_
زيتون الساحل..  من حلم المحصول الإستراتيجي إلى (عين الطاووس)
محمد سلوم محمد سلوم

زيتون الساحل.. من حلم المحصول الإستراتيجي إلى (عين الطاووس)

استمر مزارعو شجرة الزيتون عبر سنين طويلة، يطالبون الجهات الرسمية في لقاءاتهم مع المسؤولين، سواء من المحافظة بتحميلهم هذه المهمة لنقلها، أو عبر المسؤولين المعنيين ذاتهم أثناء قدومهم للمحافظة، بإدراج شجرة الزيتون من ضمن المحاصيل الإستراتيجية، باعتبارها لا تقل أهمية عن أخواتها من المحاصيل، إن لم تكن أكثر، مثل: القمح والقطن والشوندر السكري.

لكن هذه المطالبات بقيت حبيسة أدراج الحكومات المتعاقبة، وبالتالي، لم تعطَ تلك الشجرة الأهمية اللازمة، وبالتالي، انتشرت الأمراض فيها، وأهمها: مرض عين الطاووس.

عين الطاووس

يعتبر هذا المرض من الأمراض الفطرية التي تصيب شجرة الزيتون، ويؤدي إلى تساقط الأوراق (النمو الخضري) وبالتالي تخرج الشجرة من دورة الإنتاج، وتنتشر ظواهر هذه الإصابة في المنخفضات (الأودية) والأماكن المنحدرة التي لا يصيبها ضوء الشمس بشكل جيد والمناطق الرطبة بصورة عامة.
ولأن الثمار تظهر على الطرود النامية من العام الماضي، وبظاهرة التساقط بفعل المرض تكون الشجرة فقدت فرصتها في الإنتاجية للعام القادم، وعدم ملاحقة هذا المرض مباشرة أدى إلى استمرار هذه الظاهرة في الشجرة حتى أدى إلى إهمالها من قبل المزارع ويباسها في معظم الأحيان.
وبنفس الوقت، المرض هو: إصابة كأية أمراض أخرى مادامت البيئة ملائمة لانتشاره، وتتوسع رقعته ويشمل مناطق أكثر ارتفاعاً، إلى أن أصبحت مع مرّ الزمن دائرته تتسع، وبالتالي، لم يعد يهدد منطقة محددة بل تجاوزها إلى أن أصبح مرضاً يهدد شجرة الزيتون في مناطق كثيرة من الساحل السوري وبمساحات كبيرة جداً، وبالتالي، أصبحت معالجته غير مجدية من قبل المزارع بل بحاجة إلى إمكانات أكبر من ذلك..

محاولات رسمية

وزارة الزراعة تملك من الإمكانات والآليات والكوادر البشرية والوحدات الارشادية، وتوّجتها بالوحدات الداعمة، وأتحفتهم بعددٍ كبيرٍ من الخريجين على مستوى كليات الهندسة الزراعية والمعاهد الزراعية والبيطرية... لكن السياسة الزراعية المتبعة، خلقت هوة كبيرة بين هذه الإمكانات والنتائج على الأرض..
ومع تدهور حالة المحاصيل، ومنها: (شجرة الزيتون) ظهر تبادل المهاترات وتحميل أسباب المشكلة بين المزارع والجهات ذات الصلة معه، من وزارة الزراعة، فمنذ 20 سنة قامت الوحدات الإرشادية بوضع برنامج لمكافحة هذا المرض عبر رش الأشجار المصابة وغير المصابة ضمن دائرة انتشار المرض، ولم تقم بأية محاولة ملحوظة على أرض الواقع منذ ذلك الحين، وكثيراً ما كان رد الجهات المعنية في مديرية زراعة طرطوس، بأنّ هذا المرض غير قادرة على مقاومته إلّا ضمن حلين، وعلى المزارع أن يقوم بذلك:
إمّا قلع الأشجار في المناطق المصابة وزرع أصناف أخرى متوفرة في المشاتل.
أو تطعيم الأشجار الأمهات بأصناف مقاومة لهذا المرض.
والآن بعد انتظار عامين، وبعد موسم أمطار واعد بموسم جيد، فوجئ المزارعون، وبالتالي الجهات المعنية، بتساقط أوراق الزيتون مبشراً بقدوم هذا المرض بدل ما كان التبشير بقدوم موسم جيد هذا العام!.
فقامت الجهات المعنية من خلال الوحدات الإرشادية بعقد ندوات لموظفيها وللمزارعين عن كيفية التعامل مع هذا المرض للتخفيف من آثاره، ومنها: شراء المُزارع للأدوية المطلوبة، ويوضع جدول زمني للمزارعين الراغبين بذلك، وتقوم الوحدة الإرشادية برشّ هذه الأشجار مجاناً.
ولأن الهوة كبيرة بين هذه الوحدات والمزارع لم يحضر من المزارعين سوى أربعة، ويعتبرون مهتمين بالشأن العام أكثر مما هم مزارعون، وبالتالي هذه الخطوة تعتبر محاولة خجولة، أو رفع عتب ورفع المسؤولية عن كاهل الجهات المعنية، وإلقاءها على كاهل المزارع الذي لا يقوم بمكافحة هذا المرض بنفسه.

بعض جذور المشكلة وحلها

من ضمن الأعمال التي وضعت لمعالجة هذا المرض في الندوة المقامة، هي: التقليم، وحرق أو طمر الأوراق، والحراثة السنوية، والتسميد بالسماد العضوي، ومن ثم رش الأشجار المصابة..
إنّ معظم الأماكن المصابة بالمرض هي الأماكن الوعرة وخاصة الوديان، وهذه الأراضي الوعرة حتى يتمكن المزارع من خدمة أرضه وجني محصوله، يجب توفر عامل مهم جداً، وهنا مكمن الفرس، وهو: الطرق الزراعية، وهذه مهمة الدولة بوسائلها المتوفرة وليست مهمة المزارع.
فعبر السنوات المتعاقبة لم تقم وزارة الزراعة ضمن خططها السنوية بشق الطرق الزراعية إلّا في أماكن محدودة، ولأسباب يعلمها الجميع، وبعد أن أُعطيت هذه المهمة إلى الوحدات الإدارية، توقفت بالكامل عن شق هذه الطرقات، لأن الوحدات الإدارية لا تشق طرقاً خارج المخطط التنظيمي، والطرق التي تم شقها سابقاً ساءت أحوالها لعدم ترميمها، ومعروف في المنطقة الساحلية والجبلية خاصة بقصر أعمار الطرق، إن لم تُعبد بسبب الظروف الجوية، ومنها لا يصمد أكثر من موسم أمطار واحد، وبالتالي كثير من الطرق القديمة أصبحت خارج الخدمة، وعلى مرمى حجر من البلدية التي أُوكلت لها المهمة، ورغم المطالبات الكثيرة لم تتم الاستجابة من أحد.
ليس صعباً على وزارة الزراعة والجهات المعنية في المحافظة، القيام بتشكيل لجنة مختصة بالطرق الزراعية، وبعد وضع التصور المبدئي لأماكن شق هذه الطرقات وربطها بالطرقات العامة وتعبيدها، ليشمل خدماتها، جني المحصول وخدمة الأراضي وسهولة التنقل بين القرى، والأهم: إمكانية إطفاء الحرائق التي تندلع بشكل دائم في مواسم الصيف.
وعندما لا يشعر المزارع بالغبن ولا يشم رائحة التلاعب لصالح هذا أو ذاك، لن يتردد في الموافقة، طالما أحد شروط الجهات المعنية هي موافقة المزارع، التي لطالما استخدمت كحجة، أكثر مما هي واقع!

معلومات إضافية

العدد رقم:
908
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2019 14:20