Skip to main content

في عالم اليوم يتكون أمن أيّ بلد من عناصر مختلفة تلعب فيها الطاقة دوراً حاسماً. تتحدد فعالية أمن الطاقة في أيّ بلد من خلال قدرات موارده وقاعدته العلمية والتكنولوجية وموقعه الجغرافي وإمكانية عقده علاقات إستراتيجية. لا تمتلك تركيا كلّ هذه المكونات على قدم المساواة «ليس لديها كمثال احتياطات كبيرة من النفط والغاز أو تكنولوجيا الطاقة النووية»، لكنّها تقوم إلى حد كبير اليوم بتعويض النقص لديها من خلال موقعها الجغرافي المتميز على مفترق أوراسيا، وإمكانية الوصول إلى أحواض بحار المتوسط ومرمرة وإيجة والأسود، ناهيك عن طرق العبور الرئيسية بين الغرب والشرق والشمال والجنوب.

كنتيجة للحرب في أوكرانيا، حيث أصبح بحر آزوف بحراً داخلياً لروسيا، محاطاً بشبه جزيرة القرم ومصب نهر الدون، باتت شبكات البحر وسكك الحديد تمتدّ إلى المراكز الإيرانية على بحر قزوين لتصل في النهاية إلى المحيط الهندي. يبدو أنّ هذا الممر التجاري الذي تبنيه روسيا وإيران سيصبح في مركز صدارة مشاريع كسر العقوبات في كامل المنطقة، والأكثر من ذلك أنّه قد يصبح مركزاً لتفرّع شبكات تجارية تجمع الاقتصادات الإقليمية ينشأ عنه تكتل تجاري ضخم.

التناقض المهم الذي واجهته روسيا على الساحة الدولية في عام 2022 هو مزيج من السياق العالمي المؤاتي تماماً مع العقبات الهائلة التي تحول دون تحقيق أهداف محددة للسياسة الخارجية. فمن جهة كانت الحرب المستمرة اليوم هي آخر حلقة في مناهضة حكم الغرب الذي دام لعدّة قرون. من جهة ثانية لدى عدوّ روسيا موارد «ресурса» كبيرة تعينه على إطالة القتال. ليس هناك شكّ في أنّ معظم هذه القصص ستبقى تتفاعل مع تأثيراتها في عام 2023، وكلّما كنا أكثر تحضراً أدركنا بنجاح تشكيل النظام العالمي الجديد الذي تلعب روسيا بقطيعتها مع الغرب دوراً هائلاً في تشكيله.

ربّما يكون اشتعال التوتر في كوسوفو محض مصادفة، ولكن سواء أكان ذلك أم أنّه عمل مخطط، فإنّ له رمزيته الكبيرة بالنسبة للحرب الدائرة بين روسيا والغرب في أوكرانيا. فإن لم يكن الاتحاد الروسي يرغب في أن يعاني من المصير ذاته الذي عاناه الاتحاد اليوغسلافي، وإن لم تكن روسيا لتصبح صربيا الجديدة، فعليها أن تتفادى الأخطاء التي أدّت بصربيا إلى حالها، والتي يتمنى الغرب مجتمعاً أن تقوم بها روسيا من بوابة الدونباس.

لفترة طويلة كان الإعلام الغربي ومحللوه يتحدثون عن «منعة الخليج العربي» أمام غير الولايات المتحدة، وبأنّ الصين حتّى لو نجحت دبلوماسياً في وسط وجنوب آسيا، فهي غير قادرة على الوصول إلى الشرق الأوسط وتطوير العلاقات مع دول الخليج العربي. كما أنّ هؤلاء المحللين أنفسهم كانوا يأملون باستدامة التوترات في الخليج بين السعودية وإيران، لتستمرّ الولايات المتحدة من الاستفادة منه وصولاً إلى تفجيره عند الاضطرار للانسحاب من الخليج العربي. لكنّ زيارة الزعيم الصيني شي جين بينغ إلى السعودية، والتقارب السعودي الإيراني المتزايد، يشي بعكس ذلك.

قامت عدد من المنظمات والأحزاب الأهلية الإفريقية باتخاذ موقف مناهض قوي للقمّة الأمريكية- الإفريقية الذي عُقد بين 13 و15 شهر كانون الأول 2022. يوضّح بوكر أومولي، نائب الأمين العام للحزب الشيوعي في كينيا في لقاء معه سبب هذا الموقف الموحد رغم وعود التنمية الكبيرة التي أطلقتها الولايات المتحدة.

يصادف كانون الأول 2022 مرور 100 عام على تأسيس الاتحاد السوفييتي. لا توجد احتفالات وطنية بهذا الحدث في الاتحاد الروسي، ومع ذلك فهذه هي الذكرى السنوية لانتصار الشعب. قبل مئة عام أصبحت روسيا الدولة الأكثر حرية وديمقراطية وتقدمية على هذا الكوكب. كانت الحقوق والفرص التي حصل عليها المواطن العادي في الاتحاد السوفييتي غير واردة ببساطة لأي شعب في ذلك الوقت.

إنّ الدور الذي تلعبه تايوان بوصفها محميّة للغرب، يعني أنّها دوماً تواجه احتمال قيام الصين باستعادتها بشكل عسكري، ناهيك عن أوقات التوترات. ولكن إذا ما تغاضينا عن هذا الاحتمال، فتايوان اليوم مهددة بسبب الغرب الذي صنعها في المقام الأول، حيث إنّ التغييرات العالمية تظهر أنّ أوروبا وأستراليا لا يريدان تعكير علاقتهما مع الصين في سبيل تايوان، وأنّ الولايات المتحدة قد تسلب من تايوان أحد أهمّ مزاياها وتتركها كما تركت غيرها.

يبدو التصريح الذي قاله ألكسندر خوداكوفسكي، وهو قائد كتيبة فوستوك في جمهورية دونتسك: «سلاح الجندي الرئيسي ضدّ الموت هو رفش/مجرفة» وكأنّه لا يمتّ للحرب المعاصرة فائقة التقنية بصلة. ولكن وكما أثبتت الحرب الدائرة في أوكرانيا، فالدعاية الغربية عن أنّ الحرب الحديثة أقلّ أذى وأكثر دقّة بسبب التطور العسكري، وأنّ تكاليفها المادية المرتفعة هي الثمن الذي يجب دفعه من أجل تقليص تكاليفها البشرية، هي مجرّد دعاية فارغة.

في مساء 7 كانون الأول تمّ خلع الرئيس البيروفي بيدرو كاستيو عبر انقلاب برلماني. لا يزال من المبكر أن نفهم تماماً ما الذي سيحدث تالياً فجميع السيناريوهات مفتوحة اليوم، لكنّ الأكيد أنّ كاستيو لم يطبّق عملياً من «اليسار» إلّا اسمه، وأنّ محاولاته الاستزلام للأمريكيين والانبطاح أمام اليمين البيروفي لم تنجّه من خلعه وتخلي حلفائه في الوسط السياسي عنه. بأيّة حال علينا أن ننظر لما حدث من زاوية تحليل جيو إستراتيجي وتأرجح صعود القوى اليسارية في أمريكا اللاتينية وتهديد ذلك لهيمنة القوى الإمبريالية والقوى التابعة لها.

Page 21 of 80