Skip to main content

اقتصاد (3537)

يشهد النظام المالي العالمي تحولات متسارعة في ضوء التطورات التكنولوجية والتنافس الجيوسياسي. من أبرز هذه التحولات مشروع mBridge، وهو مبادرة رائدة تهدف إلى إنشاء منصة مدفوعات رقمية متعددة العملات بين البنوك المركزية. يسعى المشروع إلى تمكين المدفوعات الفورية من نظير إلى نظير «peer-to-peer» عبر الحدود باستخدام عملات رقمية يصدرها عدة بنوك مركزية. تُعَدُّ هذه المنصة محاولة لبناء نظام مالي بديل يقلل الاعتماد على شبكة سويفت SWIFT التقليدية للمعاملات الدولية، والتي تهيمن عليها الولايات المتحدة.

في عالم التسويق، ثمة خدعة تسويقية معروفة باسم «تأثير التباين» أو «تأثير المقارنة». الفكرة الأساسية منها هي تقديم ثلاثة خيارات للزبون، أحدها «جيداً» والآخران أقل جودة أو غير مناسبين، ما يجعل الزبون ينجذب للخيار «الجيد» دون التفكير ملياً بمقدار جودته الفعلية أو حجم التلاعب الذي تعرَّض له، فالعقل البشري يميل إلى اتخاذ قرارات بناءً على المقارنات، وعند وجود خيارات متباينة، يصبح من السهل تحديد الخيار «الأفضل» دون الانتباه لوجود خيارات أخرى من خارج القائمة. من يقرأ التقرير الجديد الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، والتصريحات الأخيرة لمساعد مدير البرنامج ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية، عبد الله الدردري، المعروف في أوساط السوريين بوصفه الوجه الاقتصادي الأول لنظام بشار الأسد في سنوات 2003-2011، سرعان ما يشتمّ رائحة هذه الخدعة التسويقية.

تصادف هذه الأيام نهاية العام الثالث من الحرب بين أوكرانيا وروسيا، والتي يبدو أنها أوشكت على نهايتها، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سعيه لتسوية سلمية عبر المفاوضات المباشرة مع روسيا. ويبدو أنّ عملية الإذلال العلني التي تعرَّض لها زيلينسكي من جانب ترامب أمام الكاميرات (في 28 شباط 2025) لا تهدف فقط للرضوخ لمتطلّبات إنهاء الحرب، بل وكذلك لمتطلبات استكمال النهب الأمريكي الغربي لما تبقى من أوكرانيا بعد الحرب. نلخّص في المادة الآتية جوانب من الخسائر الاقتصادية لأوكرانيا في الحرب، وبعض ما ينتظرها من أطماع إمبريالية ما بعد الحرب، بحسب ما أوردها الباحث الاقتصادي البريطاني مايكل روبرتس في مدوّنته «الركود التالي» بتاريخ 24 من شباط المنصرم.

أدت الحرب السورية التي انفجرت في 2011 إلى تدمير شامل للبنية التحتية والاقتصاد السوري، تاركة البلاد في حالة من الخراب. ومع سقوط سلطة بشار الأسد، تقف سورية على أعتاب مرحلة جديدة تتيح إعادة بناء الدولة والاقتصاد لمصلحة السوريين. وفي خضم النقاشات حول النموذج الاقتصادي الأمثل لسورية المستقبل، تُطرح في بعض الأوساط فكرة الاعتماد بشكل رئيسي على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع تقليل التركيز على المشاريع الكبرى. ويُجادل بعض مؤيدي هذا التوجه بأن المشاريع الصغيرة والمتوسطة أكثر مرونة وقدرة على التكيف، فضلاً عن دورها في تعزيز التنمية المحلية. ومع ذلك، يتجاهل هذا الرأي في كثير من مطارح النقاش التحديات البنيوية التي تواجهها سورية، ولا يأخذ في الاعتبار التعقيدات الموضوعية أمام عملية إعادة بناء اقتصاد مدمَّر بفعل الصراع العسكري وتركة السياسات الاقتصادية للسلطة الساقطة.

في 6 شباط 2025، تم رسمياً إلغاء اتفاقية «الاندماج المتكافئ» بين شركتي السيارات اليابانيتين «هوندا» و«نيسان»، لتنعكس في العمق أزمة تعاني منها جميع الشركات اليابانية الكبرى تقريباً: «معضلة السجين». فكيف يمكن للشركات أن تخرج من هذه الإشكالية؟

منذ سقوط سلطة بشار الأسد، أصبحت مسألة السلم الأهلي وصونه في صدارة اهتمامات السوريين، الذين تنفسوا الصعداء برحيل نظامٍ طالما استعدى الناس بظلمه وجوره. ومع انتهاء حقبة من القمع والاستبداد، بدأت تلوح في الأفق آمالٌ جديدة بمستقبل أكثر عدلاً واستقراراً. إلا أن هذه الآمال لم تخلُ من مخاوف عميقة، إذ يظل السوريون، على اختلاف آرائهم وانتماءاتهم، قلقين بشأن مستقبل بلادهم، وخاصةً فيما يتعلق بقدرتهم على الحفاظ على السلم الأهلي على المدى الطويل. ففي ظل تنوعٍ سياسي وثقافي وقومي وديني وطائفي، وتاريخٍ من التوترات التي تفاقمت بسبب الصراع، يبرز السؤال: كيف يمكن لسورية أن تبني سلماً أهلياً مستداماً يكون قادراً على تجاوز جراح الماضي وبناء مستقبل مشترك؟ وهذا السؤال ليس مجرد تحدٍ سياسي، بل هو أيضاً اختبارٌ لإرادة الشعب السوري في بناء هويته الوطنية الجامعة.

أعلن دونالد ترامب عن شن حروب تجارية على عشرات الدول دفعة واحدة: على الاتحاد الأوروبي بأسره، وكندا، والمكسيك، والصين، ولم يستثنِ روسيا، مهدداً بتشديد العقوبات إذا لم يتم قبول صفقة حول أوكرانيا. مع العودة الثانية لدونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فقد حلفاء الولايات المتحدة وأنصارها كل راحة وسكينة. تهدد التوجهات الجديدة في السياسة الخارجية والقيود التجارية المرتبطة بها، النظام العالمي الذي استمر لعقود من الزمن ورفاهية النخب التي اعتادت العيش على ظهر الولايات المتحدة.

لطالما ارتبطت الحرية في الأذهان بالحقوق السياسية، مثل حرية التعبير والتجمع والمشاركة في الحياة السياسية، لكن يعاب على هذه النظرة المجتزأة أنها تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أنه لا يمكن أن توجد حرية حقيقية في ظل غياب العدالة الاجتماعية. فحين يسيطر عددٌ قليل من الأفراد على الثروة والموارد، بينما تعاني الأغلبية من الفقر والتهميش، تصبح الحريات السياسية مجرد شعارات، لأن الفقر نفسه هو أعلى شكل من أشكال القيود المفروضة على البشر وحرياتهم. وفوق ذلك، فإن المجتمعات التي يرتفع فيها معدل الاستغلال الاقتصادي تكون أكثر عرضة للاستبداد والقمع (لا بتعبيراته الضيقة التي تقف عند حدود العصا والهراوة فحسب، بل وبمفهومه الواسع بوصفه تقييداً وكبحاً لقدرة الإنسان على التأثير بما حوله)، إذ تحتاج القوى المسيطرة إلى أدوات سياسية وأمنية للحفاظ على هيمنتها.

إنّ لهم تاريخاً عريقاً، لكنهم يعتمدون نماذج أعمال قديمة، ولهذا يشعرون بعدم الارتياح في العالم الرقمي. كما أنهم يتقدّمون في السنّ. هذه هي حال بعض وسائل الإعلام التقليدية وأكبر الدول الأوروبية. إنهم يجدون أنفسهم في حالة من الضياع في قرن لا يسير وفق رغباتهم. وهناك أمر آخر يشتركون فيه: إنهم يلقون باللوم في كلّ هذا على دونالد ترامب.

بعد سقوط سلطة بشار الأسد، يواجه السوريون تحدياً تاريخياً يتمثل في إعادة بناء بلادهم، ليس فقط على مستوى البنية التحتية والمؤسسات، بل وأيضاً عبر بناء نظام اقتصادي يعبر عن تطلعاتهم التي جرى قمعها لعقود، تطلعاتهم بنموذج اقتصادي موجَّه لخدمة المجتمع ككل، وليس لمصلحة نخب فاسدة كما كان الحال في ظل السلطة السابقة. ويطرح هذا التوجه تساؤلات جوهرية حول طبيعة النموذج الاقتصادي المطلوب ومحدداته، وبشكلٍ خاص الآليات الكفيلة بتحقيق النمو الاقتصادي الضروري في سورية، مع استلهام الدروس من تجارب الدول التي نجحت، بعد معاناة من الحروب والدمار الاقتصادي، في بناء اقتصادات وطنية قوية مكّنتها من تحسين مستوى معيشة شعوبها وضمان حياة كريمة لهم.

 

الصفحة 12 من 253