شجاعة الحركة لا تكفي... يجب أن تلعب الشطرنج جيداً!

شجاعة الحركة لا تكفي... يجب أن تلعب الشطرنج جيداً!

خلال تطور الحركة الشعبية على الأرض، تظهر أمامها قضايا عديدة بحاجة إلى حلول سريعة، قضايا عملية وسياسية ومبدئية. بشكلٍ خاص، تظهر مسألة كيفية التعامل مع الاستفزازات، سواء تلك التي تأتي من داخل الحركة، أو من خارجها.

تندرج الاستفزازات تحت عناوين وتصنيفات وأنواع مختلفة ومتمايزة، والتعامل معها ينبغي أن يكون كذلك أيضاً؛ كل نوعٍ له الطريقة المناسبة في الرد عليه.
على سبيل المثال: لقد تم تداول أخبار عديدة خلال الأيام الماضية، أنّ هنالك تهديدات يطلقها أصحاب مؤسسات خاصة كبرى، وأيضاً مدراء ومسؤولون في مؤسسات حكومية، بأنّ من يشارك في التظاهر، أو في أي نوع من الأعمال الاحتجاجية، سيتم فصله من عمله.
ضمن النقاشات بين شبان فاعلين في الحراك، ظهرت موجة انفعال عالية ضد هذا الاستفزاز، واقترح البعض القيام بتصرفات طائشة للدفاع عن الموظفين، وعن حقهم في العمل، وحقهم في التعبير عن آرائهم الذي يضمنه الدستور.
في هذه اللحظة، ظهر بشكل أوضح أنّ على الشبان الفاعلين في الحراك أن يتقنوا لعب الشطرنج، وألا يتعاملوا بمنطق رد الفعل؛ المسألة ببساطة، أنّ المتشددين المعادين للحراك، وعلى رقعة الصراع، يدفعون إلى الأمام بيدقاً، (متمثلاً بمدير هنا أو مدير هناك، مسؤول هنا أو مسؤول هناك) وهم على أتم الاستعداد للتضحية بذلك البيدق، بل يتمنون أن تقع الحركة في فخ هذا البيدق السهل، لأنّ أي تصرف طائش سيغير الوضع على الرقعة، بحيث يحصر الحركة الشعبية في الزاوية، ويدينها بسلوكٍ غير دستوري وغير قانوني، ويفتح الطريق تدريجياً أمام الـ«كش مات»!
الجيد في المسألة، أنّ التعقل والآراء العاقلة المتبصرة، قد غلبت في نهاية المطاف. وهذا سلوك مبدئي محترم يجب تشجيعه واحتضانه، بما في ذلك السلوك المتعقل بما يخص مسائل الإضراب وقطع الطرق، حيث قطعت النوى الأساسية ضمن الحركة الطريق على من يريدون تحويل أفكار الإضراب، وقطع الطرق إلى مقتل للحركة، وسبب في عزلها شعبياً وذريعة في التهجم عليها من خارجها.
بين البيادق التي يتم دفعها أيضاً في إطار نصب الأفخاخ، بعض المتحدثين الإعلاميين عبر يوتيوب أو فيسبوك، والذين يشنون هجوماً طائفياً بحتاً، وغرضهم من ذلك استدعاء رد فعلٍ طائفي بحيث يتحول هذا «الردح» إلى أداة في تحويل الأمر برمته إلى صراع طائفي دموي، يقتل الحركة ويقتل المنهوبين السوريين أياً تكن طوائفهم. وهنا أيضاً، يظهر بشكل جيد وعي الحركة بالغرض من هذه الاستفزازات، وخاصة عبر تجاهلها الكامل، والعمل على تأكيد الطابع الوطني العام واللاطائفي، بل وحتى العلماني.
ينبغي الانتباه إلى أنّ هنالك على الرقعة بيادق كثيرة سيتم دفعها لإيقاع الحركة في الأفخاخ، بل وربما يتم بعد ذلك دفع فيلة وأحصنة وقلاع وحتى وزراء، بغرض إغراء الحركة ومحاولة اصطيادها، ولذا فإنّ التعقل في وجه الاستفزازات أداة أساسية في السير أماماً... بعد كل حركة، ينبغي أن نفكر جيداً قبل أي رد... كذلك هو الأمر في الشطرنج، وكذلك هو على الأرض وفي الإعلام وفي السياسة.
لا ينبغي بأي حالٍ من الأحوال، أن يخرج المرء باستنتاج، هو أنّ الهدوء والروية هما الأداة الناجعة في التعامل مع أي استفزاز من أي نوعٍ كان؛ لأنّ هنالك أنواعاً من الاستفزازات المستورة التي تحاول أن تدس نفسها في صفوف الحركة بهدوء ودون إثارة ضجة. على الخصوص نتحدث عن الطروحات والبرامج المشبوهة، سواء منها القائل بـ«إدارة ذاتية» أو «معبر» أو «هيئة سياسية» وإلخ، وكذلك منها على الخصوص التي تحاول تحت اسم الدين أن تروج لشخصيات ورموز معينة معروف عنها تماماً عمالتها و«إسرائيليتها»... مثل هذه الدسائس والاستفزازات ينبغي الرد عليها بحزمٍ مبدئي مطلق، وينبغي للحركة نفسها أن تطردها بشكل مباشر، لأنّ هذا النوع من الأعمال يستهدف بالدرجة الأولى دم الناس، ويخدم بشكل مباشر المتشددين في الداخل والأعداء التاريخيين في الخارج... وبكلمة، فهذه السلوكيات معادية على طول الخط، وبالدرجة الأولى، للناس في الشارع، ولحركتهم ولاحتجاجهم... ولا يظنن أحد أنّ من يدفع بهذا الاتجاه لديه مشروع ما خاص أو بديل يمكن نقاشه: ما يدفع باتجاهه هو الدم، ولا شيء غير الدم، عبر تأمين كل الذرائع المناسبة للقمع، وعبر تعميق تردد المترددين وتخوّف المتخوفين، أي يسعى لعزل الحركة وسحقها في نهاية المطاف، والأسوأ، أنه يسعى لفتح باب الفوضى والسلاح مجدداً، لأنّ هذا هو الباب الوحيد بالنسبة للمتشددين للالتفاف على المطالب المحقة للناس، وعلى رأسها الحل السياسي المبني على القرار 2254.
الرد على هذا النوع من الاستفزازات يجب أن يكون مبدئياً وحاسماً وفورياً، دون أي مواربة ودون أي تراخٍ... والحق، أنّ هذا ما يحصل على الأرض فعلاً؛ فالكتلة الأكبر من المتظاهرين والفاعلين ضمن التظاهر يتعاملون بوعيٍ متيقظ مع هذه الظواهر، ويظهر ذلك في كل يوم جديد من أيام التحرك؛ حيث كلما أطلت المشاريع المشبوهة برأسها، تسارع الحركة إلى ضربها على رأسها بشعارات معادية لتلك المشاريع، وبمزيد من التلاحم والتعاون لعزل حامليها، عبر الإقناع حيث يمكن، وعبر الطرد المباشر والفرض حيث لا ينجح الإقناع.
هذه المحاولات لن تتوقف، وفي كل مرة سيحاول أصحابها الالتفاف وتغيير الأشكال والأسماء والأقنعة لعل وعسى يمررون ما يريدون، ولذا ينبغي أن يتحلى المناضلون على الأرض بيقظة ثورية ووطنية عالية، وبالشجاعة العاقلة للتعامل مع شتى أنواع المواقف... ويجب أن تبقى هذه اليقظة حاضرة، حتى يصاب أصحاب المشاريع المشبوهة باليأس التام عبر عزلهم بشكل كامل وفضحهم... لأنّ هذا الأمر ليس «شقاً لصف الحركة» كما يظن أو يقول البعض، بل هو تنظيف لصفوف الحركة من أعداء حقيقيين لها... ودون أن تواجه الحركة الأخطاء وتصححها بشكل يومي، فإنها لا يمكن أن تتقدم إلى الأمام، ولا يمكن أن تضم إلى صفوفها المترددين والخائفين.
في هذا السياق، ينبغي الانتباه إلى أنّ بقاء الراية ذات البعد المحلي وحيدة في الساحات، هو غطاء يقوم أصحاب المشاريع المعادية للحركة من داخلها ومن خارجها، بتمرير أجنداتهم عبره بشكل تدريجي... ولذا ينبغي كخطوة أولى على الأقل، الانتباه للمبادرات الإيجابية التي ظهرت والتي تقول برفع كلا العلمين السوريين اللذين يشكلان جزءاً من تاريخ وذاكرة الشعب السوري، وتحويلهما من رمزين حربيين يقتل السوريون بعضهم البعض تحتهما، إلى رمزٍ لإعادة توحيدهم مجدداً، وبالأخص، توحيد المنهوبين منهم في وجه المتشددين في كل من النظام والمعارضة على حد سواء...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1139
آخر تعديل على الجمعة, 05 كانون2/يناير 2024 22:07