Skip to main content

اقتصاد (3525)

رقم قياسي تسجّله تكاليف المعيشة في سورية... حيث خلال الأشهر الثلاثة الماضية مرّ على البلاد ما لم يمر سابقاً. من الدولار، إلى القرارات، إلى التوقف الاقتصادي ووصلت تكاليف معيشة أسرة من خمسة أشخاص في سورية إلى مستوى لم تصله من قبل.

خلال الفترة الماضية الدولار ثبت على سعر 700 ليرة وما فوق، الأسعار استمرت بالارتفاع سواء في السوق أو لدى الحكومة، فارتفعت أسعار سلع مؤثّرة مثل: الأسمدة والبنزين، ومؤخراً الرز والسكر ومواد غذائية أخرى، كما أن الأزمات لم يتم حلّها: الغاز والكهرباء وغيرها... وما يرتبط بها من تكاليف أعلى لتأمين الغاز مثلاً.

 

 

 رسم وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، توقعات متشائمة لأداء الاقتصاد الفرنسي خلال العام الجاري، بسبب تداعيات انتشار فيروس كورونا.

تدخل كارثة بلادنا الاقتصادية الاجتماعية والسياسية منعطفاً جديداً، فالبلاد المثقلة بالعقوبات وأمراء الحرب، وبنخب الفساد والنهب وبتغييب الناس عن الدفاع عن مصالحهم وبابتلاع جهاز الدولة وتهميشه... تقف اليوم على حافة أزمة صحيّة كبرى قد تتحول إلى كارثة.

الركود أصبح هنا، حلقات الإنتاج تتعطل جزئياً وبعضها كلياً، وهذا التعطل يصل مباشرة إلى المنظومة المالية: تتراجع قيم الأسهم، يصعب سداد الديون، تتقلص السيولة والقدرة على التمويل... والتوقّف بعد قليل لن يكون بسبب فيروس أو وباء بل بسبب الإفلاسات.

في سورية مدن مكتظة وملايين يتجمعون في مئات الكلوميترات المربعة حيث تتمركز فرص العمل وكسب الرزق، ولهؤلاء الملايين لا يوجد ما يكفي من إنفاق حكومي صحي يؤمن بنية تحتية صحية قادرة على استيعاب الحالات الصحية العادية وليس الطارئة، عدد أسرّة مشافي وكوادر طبية منخفض قياساً بالسكان، وانتشار وباء بسرعة مثل كورونا سيؤدي إلى فقدان المزيد والمزيد من السوريين بعد كل ما مرّ على هذه البلاد.

تعيش سورية كارثتها الإنسانية منذ عام 2011، وتعيشها في لحظة عالمية معقدة تتفاقم فيها الأزمة الاقتصادية العالمية التي لا يمكن فصل وباء كورونا عنها... فالوباء كآخر المعطيات التي تكشف عورة أزمة المنظومة الرأسمالية وتخلفها، يكشف أيضاً هول المصيبة السورية إنسانياً! والتي تجعل انتشاره خطراً قد لا يكون لدينا قدرة على إدارته، وتحديداً بالبنية السياسية والاقتصادية الحالية التي وصلت لصعوبة إدارة توزيع الخبز، وفضائح في إدارة عملية حجر أقل من 100 مسافر!

الأيام والأسابيع القليلة الماضية حافلة بأحداث متسارعة على مستوى الاقتصاد العالمي، هذا ما يحدث في لحظة اتقاد الأزمات... تنتشر أخبار الفيروس والتصريحات حوله والإجراءات المرتبطة بنتائجه، ولكن خلف الأبواب المغلقة يُناقش إسعاف المنظومة، كيف ستوزع التريليونات التي تم ضخّها لإطفاء الحريق، واختيار من سيبقى على قيد الحياة ومن سيُترك للموت من القطاعات الاقتصادية أيضاً وربما من البلدان.

الأزمة الاقتصادية هنا، إنها ليست انخفاض أسعار النفط، وهي ليست التدهور في الأسواق، وهي بالطبع ليست كورونا أو القرارات السعودية والروسية... وهي لم تكن ناتجة عن (الحرب التجارية) وإجراءات الحمائية وحالة عدم اليقين التي كان يكثر الحديث عنها كسبب للتراجع خلال العام الماضي...

منظومة الإنتاج العالمية الرأسمالية هي الأزمة، وهي تتجلى وتدخل منعطفات هامة كما كان متوقعاً في عام 2020، وهذه الموجة إن لم تؤدِ إلى انفجار فإنها لا بدّ أن تشكل عتبة تصعيدية هامة لها تأثيرات على هيكلة قطاعات بأكملها، إما عبر أسعار السلع كما في النفط الصخري الأمريكي، أو عبر انهيار قيم أسهم الشركات، والأهم أن التأثيرات تنسحب على كتلة الديون الهائلة الهشة التي لا تنفصل عن موقع وقيمة الدولار عالمي

رفعت الحكومة أسعار الأسمدة بنسب أقلها 41% وتصل إلى أعلى من 100% بقرار لم تعلن عنه رسمياً، بل أبلغته بتعاميم تداولها الإعلام المحلي، وأكَّدها اتحاد الفلاحين الذي استنكر الرفع... غالباً الحكومة لا علاقة لها بوضع هذا السعر، إنها لا تملك إلّا الموافقة على ما يمليه (مستثمرو البلاد) المتنفذون الذين وزّعوا قطاعات هامة على شركائهم في شركات خاصة، والأسمدة من ضمنها، ليسعّروا على هواهم وندفع نحن كلف الفساد كما نفعل تاريخياً.

بعد الاستقلال السوري كانت سورية تمثّل واحدة من نقاط التصنيع النامية سريعاً بين دول العالم النامي... موقعها الجغرافي، كثافتها البشرية، وإرث من الحرف والخبرات في مدن عريقة تاريخياً وعلاقات تجارية ممتدة شرقاً وغرباً... والأهم إنجاز الاستقلال السياسي والاقتصادي في وقت مبكّر أتاح للحكم الوطني في حينها أن يفتح أفقاً مستفيداً من الظرف الدولي مع وجود منظومة الدول الاشتراكية التي كانت مصدراً للمعدات والخبرات، والتي جعلت الغرب مضطراً للتعامل بمرونة أكثر مع دول المنطقة تحت ضغط منافسة السوفييت.

الصفحة 51 من 252