أبطال وطنيين» ناشئين، أو في فترة الشيخوخة المالية، حين تحاول النخب تأخير الانحدار الحتمي. وتُعد حرب دونالد ترمب التجارية، التي تميزها الفوضوية، مثالاً صارخاً على الحالة الثانية. فمع تزايد انحسار الهيمنة الأمريكية، بدأت ترتسم ملامح ترتيب جيو-سياسي-اقتصادي جديد: عولمة مدفوعة بالبطاريات تقودها الصين. أبرز تجليات هذا التحول هو التوسع الدولي الهائل لصناعة السيارات الكهربائية الصينية.

في ظل الواقع الحالي، تواجه القوى الكبرى ضغوطاً متزايدة لتحقيق توازن دقيق بين العولمة والتكامل الإقليمي والمصالح الوطنية ضمن سياساتها الخارجية، حفاظاً على تنافسيتها. فقيادة الطريق نحو عالم متعدد الأقطاب تتطلب هيكلة مادية وأيديولوجية للبيئة المحيطة، إذ إنّ مفهوم «القطب» نفسه يفترض قدراً من الاكتفاء الذاتي، ورؤية واضحة حول سبب وكيفية ترابطه.

في عطلة نهاية أسبوع واحدة، انقلبت الأوضاع رأساً على عقب. تمرّ سوق الأسهم الأمريكية بتقلبات حادة تشبه الأفعوانية. قام بعض المحللين في وقت سابق بتحليل المنطق الكامن وراء سياسات ترامب الجمركية والقوى الدافعة خلفها، وحذّروا من مخاطر محتملة في سوق الأسهم. لكنّ الصورة القاتمة التي رسمها هؤلاء لنتائج الحرب التجارية التي أطلقها ترامب لم تصل إلى حدّ ما حدث في أسواق الأسهم الأمريكية وحول العالم بشكل متتابع. توقّع هؤلاء - وأنا منهم - أن تتأثر الأسواق، لكن أن تنهار خلال يومين فقط، لم يكن الأمر في حسبان إلّا قلّة قليلة من المحللين.

تعارض الغالبية العظمى من الناس في غرينلاند الانضمام إلى الولايات المتحدة، على الرغم من تهديدات دونالد ترامب باستعمار أراضيهم. وبحسب استطلاع للرأي نشرته صحيفة غرينلاندية في كانون الثاني، فإن 85% من سكان غرينلاند لا يريدون الانضمام إلى الولايات المتحدة، ولا يؤيد سوى 6% فقط من سكان غرينلاند اقتراح ترامب بضم وطنهم. أما الـ 9% الباقون فلم يحسموا أمرهم بعد. لكن لماذا يريد الأمريكيون حقاً الاستيلاء على غرينلاند؟

بينما اعتدنا أن ننظر إلى العالَم من الشرق إلى الغرب، هناك من بدأ يحدّق في الكرة الأرضية من الأعلى… من القطب الشمالي تحديداً. وما إن نغيّر زاوية النظر حتى تنقلب خريطة النفوذ والمخاطر: تصبح روسيا عملاقاً قطبياً، وتظهر غرينلاند وكندا كجواهر استراتيجية، بينما تتحوّل ألاسكا إلى هامش صغير في الزاوية. في قلب هذا التحوّل، تعود الولايات المتحدة إلى لغة الأساطيل والسباق على البحار، مدفوعةً باستراتيجية جديدة ترى في صناعة السفن مفتاح السيطرة على «اللعبة الكبرى» الجديدة، لكن هذه المرة، على جليد الشمال لا رمال الشرق.

تجري إعادة تشكيل واضحة لعلاقات القوة العالمية منذ العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، حيث تضعف الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة. لكنّ أزمتها شرسة بقدر استجابتها: فإلى جانب حلفائها في الكتلة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تشكِّل ما يُعرَف «بالشمال العالَمي»، حاولت الولايات المتحدة التعويض عن فقدان قوتها الاقتصادية والتكنولوجية عبر الهيمنة العسكرية. يأخذ هذا الأسلوب في فرض الانضباط وإخضاع الشعوب أشكالاً متعددة، مثل الاحتلال العسكري، والتدابير القسرية الأحادية (UCMs)، والعقوبات، والإبادة الجماعية.

Page 6 of 80