Skip to main content

رأى غرامشي ضرورة التمييز، في التحليل التاريخي والسياسي، بين عدة لحظات (مستويات) من موازين القوى، مركّزاً على ثلاثٍ أساسية، وقد عرض الجزء الأول من المقال أوّل لحظتَين منها (الاجتماعية والسياسية). يتابع غرامشي بعد ذلك إلى: «3- اللحظة الثالثة (ميزان القوى العسكري)، الذي يكون من وقت إلى آخر حاسماً فوريّاً. والتطوّر التاريخي ينوسُ مهتزّاً باستمرار بين اللحظتين الأولى والثالثة، بتواسطٍ من اللحظة الثانية».

كتب أنطونيو غرامشي في الدفتر الرابع من دفاتر سجنه ملحوظة طويلة تبدأ بما يلي: «العلاقات بين القاعدة المادية والبنى الفوقية هي برأيي المسألة الحاسمة في المادية التاريخية. ويمكن العثور على ضالّتنا في هذا الصدد استناداً إلى الأسس التالية: 1- المبدأ القائل بأنّه لا يوجد مجتمع يضع لنفسه مهمات، ما لم تكن الشروط اللازمة والكافية لإنجازها قد وجدت سلفاً [أو في طور الظهور والتطوّر]. 2- ما مِن مجتمعٍ يزول قبل أن يطوَّر أولاً جميع أشكال الحياة المتضمنة في علاقاته الداخلية».

أخذت تنتشر فكرة إمكانية وجود «عالَمٍ بلا عَمل»، على نحو خاص منذ بدأت أزمة «الركود العظيم» الرأسمالية عام 2008. وما زالت تتنامى النقاشات والتنظيرات في الاقتصاد والعلم والثقافة حول أحدث تطويرات الأتمتة والحوسبة والروبوتات والذكاء الاصطناعي. وكلّما ظهر اختراع جديد في هذه المجالات، تتجدّد المخاوف التي تتراوح في طيفها ما بين القلق من توسّع «البطالة التكنولوجية» إلى شطحات الخيال العلمي حول نهاية كارثية سوداوية للنوع البشري إما كعبيد لروبوتات «أذكى من الإنسان» وتتحكّم به، أو حتى انقراض النوع البشري وخضوع الكوكب لحكم «الآلات الذكية».

تسبب أكبر انقطاع في التاريخ لأنظمة تكنولوجيا الاتصالات والحوسبة التابعة لشركة مايكروسوفت، يوم الجمعة 19 تموز 2024، بإحداث فوضى عالمية وخاصةً في الغرب، في حين لم تتأثر روسيا والصين، وتم احتواء الأضرار في بلدان أخرى أقل استقلالاً، بفضل خطط طوارئ أو بدائل عوضاً عن الثقة العمياء بالشركة الأمريكية. وكان الانقطاع خطيراً لدرجة تهديد أمن أو حياة ملايين البشر، ولا سيّما أنّ من المنظومات المتعطلة مطارات واتصالات طوارئ ومستشفيات وبنوك، وغيرها من قطاعات حيوية. ومع أنّ معظم وسائل الإعلام ركّزت على السبب المباشر الآنيّ للمشكلة، وهو تحديث برنامج من قبل شركة الأمن السيبراني «كراود سترايك» لمصلحة أنظمة تشغيل ويندوز مايكروسوفت (وكلاهما أمريكيتان)، ورغم الميل لتبرئة مايكروسوفت من المسؤولية، وتحميلها للشركة الأصغر، لكن الحقيقة هو أنّ سيناريو كهذا لطالما كان متوقعاً وحذّر منه خبراء بأمن المعلومات منذ أكثر من 20 عاماً، وذلك بالتحديد بناءً على تحليلهم انتهاكات مايكروسوفت لقواعد أمان علميّة معروفة بدافع مصالحها الاحتكارية والأنانية.

سنعرض فيما يلي أبرز الموضوعات حول اللغة ونشوئها كما قدّمها ماركس وإنجلس ومن بعدهم عدة علماء ماركسيين وخاصةً من مدرسة فيغوتسكي-لوريا-ليونتييف. كان أليكسي أليكسيفيتش ليونتييف (1931–2007) عالماً في اللغة والسيميائيّات (علم الإشارات والرموز ومعانيها). أما أليكسي نيكولايفيتش ليونتييف (1903–1979) فكان عالم نفس تطوّري سوفييتي، وأحد مؤسسي «نظرية النشاط». وكلاهما من تلاميذ فيغوتسكي (1896–1934) صاحب «النظرية الثقافية التاريخية». كما كان العالم السوفييتي ألكسندر رومانوفيتش لوريا (1902–1977) أبا علم النفس العصبي الحديث ومساهماً بتأسيس «علم النفس الثقافي التاريخي» كمُعاوِن لليف فيغوتسكي.

أنكر تشومسكي أيّ دور اجتماعي في نشوء اللغة، مفترضاً ظهورها «كطفرة» بيولوجية وراثية «حدثت لدى فردٍ واحد وليس لدى مجموعة... فامتلك ذلك الفرد [البدائي] القدرة على أن يقوم بما نقوم به الآن داخلياً ولكن دون التعبير عنه خارجياً، لأنه لم يكن ثمة أحدٌ غيره ليتكلّم معه...». وهكذا لم تقتصر نسخة تشومسكي من «التكوين» على أنّه «في البدء كانت الكلمة» بل وكان البشريُّ الوحيد العارف بالكلمة إمّا آدم فقط أو حوّاء فقط، بحسب أيّهما نُفِخَت فيه «طفرة اللغة». وعلى النقيض تماماً من أسطورة تشومسكي البيولوجية، كان إنجلس قد استنتج عام 1876 بأنّ اللغة نشأت بالأساس من حاجة البشر البدائيين «إلى أن يقول بعضهم لبعضٍ شيئاً» في سياق «دور العمل في تحوّل القرد إلى إنسان». وكتب ماركس وإنجلس في أحد أبكر أعمالهما - الإيديولوجيا الألمانيّة 1846: «اللغة قديمة قدم الوعي، إنها الوعي العَمليّ الواقعي الموجود من أجل البشر الآخرين أيضاً، وبفضل هذا فقط يكون موجوداً كذلك من أجلي».

تقول المعلومات الإحصائية المتوفرة بأنّ الحاجة إلى الكهرباء ارتفعت لتحتل المرتبة الثالثة على قائمة أولويات الحاجات الملحة لدى السوريين اعتباراً من العام 2021 على الأقل، وذلك مباشرةً بعد الحاجة إلى الغذاء التي احتلت المرتبة الأولى، والحاجة إلى الدعم المعيشي التي احتلت المرتبة الثانية. وهذا الترتيب بحسب ما أفاد به 47% من المقيمين في سورية، و39% من العائدين بعد التهجير، و37% من النازحين داخلياً القاطنين خارج مخيمات النزوح الداخلي في سورية.

تعرّض المفكر الأمريكي وعالم اللسانيات الشهير أفرام نعوم تشومسكي (95 عاماً) لسكتة دماغية أفقدته القدرة على الكلام بحسب الأنباء الواردة خلال الأيام الماضية مع انتشار شائعات غير مؤكّدة عن وفاته. وفي ظل حرب الإبادة الصهيونية-الأمريكية الدائرة في غزة منذ 7 أكتوبر، من الطبيعي أن تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام تذكيرات بمواقف وكتاباتِ تشومسكي بشأن القضية الفلسطينية، التي تُعتبر في مصافّ كلمات الحقّ الطبيعية التي من الواجب أن يقولها أيّ إنسان إذا كان لا يريد أن يُنظَر إليه على أنه فاقد الإنسانية، سواءٌ أكان مثقفاً أم غير مثقف، يسارياً أم يمينياً... ولكن هذا لا يمنع من نظرة أشمل على مواقف تشومسكي السياسية في قضايا أخرى، والتي لا تخلو من التناقض؛ فمثلاً، قد يبدو عسيراً على الفهم، لماذا أدان تشومسكي الاحتلال الصهيوني في فلسطين بينما برَّرَ الاحتلال الأمريكي في سورية؟!

نتابع في الجزء الثاني من هذه المادة عرض بعض الخلاصات والنتائج التي يمكن للناس الاستفادة منها في مقاومة المتلاعبين بعقولهم، وذلك بناءً على المعلومات التي قدّمها العالم الروسي-السوفييتي سيرغي قره-مورزا في خاتمة كتابه الشهير «التلاعب بالوعي» وخاصّةً لمقاومة التلاعب السياسي بالرأي العام.

يلخّص العالم الروسي-السوفييتي سيرغي قره-مورزا في خاتمة كتابه الشهير «التلاعب بالوعي» مجموعة من الطرائق والتقنيات التي يلجأ إليها المتلاعبون بوعي الناس، وخاصّةً المتلاعبون سياسيّاً بالرأي العام، وكيفية كشف ومقاومة هذا التلاعب. المادة التالية مبنية على قراءة في نصّ قره مورزا في هذا المجال، وما يمكن أن يستنتج منه مع أمثلة تخص واقعنا. (أصدر قره-مورزا كتابه بالروسية عام 2000، محلّلاً خصوصاً عمليات التلاعب بالوعي لتفكيك الاتحاد السوفييتي. ولم يُترجَم للعربية سوى نصفه الأول فقط؛ «التلاعب بالوعي»، ترجمة عياد عيد، منشورات وزارة الثقافة – الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2012).

Page 8 of 108