_
«يا فرعون من فرعنك»؟
سمير علي سمير علي

«يا فرعون من فرعنك»؟

بعض التقارير المعنية بحركة الأسواق تؤكد مؤشراتها النظرية إلى وجود انخفاض على أسعار بعض السلع، وخاصة بعض المواد الغذائية، في المقابل فإن واقع الحال في الأسواق ينفي هذه المؤشرات جملة وتفصيلاً، ليؤكد مرة أخرى أنّ حسابات الحقل والبيدر بالنسبة للمنتجين والمستهلكين، على المستوى النظري، تختلف عن حسابات أصحاب الأرباح، المتحكمين بهذا وذاك، بالواقع العملي.

الدخول بفصل الربيع واقتراب فصل الصيف، مع تزايد معدلات الهطول المطري خلال فصل الشتاء، تعتبر مقدمات لتحسن وزيادة معدلات الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، وبالتالي وفرة بالعرض على بعض المنتجات، الأمر الذي سيؤدي افتراضاً إلى انخفاض بأسعار بعض المواد والسلع المرتبطة بهذا الإنتاج، مثل: اللحوم والخضار والفواكه والحشائش والحليب ومشتقاته.

أسعار متذبذبة

فهل انخفضت أسعار السلع المرتبطة بالإنتاج الزراعي فعلاً؟
واقع الحال يقول: إن أسعار هذه السلع على حالها من التذبذب، بل إن بعضها ارتفع عما كان عليه سابقاً بدرجات متفاوتة!
البطاطا بحدود 400 ليرة- البندورة بحدود 400 ليرة- الباذنجان بحدود 350 ليرة- البامية بحدود 800 ليرة- الخيار بحدود 250 ليرة- جرزة البقدونس 25 ليرة- الحليب بحدود 250 ليرة- اللبن الرائب بحدود 350 ليرة- الجبنة البلدية بحدود 1400 ليرة- اللبنة بحدود 600 ليرة- الفروج منظف بحدود 1200 ليرة- شرحات الدجاج بحدود 1800 ليرة- شرحات بقر بحدود 4200 ليرة- هبرة الغنم بحدود 6000 ليرة- مسوفة الغنم بحدود 5500 ليرة..
وهذه الأسعار تعتبر أسعار الحد الأدنى في بعض الأسواق الشعبية في دمشق، حيث ترتفع هذه الأسعار في بقية الأسواق، أو في المحال التجارية في الأحياء بحسب قربها وبعدها عن الأسواق الرئيسة.

حيتان الأسواق

لا شك أن معدّلات الهطول المطري، التي زادت خلال موسم الشتاء، زادت نسبياً من معدلات الإنتاج الزراعي بشقيه، النباتي والحيواني، ولا شك أنّ الدراسات النظرية حول انخفاض أسعار السلع المرتبطة بهذا الإنتاج صحيحة، فالموسم يعتبر موسم خير افتراضاً، لكن لماذا لم ينعكس موسم الخير هذا إيجاباً على حركة الأسواق؟ ولماذا لم يلمس المستهلك أثر هذا الخير على مستوى انخفاض الأسعار ووفرة المواد والسلع؟.
الجواب البسيط والمباشر: إن المتحكمين بالإنتاج والعملية الإنتاجية، هم أنفسهم المتحكمون بالأسواق على مستوى آليات العرض والطلب والسعر، وهؤلاء ينطبق عليهم المثل القائل: «يا فرعون من فرعنك»! فلا رقابة ولا ضوابط ولا منافسة، والنتيجة: أن مواسم الخير الفعلية والتي من المفترض أن تنعكس نتائجها الإيجابية على المنتجين والمستهلكين لم تغير من حالهم ومعاشهم، والمستفيد من هذه الوفرة والخير هم هؤلاء «الفراعنة الحيتان» وحدهم.

مهام نظرية

وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك اقتصرت مهامها على إصدار نشرات أسعار مكانية لبعض السلع والمواد الغذائية بالاعتماد على آليات العرض والطلب في السوق، ورقابتها اقتصرت على الإعلان عن السعر فقط لا غير، وتحرك دورياتها مرتبط بما يتم تسجيله لديها من شكاوى من قبل المواطنين، مع تكرار مقولة «تعزيز ثقافة الشكوى»، وكفى الله المؤمنين شر القتال، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الواقع العملي يشير إلى أن أعداد المراقبين المعنيين بالسوق وحركته ورقابته يعتبر ضئيلاً نسبياً، طبعاً مع عدم تغييب أوجه المحاباة والفساد وانعكاسها السلبي على الأداء والنتائج في الأسواق.
فها هو وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك يقول تحت قبة البرلمان، بحسب ما نسب إليه عبر بعض وسائل الإعلام منتصف شهر آذار الماضي: «حتى أكون صريحاً لو وضعنا ألف مراقب لن يتم ضبط كل الأسواق.. مرجعاً السبب إلى موضوع ثقافة الشكوى وتعامل المواطن مع ذلك».
أما السورية للتجارة وهي نظرياً ذراع الدولة باعتبارها «أداة التدخل الإيجابي في السوق»، فقد اقتصر دورها على ما تستجره من التجار غالباً من سلع وبضائع، الأمر الذي يعني أن أسعار صالاتها لا تختلف عن أسعار السوق بالنسبة للمستهلكين، طبعاً مع الأخذ بعين الاعتبار أن المستفيد من هذه الصالات بالنتيجة هم التجار أنفسهم، فصالات المؤسسة تعتبر منافذ تصريف إضافية لسلع هؤلاء، مع احتفاظهم بهوامش أرباحهم طبعاً.

ذرائع ممجوجة

المستهلك من الناحية العملية أصابه الملل من تكرار الذرائع التي تساق حول الأسعار ومبررات ارتفاعاتها والتذبذب فيها، اعتباراً من سعر الدولار الملعون، مروراً بأسعار المحروقات، وليس انتهاءً بأجور النقل وواقع الطرقات وآليات العرض والطلب، طبعاً مع مبررات العقوبات والحصار، وغيرها الكثير من الذرائع الأخرى، بما في ذلك عمليات التصدير أو التهريب، والأهم أن الجهات الرسمية المعنية بحركة السوق وانسياب السلع والأسعار دورها محدود ويكاد يكون غائباً، فلا مواسم الخير نفعته، ولا شعارات تحسين مستوى المعيشة تمت ترجمتها، وواقع حاله يقول: إن معدلات استهلاكه تتناقص، حتى على مستوى الحاجات الغذائية الضرورية، ومستوى معيشته يزداد تدهوراً وبؤساً وعوزاً.
والمستفيد أولاً وآخراً من كل ذلك طبعاً هم كبار حيتان السوق، الذين لم يعدموا وسيلة من أجل زيادة أرباحهم، على حساب المنتجين كما على حساب المستهلكين، متحكمين بالإنتاج وتسويقه وبالسوق وآلياته، فالوفرة بالبضائع والخير بالمواسم هم من يحصدون نتائجها الإيجابية كأرباح إضافية في جيوبهم، على مرأى ومسمع الجهات الرسمية.
ولعل عبارة الوزير: «لو وضعنا ألف مراقب لن يتم ضبط كل الأسواق»، فيها كل العبرة والصراحة والقول الفصل بهذا الصدد، فالترجمة العملية لها: أنَّ فراعنة السوق وحيتانه الكبار لم ولن يوجد من يردهم أو يردعهم عن غيهم!.
فهل بعد ذلك من يستفسر حيال أنماط وأشكال «الفرعنة» السائدة والمتسيدة علينا وعلى حياتنا بتفاصيلها؟.

معلومات إضافية

العدد رقم:
908
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2019 14:29