Skip to main content

اعتبارًا من 27 آذار 2026، حوّلت الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل مضيق هرمز إلى حالة الاختبار الاستراتيجي الأهم في هذا العقد: فأقوى قوة بحرية في العالم موجودة في المكان، ومع ذلك لا يزال المرور التجاري مقيّداً، ومسموحاً به بشكل انتقائي، ومُسيّساً لأبعد حد يمكن وصفه.

رغم الفوضى التي اتسمت بها تطبيقاتها العملية، انطلق المنطق الأولي المعلن لسياسات دونالد ترامب الجمركية من هدف استراتيجي واحد: توسيع قاعدة الإنتاج الصناعي داخل الأراضي الأمريكية. فوفقاً لهذه الرؤية الاقتصادية، يُتوقع من الشركات- سواء الأمريكية أو الأجنبية- أن تستبدل الإنتاج المحلي بالواردات الأمريكية حين تواجه تعريفات جمركية مرتفعة. ويُفترض أن يرافق بناء المصانع داخل الولايات المتحدة توسُّع ملموس في فرص العمل، يستهدف قاعدة صناعية أُفرغت على مدى عقود بفعل الأتمتة المتسارعة، ونقل خطوط الإنتاج إلى الخارج بحثاً عن تكاليف أقل. ورغم أنه لا ينبغي اتهام ترامب بوضوح الرؤية، أو اتساق المنهج، فإن شعاراته «أمريكا أولاً» وتسويقها السياسي تحت يافطة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» تستحضر صوراً نوستالجية من النظام الاقتصادي المبكر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت الولايات المتحدة تنتج نحو 60% من السلع المصنعة عالمياً، رغم أنها تضم 6% فقط من سكان العالم، وتحقّق فائضاً تجارياً، أو توازناً مستمراً في تجارتها الخارجية. في تلك الحقبة الذهبية، كان بإمكان الطبقة العاملة- التي كانت نقابيتها قوية، وتمتعها بحماية قانونية واسعة حينها- أن تتوقع مكاسب أجور تتماشى مع نمو الإنتاجية، مما عزز الطبقة الوسطى الأمريكية، ووسع قاعدة الاستهلاك المحلي.

شهدت الأشهر الأولى من عام 2026 تصعيداً دراماتيكياً في العنف الإمبريالي. فقد قامت «أمريكا» باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهددت بغزو غرينلاند، وفرضت حصاراً على كوبا، ومنحت الضوء الأخضر لمواصلة الإبادة الجماعية في فلسطين، وشنت هجوماً متهوراً على إيران. على خلفية ما يحدث، إليكم أبرز ما جاء في مقابلة مع السياسي والمفكر البرازيلي سيلسو أموريم حول الوضع الدولي الراهن. كان أموريم شخصية بارزة في العلاقات الدولية لأكثر من ثلاثين عاماً، فقد شغل منصب وزير الخارجية في 1993، ثم أصبح الممثل الدائم للبرازيل لدى الأمم المتحدة في أواخر التسعينيات. وعاد لاحقاً إلى منصب وزير الخارجية عندما وصل لولا إلى السلطة عام 2003، وبقي فيه حتى عام 2010، قبل أن يُعيَّن وزيراً للدفاع في عهد ديلما روسيف. وهو يشغل حالياً منصب المستشار الرئيسي للحكومة الثالثة للرئيس لولا.

في الجزء الأول من هذا المقال، ناقشنا الخلفية النظرية للمقارنة بين التجربة السوفييتية والصعود الصيني، وتوقفنا عند الفارق بين «اقتصاد الحرب» الذي فرضته الشروط الجيوسياسية على الاتحاد السوفييتي، وبين مسار الإصلاح والانفتاح الذي أعاد الصين إلى ما يعتبره جون روس أقرب صيغة ممكنة إلى البنية الماركسية الأصلية.

في عام 2025، نشر المؤرخ الاقتصادي جون روس كتاباً جديداً بعنوان «التحول الكبير خلال قرن: العالم والصين»، عرض فيه بصورة منهجية الاتجاه العام للعالم، وتحديداً «الرأسمالية الطفيلية» في أمريكا بوصفها أكبر عائق أمام التنمية العالمية. وانطلاقاً من المقارنة بين الشرق والغرب، والمقارنة بين الصين والاتحاد السوفييتي، ناقش من منظور ماركسي مزايا الصين، وإسهاماتها، ومسار تطورها. تالياً، وعلى مساحة مقالين، سنعرض أبرز ما جاء في مقابلة أجرتها صحيفة «غوانتشا» الصينية مع روس، مطلع هذا العام حول ما جاء في كتابه.

إن أردنا الحديث عن الاحتكار ومدى استمراره اليوم، والمستفيد منه وطرق كسره وغيرها من النقاط المهمة المرتبطة بذلك، علينا البدء بوضع مفهوم له. ضمن سياق مقالنا، علينا ألّا نختزل مفهوم «الاحتكار» في تركّز الاحتكار على مستوى الشركة، أو حتّى سلسلة من الشركات، بل أن نتعامل معه بوصفه نظاماً تاريخياً متشكلاً للسيطرة على كامل شروط الإنتاج: أي وسائل الإنتاج، والبنى التحتية المؤسسية التي تنسّقها وتموّلها، والهياكل القانونية–التنظيمية التي تحمي تدفّق عوائدها. هذا المعنى المنهجي حاضر ضمنياً في التحليلات الماركسية الطويلة حول حتمية تحوّل رأس المال إلى احتكاري، وتصاعد الإمبريالية ونفوذها، وصولاً إلى المفاهيم الرئيسية الأكبر، مثل: التبادل اللامتكافئ. كما أنّ هذا المفهوم للاحتكار مركزي في الاقتصاد السياسي النقدي اللاحق، الذي يحلّل كيف تُعيد الفوارق التكنولوجية والمالية، وسلطة الدولة، تشكيل التراكم على المستوى العالمي.

في مطلع عام 2026، أثار تجدّد اهتمام أمريكا بغرينلاند- وبالمنطقة القطبية الشمالية الأوسع- مواجهةً جيوسياسيةً محتدمة. علينا أن نفهم قبل أيّ شيء أنّ سلوك أمريكا لا تحرّكه نزوات عابرة أو مجرد «حِرَفية دولة»، بل قوى بنيوية أعمق ترتبط بالرأسمالية الإمبريالية. نحاول أن نستكشف كيف يقوم «الاستخراج Extractivism» وأمن سلاسل الإمداد وعسكرة المجالات الاستراتيجية بتأسيس أجندة واشنطن القطبية، وكيف تستمر العلاقات الاستعمارية رغم «نزع الاستعمار» الرسمي. باتت غرينلاند نقطة التقاء بين المراقبة العسكرية، واستخراج الموارد، والتحكم اللوجستي. ما يُسوَّق بوصفه حمايةً لـ«الأمن» أو «الاستقرار» هو، مادياً، دفاعٌ عن إدامة التراكم الرأسمالي، وعن الهيمنة الاستراتيجية، علاوةً على ذلك.

أعاد التركيز المتجدد على نصف الكرة الغربي في أحدث استراتيجية للأمن القومي الأمريكي فتح نقاش يتجاوز بكثير حدود السياسات الإقليمية. فالمسألة المطروحة لا تتعلق فقط بأمريكا اللاتينية، أو الهجرة، أو ضبط الحدود، أو أي من القضايا التي يحاول الأمريكيون التعمية على تراجعهم من خلالها، بل بشكل القوة الأمريكية ذاته في المستقبل. يختلف المحللون في التسمية: «انسحاب»، «إعادة تركيب»، «إعادة توازن»، «إمبريالية قومية»، لكنهم يصفون بصورة متزايدة الظاهرة البنيوية نفسها: إمبراطورية واقعة تحت القيود، تضيق أولوياتها، وتتصلب أدواتها، وتحاول تثبيت عالم لم يعد يتيح لها الهيمنة التي اعتادت عليها.

بعد نشرنا للجزء الأول من هذا الملف، وقع تحوّل عالمي بالغ الدلالة، لا يجب علينا قراءته كحادثة معزولة، أو مجرد «تفصيل خبري» في صخب السياسة اليومية: لقد مضت أمريكا خطوة أبعد في منطق الهيمنة حين مارست، بصورة فجة، ما يمكن وصفه بالبلطجة الدولية عبر خطف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، ثم أعلنت صراحة أن خيار نشر قوات على الأرض «من أجل تأمين النفط» مطروح على الطاولة. هذه ليست لغة تحشيد إعلامي وحسب، وبالتأكيد لا يمكن اعتبارها ضمن النهج «الترامبوي» والعنتريات الأمريكية فقط، بل يجب فهمها كلغة نظام نقدي–عسكري يعرف أن قوته لا تُصان بالأوراق وحدها، وأن الدولار لا يعيش على الثقة المجردة، بل على السلاح والقواعد والتحكم بمسارات الطاقة والمواد الخام.

لا يمكن فهم هيمنة الدولار الأمريكي إلّا بوصفها ظاهرة بنيوية في الاقتصاد العالمي، يمكن إدراكها عبر تحليل تاريخي-مادي يربط بين النقد، والدَّيْن، والسلطة، ومسار التراكم الرأسمالي العالمي. يجب أن نسعى إلى تفكيك الأسس التي قامت عليها هذه الهيمنة، وشرح آليات إعادة إنتاجها في مرحلة تتزايد فيها التناقضات الاقتصادية والسياسية داخل المركز الأمريكي، مع اختبار ما إذا كانت اللحظة الراهنة تعبّر عن أزمة عابرة أم عن نقطة انعطاف أعمق في النظام النقدي الدولي. إنّ هيمنة الدولار يمكن فهمها عبر عدة أبعاد متميزة لكنها مترابطة:

Page 3 of 80