_
حلب: وأد مقصود للصناعة

حلب: وأد مقصود للصناعة

فقد اكتسبت حلب مكانةً كونها العاصمة الاقتصادية لسورية، تعتبر الصناعة فيها حاملاً مهماً وعصَب أساسٍ، لقدرتها في تأمين احتياجات السوق من السلع والمواد المصنعة، وفي الوقت ذاته ما تدخله من قطع أجنبي مهم، لذلك أي تراجع ولو طفيف في الصناعة كان سيسهم بشكل أو بآخر في تراجع الاقتصاد، فكيف وقد أسهمت يد داخلية المتمثلة في السياسات الليبرالية للحكومات في إضعافها، أو لنقل مهدت للضربات القاتلة فيما بعد.

الاتفاق القاتل

ففي 2009 تم توقيع اتفاقية التبادل الحر مع الحكومة التركية، التي أغرقت بموجبه الأسواق بالمنتجات التركية، مع امتياز إلغاء كامل للرسوم الجمركية، ما أخرج العديد من المنشآت الصناعية والورش لعدم قدرتها على المنافسة، في حين أن البضائع السورية لم تعامل بالمثل!

على الأرض انعكس القرار بتسريح الكثير من العمال، مما ولد جيشاً من العاطلين الذي تحول جزء منهم فيما بعد إلى حطبٍ للأزمة، فيما اضطر بعضهم الآخر إلى الاغتراب، لتأتي الأزمة فيما بعد وتقضي على ما تبقى منها، فتم تفكيك المعامل وبيعها، وبالمقابل دفع الخوف العديد من الصناعيين للفرار برؤوس أموالهم.

ويستمر الوأد

بعد خمس سنوات من الأزمة في المدينة، وعودة العديد من المناطق في مدينة حلب إلى سيطرة الدولة، ومن ضمنها مناطق تمركز الصناعة (العرقوب والليرمون وتيارة وطريق المطار وجبرين والشقيف)، لتقدر خسائرها بمليارات الدولارات، ما بين أضرار كاملة وجزئية، ونسبة الناجي منها لا يتجاوز 40%.

أمام ذلك كله كان الفعل الحكومي بقراراته بعيداً كل البعد عن المصلحة الاقتصادية للبلاد عامةً، وعن تباكيها المصطنع على الصناعة بحلب خصوصاً، على الأقل حتى ما صدر منها للآن لم يترجم على الأرض الواقع، بما يسهم في انطلاق عجلة الإنتاج بشكل فعلي وصحيح.

فالدمار الهائل الذي أصاب البنى التحتية للمدينة، كان عاملاً مؤثراً في تباطؤ تعافيها، وخاصةً خروج المحطة الحرارية والشبكة الكهربائية في المدينة عن الخدمة، وارتفاع أسعار نواقل الطاقة والأزمات المتلاحقة في ملف المحروقات، إضافةً لعدم وجود جدّيّة من الحكومة لجدولة التعويضات، ولإعادة التشغيل بما يتناسب وحجم الخسائر، من جهة أخرى التراجع في أسعار صرف الليرة السورية أمام القطع الأجنبي رفع الكلف على الصناعي، وخاصةً بظل واقع لم يشهد استقراراً حقيقياً.

على المستوى الأمني، فإن كانت المدينة قد ارتاحت من الفصائل الإرهابية المسلحة، فهي إلى الآن عرضة للنهب من قبل بعض «اللجان»، وخاصةً عند توريد الموارد الأولية أو استجلاب البضائع، وفرض أتاوات تحت مسميات الترفيق أو الجمركة، وفي كثير من الأحيان «ممارسات تشبيحية»، وهو ما يمنع أية محاولة جدية للبدء، وخسارة العديد من الأيدي العاملة الخبيرة كانت عاملاً مهماً لا يقل عن سابقيه أيضاً.

من جهتها، غرفة صناعة حلب طالبت في أكثر من مناسبة على اعتبار حلب مدينةً منكوبةً، وإعفاء الصناعيين مما يترتب عليهم من ذمم مالية مترتبة لحين انطلاق عملهم، أو أقلّه جدولتها لحين هذه الانطلاقة ومنحهم قروضاً تسمح لهم بعودة التعافي، إذا لم تستطع الحكومة مساعدتهم أو تعويضهم عن خسائرهم، لكن ذلك إلى الآن لم يقابل بشكل جدي بقرارات تسمح لهم بذلك على المستوى التنفيذي.

ضرورات العودة

لا يمكن الحديث عن أية عودة حقيقية للصناعة، إن لم تكن مهيئةً لواقع اقتصادي حقيقي بعيد عن النهج الليبرالي، التي ما زالت تتبعه الحكومة، إضافةً إلى الاستقرار الأمني الذي يسمح لها بالتواجد والاستمرار، وهو بشكل أو بآخر يسهم في استقرار كلف الإنتاج وتخفيضها، بحال توافق ذلك مع خفض أسعار الطاقة ونواقلها، والإسراع في تأهيل البنى التحتية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
799