_
الانتفاضة في لبنان: الحركة الشعبية في طورها الجديد
محمد المعوش محمد المعوش

الانتفاضة في لبنان: الحركة الشعبية في طورها الجديد

لم يكن لبنان خارج السياق العام للانتفاضات الشعبية في الدول العربية عام 2011، وتحديداً من خلال تكرار الشعار ذاته «إسقاط النظام»، الذي ظهر على الصيغة اللبنانية بـ«إسقاط النظام الطائفي» فيما سمّي وقتها بـ«حراك إسقاط النظام» (في شباط 2011). ومرت الحركة الشعبية من حينها بأطوار مختلفة، حيث نشهد طورها الجديد في الانتفاضة الحالية التي شملت أغلب المناطق اللبنانية ولا تزال. ولكن خصوصية النظام اللبناني وطبيعة الدولة فيه أعطت أبعاداً خاصة للحركة الشعبية وتطورها.

في خاص النظام والدولة

تشكل النظام اللبناني في النصف الأول من القرن العشرين على أساس قرار سايكس- بيكو التقسيمي. وعانى لبنان من أزمة طبيعة بورجوازيته التابعة والمرتهنة للإمبريالية. هذه الطبقة التي وُلِدَت في طور أزمتها (كما يعبّر مهدي عامل)، أي انكباح تطورها بفعل علاقة التبعية. فكان تشكل الدولة مطبوعاً بالبنية الطبقية المتشكلة. ذات طابع طائفي، يخفي وراءه سيادة الطبقة الريعية، وكان رموز الطوائف وكلاء الطبقة المهيمنة اقتصادياً، فكان ضعف الدولة ميزة أساسية، بالترافق مع الأداة الطائفية كعامل تقسيمي للطبقات المُستَغلة كتعويض عن أدوات السيطرة التقليدية للبورجوازية. ويقول مهدي عامل أيضاً إن النظام الطائفي يعمل على تفتيت الدولة عبر تحويل الصراع السياسي إلى صراع طائفي. ولهذا لا بد لتماسك هذا النظام أن تبقى فيه الهيمنة لقوة طائفية واحدة، و«التشاركيّة» في النظام هي نفسها تهديد لهذا التماسك.

ضعف الدولة وتفكك النظام والوضع المعيشي

بعد اتفاق «الطائف» ونتيجة تعطل الهيمنة في النظام الطائفي لصالح «التشاركية»، انفتح النظام على أزمته البنيوية، كان اتفاق الدوحة في (2008) أبرز محطاتها، ما رفع من حدة التفكك وانفجار «الصيغة اللبنانية» بالترافق مع اختلال توازن القوى الدولي الذي كان ناظماً للصراع في لبنان منذ التسعينات، وتحديداً بسبب الأزمة المالية العالمية وتسعير الهجوم الإمبريالي. هذا التفكك وضعف الدولة وتغوّل الليبرالية مبكراً، وتعفّن البنية التحتية وغياب شبكة الأمان الاجتماعي، ودور الفساد المعتاش على قطاع الدولة (تطور قوى الفساد كطبقة متحالفة مع رأس المال المالي واندماجهما في حدود واسعة ما بعد الطائف) ونهب مواردها، وربح المصارف الفلكي جراء الاستدانة المتعاظمة (100 مليار دولار)، وغياب القطاع المنتج والارتفاع الهائل للمعطَّلين عن العمل، وتهجير القوّة المنتجة البشرية، كل ذلك أظهر عري وعجز الطبقة الحاكمة في لحظة انفجار الأزمة العالمية.

الحركة الشعبية وأطوارها

تبلورت الحركة الشعبية في هذا السياق التاريخي، واتخذت الطابع «العلماني» بداية، على إثر تراجع المشروع التغييري النقيض تاريخياً وطرحه الجذري الاقتصادي الطبقي الواضح، وضعف التشكيل النقابي في ظل بنية عمالية مشتتة وضعيفة أخذا بطبيعة الضعف الشديد للرأسمالية المنتجة، ما رفع من حضور جمعيات المجتمع المدني، والتي تكاثرت في لبنان كالفطر مدعومة بقسم كبير منها بالتمويل الغربي، والتي عبّرت عن الفئة المدينية البورجوازية الصغيرة غالباً، ذات ملامح «رفض العمل السياسي والحزبي»، وتفتيت القضايا وتمييع محتواها الاقتصادي- السياسي. فكان شعار «إسقاط النظام الطائفي» التعبير الواضح عن مكون هذه الحركة المتبلورة، والتي ضمت في ذروتها الآلاف، في العاصمة بشكل أساس. ولم ينزل الشعب ضد «النظام الدكتاتوري» كما في الدول العربية الأخرى لسبب فعلي هو عدم وجود شكل واضح له في لبنان كما باقي الدول العربية، فالعلاقة بين النظام والشعب ليست قمعية مباشرة كما الدول الأخرى، ولهذا مثلاً لم تطغ شعارات «الكرامة» على ألسنة الناس، فالعنف المعنوي في لبنان كان معقداً وعميقاً، تجلى أكثر في التهميش الوجودي وتبعاته من مظاهر الاغتراب الروحي، كما في أي نظام رأسمالي، ما أضعف تحديد الهدف المادي (أي هوية النظام كما الدول العربية الأخرى ممثلة بسلطة الحزب الحاكم له أدواته المباشر الأمنية) أمام أعين الناس.
ولكن كان لليسار الجذري (كالحزب الشيوعي اللبناني مثلاً وقوى يسارية ووطنية أخرى) دور نسبي في موازنة هذا الطرح «العلماني» لصالح تعميق الرؤية الاقتصادية الطبقية وكشف جوهر الصراع كصراع ضد الطغمة المالية والمصارف ووكلائهم والفئة الفاسدة. عزز من هذا الجانب «الطبقي» لاحقاً الإجراءات التقشّفية وتراجع القيمة الشرائية للأجر، وهبوط الموقع الاجتماعي للطبقة الوسطى ممثلة بالأساتذة وموظفي قطاع الدولة، كقطاعات أكثر تنظيماً ووزناً من غيرها، كميزة للبنية الريعية في ظل غياب الشرائح العمالية والزراعية التقليدية.
هنا جاء الطور الثاني الأنضج من الحركة، الاقتصادي المباشر، والذي ضم فيه عشرات الآلاف كإشارة على توسّعه كميّاً، وتعمّقه نوعياً، عن الطور الأسبق. والذي تركز في العاصمة غالباً (مع توسع أكبر في المناطق)، وحمل ملامح اقتصادوية (على حساب «علمانية» الطرح في الطور الأسبق) بارزة على حساب السياسي. أمّا الطور الثالث كان في توسع كميّ، وتعمق نوعي جديد عبر ما سمي بـ«حراك النفايات»، الذي شمل مختلف المناطق، وخرج من نطاق العاصمة، معبّراً عن ملامح عجزٍ في إعادة إنتاج المجتمع وبقائه مجتمعا قابلاً للحياة، حيث طمرت النفايات شوارع القرى والمدن. فاق الحجم الشعبي في أكبر تظاهرة المئة ألف متظاهر في الشارع، وهذا في الخاص اللبناني يعد كبيراً.
وكان كل طور يضمّ منجزات الطوّر الأسبق ويبني عليها، من العمل العفوي إلى لجان العمل المشتركة، ومن العلمانية إلى الاقتصادوي المطلبي، نحو السياسي المباشر ضد دور المصارف وصندوق النقد والطغمة المالية. وكما يقول ماركس، كان كل تقدم إلى الأمام يُعمق أدوات العمل والرؤية.

الانتفاضة الراهنة

إن انكشاف عجز الدولة عن التصدي للحرائق، والضرائب الجديدة والتقشفية (مقررات مؤتمر الدول «المانحة» كـ«سيدر»، وقبله «باريس») وعودة النفايات مجدداً، وفضائح الفساد المالي (السدود، والكهرباء مثالاً)، وتراجع المستوى المعيشي (توقف القروض المصرفية مثالاً)، والعقوبات الغربية المنتجة لأزمة الدولار والمحروقات والخبز، وفي صيدا «عاصمة الجنوب» كان تعدي القوى الأمنية على نائب المدينة د. أسامة سعد أمين عام «التنظيم الشعبي الناصري»، وعجز الدولة عن التصدي للحرائق الواسعة في البلاد، كلّها تزامنت في الشهر الماضي، فكانت كالمرجل الذي صهر الغضب الذي انفجر إثر شرارة الضريبة على «الواتساب» (فاتورة الهاتف الخليوي في لبنان تُعدّ من الأعلى في العالم)، ضد ممثلي السلطة وأصحاب رؤوس الأموال المنكشفين، المحاولين اليوم قطع الطريق عبر «استقالة الحكومة» ليدخلوا الحركة في الفراغ «الدستوري» وتغيير قواعد الاشتباك، ومن ثم انتقلوا إلى العنف المباشر الواسع في الأول من أمس ونزول السلاح «الرسمي» وغير الرسمي في وجه المتظاهرين العزّل.
الشعب ظهر حياً، ضد قصيري النظر المحبطين. والانتفاضة الراهنة فتحت الحركة الشعبية نحو طورها القادم: تنظيم أكبر للحركة وتحديداً لجانها التمثيلية الشعبية، البرنامج التوحيدي للمطالب الاقتصادية السياسية، وحامله البشري الرمزي (الأشخاص المحتملين لحمل المطالب وتحقيقها متى ما وجودوا في السلطة) لتثمير الحالة الشعبية عبر حالة سياسية تصارع على السلطة، حفاظاً على المجتمع وبقائه. البرنامج التي تتركز أهم مداخله على: إسقاط الدين الخارجي، وفك التبعية بالدولار (مدعوماً بتغير ميزان القوى الدولي الذي فتح طريق الانفكاك هذا) والارتهان للمصارف عبر سياسة تمويل الدولة من خلال الإستدانة، واسترجاع الأموال المنهوبة والثروة غير المنقولة المسطو عليها كأملاك الدولة (التي تُعدُّ بالمليارات، والشاطئ اللبناني مثلاً من أبرزها)، وتعزيز اقتصاد منتج وجلب الاستثمارات الصديقة (البنية التحتية مثالاً)، هو ما يخرج لبنان من حالة التبعية، والدخول في فضاء العالم الجديد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
936
آخر تعديل على الأربعاء, 23 تشرين1/أكتوير 2019 12:51