_
بريطانيا تدخل أزمتها الجديدة
علاء أبو فراج علاء أبو فراج

بريطانيا تدخل أزمتها الجديدة

بعد سنوات من الانتظار تخرج بريطانيا من حالة الاستعصاء التي استمرت طوال فترة ما بعد استفتاء «بريكست» في حزيران 2016، وعلى الرغم من أن ما جرى هو خطوة نحو تنفيذ نتائج الاستفتاء، إلا أنه فعلياً يعني انتقال بريطانيا من استعصاء يسبق الأزمة إلى الأزمة نفسها، فما هي الخطوة التالية بالنسبة لبريطانيا؟ وما هي العقبات التي يتعين على المملكة المتحدة تجاوزها حتى تصل إلى بر الأمان سالمة و«متحدة»؟.

ما جرى فعلياً حتى اللحظة، هو مصادقة البرلمان الأوروبي بشكل نهائي على اتفاق بروكسل ولندن، حول انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولكن ما هو هذا الاتفاق؟

المرحلة الانتقالية

لا يمكن اليوم الحسم بالشكل الذي ستخرج بريطانيا فيه من الاتحاد الأوروبي؛ فما هو محسوم اليوم لا يتعدى سحب العلم البريطاني من البرلمان الأوروبي ودخول الطرفين في ما يسمى «المرحلة الانتقالية» التي ستمتد إلى 11 شهراً، أي إلى أواخر العام الجاري، وما سيجري فعلياً في هذه المرحلة الانتقالية هو محاولة اتفاق بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي على شكل العلاقة بينهما، وهو فعلياً جوهر المشكلة، بالإضافة إلى أنَّ بريطانيا أصبحت تملك الحق بإبرام اتفاقات تجارية مع شركاء جدد بعيداً عن ضوابط بروكسل الصارمة، وهذا ما يطرح السؤال الجدِّي حول ما إذا كانت بريطانيا ستتخذ قرارات تصب في مصلحة شعبها فعلاً؟ أو ستمسك واشنطن بقيد بريطانيا بدلاً من بروكسل؟
الخطوط العريضة لهذه المرحلة الانتقالية ستكون على الشكل التالي:
- تلتزم بريطانيا بكافة قوانين الاتحاد الأوروبي على امتداد الفترة الانتقالية، ولكنّها لن تستطيع التصويت على هذه القوانين، فبريطانيا خسرت منذ التوقيع الأخير مقاعدها في البرلمان الأوروبي (73 مقعداً)، ولن تشارك بريطانيا بأية قمة للاتحاد الأوروبي إلّا إذا وجهت لها دعوة.
- تدفع بريطانيا مستحقاتها للاتحاد الأوروبي خلال الفترة الانتقالية، وهذا يعني أن يستمر الاتحاد الأوروبي بتمويل الخطط المصادق عليها، وسيحصل المتقاعدون على رواتبهم وستظل بطاقات التأمين الصحي التي يحملها البريطانيون صالحة طوال الفترة الانتقالية بالإضافة إلى أنَّ حرية التنقل ستبقى مكفولة لمواطني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.
- لن تُفرض أية رسوم جمركية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة خلال الفترة الانتقالية، وسيتم التركيز على إبرام الاتفاق الشامل الذي سينظم علاقة الطرفين في السنة القادمة. وهنا تبدو الأمور شديدة التعقيد فالاتحاد الأوروبي لا يرغب بتسهيل خروج بريطانيا...

ردود أفعال وتداعيات

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيحمل دون شك تداعيات كبيرة؛ فبريطانيا تساهم بـ 14% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد، ويشكل البريطانيون 13% من سكان الاتحاد الأوروبي، والأهم، أنَّ بريطانيا تشكل 40% من القوة العسكرية لقوى الاتحاد مجتمعة، وتدل هذه الأرقام بالإضافة إلى غيرها من المؤشرات على حجم الهزة التي تجري وعلى آثارها اللاحقة، ففي تصريحات لافتة أدلى بها ميشيل بارنييه المفاوض الرئيس لبريكست من جهة الاتحاد الأوروبي، عبّر خلالها عن أسفه لخروج بريطانيا من الاتحاد حيث قال إن بريطانيا «اختارت الانعزال بدل التضامن»، وأضاف بارنييه «نحن الآن أضعف مما كنا حين كنا معاً»، معتبراً أن هذا بات حقيقةً راسخة وعلى الرغم من تأكيده على أنّ الاتحاد الأوروبي يحترم تصويت أغلبية البريطانيين إلا أنه رأى في ذلك ناقوس خطر، وقال صراحةً إنه يرى أسباباً مشابهة لـ «بريكست» في العديد من المناطق في الاتحاد الأوروبي، لذلك دعا بارنييه إلى اتخاذ خطوات ملموسة لعدم تكرار ما جرى مع بريطانيا، واعتبر «بريكست» تعبيراً عن الخوف والغضب الاجتماعي يجب الإصغاء له جيداً. وفي السياق نفسه رأى الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون فيما جرى «إشارة إنذار تاريخية يجب سماعها في كل بلد من بلداننا»، ورأى الرئيس الفرنسي أن حملة «بريكست» كانت تقوم على «الأكاذيب والمبالغة والتبسيط»، محذراً من تأثير هذا النوع من الأكاذيب على «الديمقراطية الغربية».
يمكن أن يحمل خروج بريطانيا تداعيات على وحدتها أيضاً، فتتعالى الأصوات في اسكتلندا لتنظيم استفتاء جديد لتخرج من المملكة المتحدة وتنال استقلالها، وينظم الحزب الوطني الإسكتلندي، بقيادة نيكولا ستيرغن حملة تعبئة واسعة وغير مسبوقة ترافقت مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتظهر استطلاعات الرأي الأولية أن نسبة المؤيدين لاستقلال إسكتلندا تخطَّت 50% بالفعل، وعلى الرغم من أن هذا الموضوع يُعد شائكاً بالمعنى السياسي، ولا يمكن التنبؤ حقاً بمجرياته إلّا أنه يُعد مؤشراً لطبيعة التحديات القادمة في الداخل البريطاني.

في أي اتجاه ستذهب بريطانيا

إذا كانت مشكلة بريطانيا الأساسية هي أن علاقتها مع الاتحاد الأوروبي لا يمكن اعتبارها علاقة متساوية من حيث مصالح الطرفين، إذ دفعت بريطانيا حسب بعض التقديرات 13 مليار جنيه إسترليني لبروكسل، صرف منهم الاتحاد الأوروبي عليها 4 مليارات فقط، هذا يعني أنّ بريطانيا دفعت 9 مليارات جنيه دون مقابل ملموس، أي إن بريطانيا ترى في خروجها هذا مصلحة وطنية وهذا ما يضعها اليوم أمام مفترق طرق، فالخطوة البريطانية تلاقي ترحيباً شديداً من الولايات المتحدة الأمريكية وتتعهد واشنطن أن تقدم لبريطانيا عروضاً للتبادل التجاري بين البلدين تُعوض بريطانيا عن علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، ولكن إذا ما نظرنا إلى الموضوع من هذه الزاوية يجب علينا أن نسأل إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قادرة فعلياً على انتشال بريطانيا من محنتها، وإذا كانت غير قادرة على ذلك فهل يكون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني سعياً صادقاً لمصلحة البريطانيين؟ هل سيكون بمقدور الولايات المتحدة أن تقدم عروضاً أفضل من العروض التي ستقدمها الصين أو حتى روسيا التي أعلن سفيرها في لندن استعداد بلاده لتقديم مقترحاتها بهذا الخصوص؟
الواضح، أن بريطانيا كانت تعبيراً صارخاً عن علاقات غير متكافئة داخل الاتحاد الأوروبي، وهو بلا شك مؤشر ينذر بتفكُّك الاتحاد الأوروبي، ولكنّ الانتقال من بروكسل إلى واشنطن لن يحل المشكلة، هذا إذا افترضنا أنَّ انتقالاً كهذا يمكن أن يمرّ بشكلٍ سلس ودون عراقيل من دول الاتحاد الأوروبي، يكون من شأنها تسريع هذا الانهيار.

معلومات إضافية

العدد رقم:
951
آخر تعديل على الأربعاء, 05 شباط/فبراير 2020 13:48