Skip to main content

كتب فريدريك إنجلس في «المقدّمة القديمة» لكتابه «ضدّ دوهرِنغ» (1878): «غالباً ما نصادف في علم الطبيعة نفسه نظريات تقلب العلاقات الفعلية على رأسها؛ فتَعتَبر الانعكاسَ بمثابة الشيء العاكِس. ولذلك فهي تحتاجُ إلى إيقافِها أيضاً على قدَمَيها. ولا يندر أنْ تُسيطِرَ مثلُ هذه النظريات طويلاً. والمثالُ على ذلك هو التعاليمُ الخاصّة بالحرارة: ففي غضون قرنين تقريباً لم تكن الحرارة تُعتَبَر شكلاً لحركة المادة العاديّة، بل مادةً سحريّةً خاصّة. ولم يُحقِّق التحوُّلَ اللازمَ هنا إلا النظريةُ الميكانيكيةُ للحرارة. ومع ذلك فإنّ الفيزياء التي سيطرت عليها نظريةُ السيّال الحراري (الكالوريك) قد اكتشَفَتْ طائفةً من قوانين الحرارة ذات أهمّية بالغة...».

يُرجع الرأي المثالي السائد في العلوم الطبيعية المعاصرة بنيةَ وتطوّر كلّ المادة في الكون إلى لبنات بناء أولية نهائية، تقبع في «الفضاء الفارغ» أو «الخلاء». وتسعى هذه النظرة إلى البحث عن وحدة المادة في التجريدات الرياضية والبنى الهندسية، وربما تعود بواكير «المثالية الرياضية» إلى تقديس الفيثاغوريّين الإغريق للأعداد واعتبارها «جوهر العالَم»، مروراً بـ «زمكان» مينكوفسكي، وليس انتهاءً بالتنظيرات الأحدث على غرار «نظرية الأوتار الفائقة» حيث تُعتَبَر المادة «خيوط طاقة» مهتزّة في فضاءات رياضية متعددة الأبعاد.

تقول الدكتورة روبيرتا نيس في كتابها الذي تناول «أزمة الإبداع» في الولايات المتحدة (2015) والتي يمكن اعتبارها مشكلات عامة في المراكز الرأسمالية الغربية أو في أيّ مكان بالعالم تابع للنهج نفسه: «هناك ثلاثة خطوط من الأدلة التي تشير إلى أنّ العلم قد أصبح أكثر توجهاً للمكاسب قصيرة المدى، وأقل توجّهاً لاختراقات علمية تأخذ وقتها في النضج». ورغم أنّ الدكتورة نيس ليست «اشتراكية» في توجّهها ولا تظهر انتقادات جذرية للمنظومة الرأسمالية، لكن هذا لا يقلل من أهمية الانتقادات والملاحظات التي قدّمتها، على مبدأ «وشهد شاهدٌ من أهلها».

بدأت منذ نحو أربعين عاماً ثورة بالأتمتة واستخدام الروبوتات في التصنيع و«المَيكَنة» القائمة على البرمجة والعمالة البشرية القليلة، وكان الدافع منذ البداية سعي الرأسماليين إلى تعزيز الربحية بالتخلص من العمالة البشرية بأعداد كبيرة. فهل المشكلة في تطور التكنولوجيا ذاتها أم في الأهداف والطريقة الرأسمالية في استعمالها؟ فيما يلي أبرز ما ورد (بتصرّف) في مقال للباحث الماركسي مايكل روبرتس نشره في حزيران 2022.

كتب عالِم النفس والتربية السوفييتي ليف فيغوتسكي في كتابه «التفكير والكلام»، 1935، فصلاً عن «تطور المفاهيم العلمية في الطفولة»، حيث أشار إلى أنّ «تطوير المفاهيم العلمية لدى الطفل في سن المدرسة هو في الأساس مسألة عملية ذات أهمية كبيرة لمهمة المدرسة في تعليم الطفل نظام المفاهيم العلمية. ومع ذلك، فهي أيضاً قضية ذات أهمية نظرية هائلة. إنّ البحث في تطوير المفاهيم العلمية (الصحيحة) سيوضح حتماً القوانين العامة الأساسية والأساسية لتشكيل المفهوم».

من بين وثائق وكالة الأمن القومي الأمريكي NSA المرفوع عنها السرية وثيقة من 24 صفحة بعنوان «العلم والتكنولوجيا السوفييتيّان: المستويات الحالية والآفاق المستقبلية»، موقَّعة باسم مؤلّفها، عميل الوكالة أ. سينكوف. ومع أنها كتبت بين عامي 1954 و1955 لم تُرفَع السرية عنها سوى عام 2008 (أيْ بعد أكثر من 50 عاماً). وقد تضمّنت تقييماً ومعلومات عن أبرز خصائص العلم في الاشتراكية السوفييتية: التخطيط الحكومي المركزي– وما يبدو توليفة ناجحة بين المركزية واللامركزية في العِلم– والتوسّع– ومقارنات كمية ونوعية بين الكوادر العلمية السوفييتية والأمريكية– ومستوى الأبحاث والتكنولوجيا السوفيتية آنذاك، وغيرها. وفيما يلي مقتطفات من بعض ما جاء في هذه الوثيقة.

في 9 أيلول/سبتمبر 2022، أعلن البروفيسور بينغ شيانجو، من الأكاديمية الصينية للفيزياء الهندسية، وهو كبير مطوّري السلاح النووي الصيني، أنّ الحكومة الصينية وافقت على بناء أكبر محطة تجريبية للطاقة الاندماجية النووية في العالَم في مدينة تشنغدو بمقاطعة سيتشوان، وصرّح بأنّ «الاشتعال الاندماجي هو جوهرة التاج للعلوم والتكنولوجيا في عالم اليوم» وبأنّ أوّل من يحقق إطلاق طاقة الاندماج على مستوى اقتصاد الطاقة سيضع بذلك أهم معلم في طريق استفادة البشر منها. وأنّ الصين تخطط ذلك بحلول 2028. وقد تغدو عملية تماماً في 2035، فما هي هذه الطاقة؟ وبماذا تختلف عن مفاعلات «الطاقة النووية» المستخدمة حتى الآن؟ ولماذا قد تكون ثورية أكثر منها؟

مستشهداً باكتشافات رئيسية حديثة في الفيزياء والرياضيات (مثل خواص الغرافين، والموصلية الفائقة بالحرارة العالية، وبرهان رياضي حديث يتعلّق بالأعداد الأولية)، يشرح كتاب «العِلم والأزمة الاقتصادية» إخفاقات النظام السائد في تقييم الأبحاث، لأنه يمكن بسهولة ألّا يموّل باحثين لأنهم مغمورون أو يعملون في مؤسسات وجامعات «متدنّية التصنيف» بالمعايير السائدة. الكتاب من تأليف فرانشيسكو لابيني (2016)، وهو ناشط في حركة «العودة إلى البحث الأكاديمي»، التي تعارض محاولات الحكومة الإيطالية فرض الطريقة البريطانية في قولبة تنظيم البحث العلمي، وتنتقد المنهجية النيوليبرالية السائدة في التمويل وتطالب بمنهجية جديدة لتوزيعه العادل والمتوازن بدل تركيزه في أيدي نخبة صغيرة من الباحثين والمؤسسات.

كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» في 4 أيلول الجاري، أنّ أضخم مسرّع للجسيمات الذرّية في العالم «مصادم الهادرون الكبير» LHC، مهدّد بـ«التقنين» الكهربائي وإنقاص وقت التشغيل. وهو الذي تديره منظمة الاتحاد الأوروبي لأبحاث الطاقة (سيرن CERN ومقرّها سويسرا) بتكلفة 4.4 مليارات دولار، وتستهلك أجهزة سيرن 1.3 تيراواط/ساعة من الطاقة سنوياً، ما يعادل استهلاك رُبع مليون أسره، كما ويعادل استهلاك المصادم لوحده ثُلث استهلاك مدينة جنيف. ولطالما ارتبط هذا الجهاز العملاق بصورة أوروبا المتقدمة علمياً وحتى (للمفارقة) بآمال الحصول على خروقات بأبحاث الطاقة والمادة لإنتاج طاقة «أعظم وأرخص»، وامتلأت برامج التلفزيون العلمية الشعبية بالحديث عنه لدرجة الأسطورة، حتى أنّ أحد الجسيمات التي قيل إنها اكتشفت فيه عام 2012 (بوزون هيغز) سمّيَ بـ«جسيم الربّ». اليوم هذا الصرح العلمي «يُصلّي» لإنقاذه من التراجع أو الإغلاق بسبب سياسات الطاقة الحمقاء التي يتّبعها قادة الاتحاد الأوروبي.

أصدر «معهد العدالة الصحية» في بريطانيا مراجعة جديدة في الثاني من أيلول/سبتمبر الجاري، تحدث فيها عن مؤشرات خطيرة لـ«أزمة إنسانية» شديدة بسبب «فقر الطاقة»، حيث تتوقع مستويات «وبائية» من فقر الوقود وأضراراً على نصف الأسر في المملكة المتحدة، مع فقدان الآلاف من الأرواح وإضعاف نمو ملايين الأطفال. وكانت المراجعة محقّة بوصفها الوضع بـ«المهزلة المطلقة» قائلةً إنّه «في بلد غني مثل المملكة المتحدة، تشكّل فكرة كون أكثر من نصف الأسر يجب أن تواجه فقر الوقود حكماً محزناً لإدارة شؤوننا. إنها مهزلة مطلقة أن تجني شركات الطاقة مليارات الجنيهات من الأرباح وتخفيضات ضريبية، بينما يواجه نصف السكّان حياة أقصر ومصاعب شديدة بلا ذنب من جانبهم».

Page 15 of 108