Skip to main content

يميل كثير من الناس، وربما بمشاعر صادقة لمشاركة الإنسان أخاه الإنسان في البلوى، إلى فكرة رائجة بأن الأوبئة، وربما الأمراض بشكل عام، لا تميّز بين «أبيض وأسود». فما صحة هذه الفكرة علمياً؟ ورغم عدم جواز التهوين من الخطر الصحي لوباء كورونا الجديد، لكن هل هي مصادفة أن تسود فكرة «الوباء العادل» توازياً مع التهويل المبالغ به (حول آفاق الانتشار والشدة)، على الطريقة الأمريكية- الغربية، ولا سيما في السياق الخاص الذي جعل الضرر الاقتصادي على الصين أضعافاً مضاعفة من الضرر الطبّي المباشر، وبشكل غير متناسب؟

أعلنت منظمة الصحة العالمية في 30/1/2020 حالة الطوارئ الصحية العالمية بسبب الانتشار السريع لفيروس كورونا المستجد إلى عدد من البلدان خارج الصين، التي هي الضحية الكبرى لهذا المرض منذ تأكيد أولى حالاته في ووهان بتاريخ 31/12/2019 وحتى الآن. هذه الحالة كـ«طارئة صحة عامة مقلقة دولياً» PHEIC هي السادسة التي توصف بذلك، منذ أن تبنّت المنظمة هذا النوع من الإعلانات عام 2005 التي يعتبَر الهدف الأساس من ورائها «تعبئة الدعم المالي والسياسي للمنظمة لاحتواء الحالة». وسبق أن أعلنته من أجل: جائحة إنفلونزا الخنازير 2009، فاشيتَي شلل الأطفال والإيبولا 2014، وباء فيروس زيكا 2016، إضافة إلى وباء الإيبولا في الكونغو (المستمر منذ 8/8/2018 وحتى اليوم). فيروس الإنفلونزا الشائعة في زيارته الموسمية كل سنة يصيب مليار إنسان ويقتل أكثر من نصف مليون عبر العالم، وفي الولايات المتحدة، للموسم الحالي فقط، أصاب الفيروس «العادي» 15 مليون شخص وقتل منهم 8000 مريض على الأقل (وفق WHO وUS-CDC). أما فيروس كورونا الجديد فأصاب 40,649 منهم 452 خارج الصين (علماً أن ثلث إلى نصف هؤلاء على الأقل صينيون أيضاً أو من العِرق الصيني) وشفي 3,548 وتوفي 910. [تحديث صباح 10 شباط]

يرى البروفسور لاري رومانوف أنه: «رغم عدم ثبوت دليل لهجوم بيولوجي حربي، لكن جائحةً فيروسية في مدينة ووهان، وبتوقيتٍ يسبق مباشرةً فترة موجات التنقل الكبيرة مع رأس السنة الصينية الجديدة، تملك احتمالاً عالياً للتسبب بتداعيات اجتماعية واقتصادية كبيرة. فعدد سكان ووهان 12 مليون، وهي عقدة مواصلات كبرى في مركز الصين، ولا سيّما لشبكة القطارات السريعة، مع أكثر من 60 خطاً جويّاً تتضمن رحلات مباشرة إلى معظم مدن العالم الرئيسة، فضلاً عن أكثر من 100 رحلة جوية داخلية إلى المدن الصينية الكبرى. وعندما نضيف هذا إلى الهبة المحمومة للسفر التي ترافق عادةً مهرجان الربيع، إذ يتنقل خلاله مئات الملايين من أفراد الشعب عبر البلاد ليجتمعوا بعائلاتهم، فإنّ العواقب المترتّبة على البلد بأكمله تكون كبيرة وشاملة».

لاري رومانوف
ترجمة وإعداد: د. أسامة دليقان

أقل من شهر على بداية العام الجديد ترافق معه: حريق أدى إلى مقتل نصف مليار حيوان في أستراليا، وخسائر بشرية ونزوح، بالإضافة إلى عواقب كبيرة على النظام البيئي، الغذاء، والمياه، وانتشار الأمراض، وتفاقم مشكلة الاحتباس الحراري. مما ترافق أيضاً بمحاولة توسيع رقعة الحرب والتوتر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وضعت العالم أجمعه بحالة من الترقب والخوف. وآخرها: انتشار فيروس جديد في الصين مع عدم وجود معلومات واضحة حول متى، وما إذا كان يمكن معالجته؟ بينما تُبذل الصين جهوداً كبيرة وجدية، من بينها إغلاق مدن بأكملها، توقف النقل العام والخاص، وإلغاء احتفالات العام الجديد. في أقل من شهر استطاع هذا العام أن يلفت انتباه العالم، أننا نسير نحو الهاوية بسرعة، وإلى أننا بعد أعوام قليلة من عمر البشرية «استطعنا» (كنظام اجتماعي اقتصادي) تدمير مكان عيشنا.

استند تصنيع الزراعة في القرن التاسع عشر إلى الظهور التاريخي الطويل للرأسمالية كنظام اجتماعي اقتصادي متميز. كما يذكر الكاتب بيكيت تفاصيل عن ذلك في كتابه «إمبراطورية القطن». كان «التوسع الإمبراطوري، ونزع الملكية، والعبودية» من الأمور الحاسمة في تشكيلها. على مدار عصر التجارة، من منتصف القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر- وهي فترة يشار إليها باسم «رأسمالية الحرب»- تم حل أشكال الملكية الأولى والعلاقات الإنتاجية من خلال حصر المشاعات والاستيلاء على الأراضي، حيث نقلت ملكية الأرض رسمياً إلى الطبقة البرجوازية.

تميزت الحرب العالمية الثانية بالتجارب العلمية المباشرة على البشر، كالذي قامت به ألمانيا النازية واليابان (في الصين) والولايات المتحدة من خلال التجارب النووية والقنبلة النووية نفسها.

Monday, 06 January 2020 10:23

ثلاثة كتب بيئية جديدة

Written by

من ثلاث وجهات نظر رأسمالية بحتة/ وماركسية بحتة، ووجهة نظر تبدو للوهلة الأولى اشتراكية، لكنها محاولة عمل مهمة مستحيلة، أية رأسمالية صديقة للبيئة، تنطلق الكتب الثلاثة التي نعرضها في نوع من عرض للأفكار المتداولة في حوض الثقافة البيئية وعلاقتها بمرحلة نهاية الرأسمالية اليوم.

من الغريب، لا بل من الصّادم، أن يقول أحدٌ ما اليوم: «نحن محظوظون كوننا نعيش في هذه المرحلة التاريخية». فكيف نكون كذلك في ظل كل المعاناة والدمار والقلق على الحاضر والمستقبل وفي ظل الموت والانهيار الاقتصادي والسياسي والحروب والبؤس الروحي وتدهور نظام الحياة على الأرض بحيث نعيش تهديداً لوجود الحياة نفسها؟ وما هو مبرر هذا القول سياسياً؟ والأهم، ما هو مبرره التاريخي في سياق تاريخ البشرية كلّه؟ وهل الصراع على المستوى العلمي بمضمونه الفلسفي يعطينا دلالات بهذا الاتجاه؟ وما المعاني التي يمدّنا بها هذا القول على المستوى الذاتي- الجماعي، مُنتِجة الانتماء للإنسانية ولأمميّتنا وارتباطنا العميق باللحظة التاريخية ضد العدمية وضحالة القيم التي سادت طوال عقود سابقة، هذه القيم التي انكشف بؤسها ووهمها ورجعيتها وعدوانيتها الضمنية؟ ونقول: إن هذا القول «الصادم» يستند إلى نقيضه بالتحديد، أي عُمق الأزمة بحد ذاتها.

نشرت مجلة بلومبرغ مقالاً لكاتبة العمود المالي إليسا مارتينوزي بعنوان «أيها أكثر ترويعاً تغير المناخ أو التزامات القروض المضمونة؟»

 

«لقد راهنّا بصحة الأجيال القادمة لتحقيق مكاسب اقتصادية وإنمائية في الوقت الحاضر»
يبدأ تقرير رئيس عن صحة الإنسان في مجلة الأنثروبوسين، نُشر في المجلة الطبية البريطانية The Lancet، بالإشارة إلى مفارقة واضحة، مفادها أن صحة الإنسان العالمية تتحسن حتى في الوقت الذي يؤدي فيه التدمير البيئي إلى تقويضها. يقول المؤلفون إن التفسير «واضح ومباشر».

Page 25 of 108