_
د. جميل: القمع يجب أن يوجّه  لمافيات اللصوص والمال

د. جميل: القمع يجب أن يوجّه لمافيات اللصوص والمال

أجرى رئيس منصة موسكو للمعارضة السورية، وأمين حزب الإرادة الشعبية، د.قدري جميل، يوم الثلاثاء 3/12/2019، مؤتمراً صحفياً في مقر «نادي الشرق» التابع لوكالة «نوفوستي» في موسكو، عرض خلاله موقف المنصة من جملة القضايا السياسية الراهنة. تنشر قاسيون فيما يلي جزءاً من هذا المؤتمر، مع العلم أن التسجيل الكامل للحوار منشور على موقع قاسيون الإلكتروني.

بعد تأكيده أنّ الوضع في سورية قد بات خطيراً بسبب استمرار الأزمة بتعبيراتها المتجددة ودخولها طوراً جديداً خلال الأسابيع الماضية، تلا د.جميل على الحضور بيان منصة موسكو الذي أصدرته قبل يومٍ من المؤتمر (وهو منشور بشكلٍ منفصل في هذا العدد). ليؤكد بعدها: «أردت أن أفتتح مؤتمري الصحفي بهذا البيان، لأنه يُلخِّص بشكلٍ مكثف الوضع الحالي واللحظة الحالية؛ وصل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار اليوم إلى حدود الـ1000 ليرة سورية، ما يعني أنه منذ بداية الأزمة وحتى هذه اللحظة قد تضاعف عشرون مرة. ولم أتحدث بعد عن غلاء الأسعار الذي سبق ارتفاع سعر الصرف بكثير، والأنكى من هذا وذاك أن المواد الأساسية نفسها أصبحت شيئاً فشيئاً غير متوفرة في السوق».

انهيار سعر الصرف قضية مصيرية

أولاً: إن انهيار الليرة يحمل معه انعكاسات خطيرة يجب إيقافها فوراً، بما في ذلك الانعكاس على الدورة الاقتصادية بكامل مراحلها «إنتاج، تبادل، توزيع، استهلاك». عملياً، تعطلت الدورة الاقتصادية في البلاد، وهي في الأساس معطّلة أو متباطئة بسبب الأوضاع السابقة وخاصة العسكرية منها. لكن اليوم يوجد شيء نوعي جديد في موضوع الدورة الاقتصادية.
ثانياً: كان الناس يعانون من أزمات مختلفة في تأمين المواد المعيشية الأساسية، اليوم، تُعمِّق مشكلة سعر الصرف المشاكل المعيشية، وتوصل الناس إلى طريق مسدودٍ وإلى هاوية الجوع الحقيقي. بحيث 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر قبل هذا الانهيار الأخير، وخط الفقر بحسب الأمم المتحدة يعادل دولاراً واحداً في اليوم للفرد.
وما هو ليس أقل خطراً من انهيار سعر الصرف، أنه واستقراءً لتجارب سابقة في بلدان مختلفة، فإن هذا الانهيار يهدد وحدة البلاد: كلنا نعلم أنه عندما انهار سعر الصرف في بلدان أخرى، اهتز الوضع الاقتصادي جذرياً، وكيف أنّ الأطراف تسعى إلى الهروب من المركز والاستقلال عنه لعلها تحمي نفسها. لذلك فإن انهيار سعر الصرف قضية خطيرة ومصيرية، ولم تشهد لها البلاد مثيلاً حتى هذه اللحظة.

مافيات الفساد والمال

يقولون إن الحصار الغربي هو المسؤول عن هذا التدهور، نعم هو مسؤول، ولكن هذا النوع من الحصار الغربي جرى ضد كوبا وبلدان عدة أخرى لعشرات السنين ولم يؤدِ إلى هذه النتائج. إن الشرط الأول للوصول إلى هذه النتائج هو السياسات المتبعة.
إننا نعيش نتائج السياسات الاقتصادية- الاجتماعية السياسية المتبعة منذ أواسط العقد الماضي، لأنّ الدولة- بتخلِّيها عن دورها الذي كان موجوداً حتى بداية القرن الحالي- تركت العنان لقوى السوق كي تتحكم، وخرجت الدولة نهائياً، لتصبح مجرد «شرطي سير» في هذا الموضوع. ولو أن المواد الأساسية بيد الدولة اليوم لما كان ممكناً أن تصل الأمور إلى هذا الحد.
إذاً، السياسات الاقتصادية المتَّبعة السابقة واللاحقة هي التي تضرب بشكلٍ قاسٍ جداً مستوى معيشة المواطن وحقّه في الحياة، وتأتي فوقها قضايا الحصار كي تعزِّز الوضع وتزيد الطين بلة. وهنا لدي مثال: في دولةٍ ينهار فيها سعر الصرف، لا يزال سعر الصرف في المصرف المركزي إلى اليوم 434 ليرة، بينما سعر الصرف في السوق السوداء وصل إلى حدود الـ1000 ليرة. فما معنى هذا الفرق؟ وكم تحقق من أرباحٍ عبر هذا الفرق من إجازات الاستيراد الحقيقية والمزوَّرة؟ لأنَّ التاجر الذي يستورد السكَّر والرُّز والمواد الأساسية يشتري الدولار 434 ليرة، والكثير من إجازات الاستيراد هذه وهمية، ويذهب التاجر بهذه الإجازة ليبيعها في السوق ويستفيد من الفرق دون أن يقوم بأي شيء. وهنا، نرى تواطؤاً حقيقياً بين قوى الفساد الموجودة بكثرة في جهاز الدولة وقوى السوق الكبرى.
المشكلة اليوم، أن سياسات الحكومة والحصار الغربي أنتجا مافيات فساد ومافيات مال تُضيّق الخناق على الشعب السوري. وهذه المافيات في المواجهات القائمة سابقاً وحالياً جزئياً، موجودة على طرفي المتراس.

إلى أين يجب أن يوجَّه القمع؟

لماذا تفاقم الوضع بهذا الشكل؟ أولاً وأخيراً، بسبب تأخُّر الحل السياسي وتأخر تنفيذ القرار 2254. هذا التأخر هو من أوصلنا إلى هنا. فماذا يعني الحل السياسي حسب 2254؟ يعني توحيد السوريين، وتوحيد السوريين أداة جيدة جداً لاجتثاث المافيات جذرياً وقمعها. إنَّ قمع الشعب وجهاز الدولة يجب أن يتوجه نحو مافيات اللصوص التي تأكل الأخضر واليابس في ظروفنا الحالية، وتهدد وحدة البلاد، وتهدد حياة السوريين والاقتصاد الوطني ودور سورية التاريخي.
إن 2254 يعني حقَّ الشعب السوري بتقرير مصيره، بما في ذلك مواجه الفساد ومافياته، لذلك إذا عُرف السبب بطل العجب، وبالتالي فإن الحل الوحيد هو البدء الفوري بالحل السياسي وتنفيذ 2254. وإننا نعرف بلداناً كثيرة حوصرت، ولكن كان هنالك فيها عدالة، مثل فيتنام وكوبا، كانت توجد فيها عدالة في الحرمان، أي إن من هم فوق ومن هم تحت كانوا بنفس المستوى والوضع المعيشي. اذهبوا اليوم إلى دمشق وانظروا كيف يعيش المليارديريون الجدد وكيف يعيش الشعب؟ فرق الكمون بين المستويين مُذهل ومخيف. وتتساءلون بعد ذلك لماذا تجري الانفجارات في البلدان من حولنا؟ لأنها تعيش الأوضاع نفسها عملياً، في العراق ولبنان فرق الكمون بين من يسرقون وبين من يجوعون ترون نتائجه في انفجار برميل البارود. أما كيف يستخدم هذا الانفجار لاحقاً، فهذه قضية أخرى ترتبط بالظرف الإقليمي والدولي والمحلي.
ولكن من الذي عبأ برميل البارود؟ هنالك كلمة حق يجب أن تقال: إن بنية الدولة في الظروف الحالية أصبحت جزءاً مخدماً للمافيات التي تعمل، وتحليل السياسات الاقتصادية ونتائجها يجعلنا نصل إلى هذه النتيجة الخطرة. ومن هنا، أهمية الحل السياسي، وأهمية أن يقرر الشعب السوري مصيره بنفسه.

عدم إيقاف المأساة سيدفع إلى توسيعها

إن تأخر حل الأزمة الداخلية فتح الأبواب لتعميقها، ولمنع إيجاد الحلول لها عملياً. وهدف القرار 2254 هو تحييد العامل الخارجي في نهاية المطاف لنقل مركز ثقل حل الأزمة إلى الداخل، ولذلك أقولها بشكل واضح وصريح: إن مراهنة النظام على عدم تنفيذ 2254 هو أمرٌ مدهشٌ وغريب. فحجم المأساة في سورية إذا استمرت لن يتوقف عند الحدود السورية، لذلك أصبح من مصلحة الجميع إيقافها لأن شظاياها ستتطاير في المنطقة كلها.
و2254 ليس مجرد كلام، هو كلام واضح وتفصيله معروف: انتقال سياسي، ودستور، وانتخابات. والوضع في سورية يتطلب ذلك، وما يجري اليوم يجب أن يقنعنا ويقنع كل شخص شريف ووطني، أن المطلوب هو تغيير حقيقي يجري عبر انتقال سياسي حقيقي بالتوافق بين جميع السوريين دون إبعاد أي طرف، وإذا لم يتم ذلك فنحن ذاهبون إلى كارثة أخطر. هذا الانتقال المطلوب سيؤمِّن التغيير الجذري الذي يحل المشاكل التي تنتصب أمامنا، ولكن هنالك من لا يريد التغيير في الطرفين، لأنه مستفيد من الوضع الحالي، وأفضل طريقة للتعبير عن عدم إرادة التغيير هي الشروط المسبقة.

الشروط المسبقة أداة للتعطيل

لدينا في منصة موسكو تجربة جيدة ضد الشروط المسبقة. ففي «الرياض2» حينما طرح الجزء الأكبر من المعارضة شرطاً مسبقاً في البيان السياسي له علاقة بالبنية السياسية واشتراطات عليها، رفضنا ذلك، وحذرنا من ذلك وقلنا إن ذلك سيمنع المفاوضات وسيمنع الحوار مع النظام، لأنه سيستخدمها كحجة من أجل القول «تفضلوا شوفوا: هدول ما بدون يحكوا معي... هدول بدون يطيرونا»، لذلك سيمتنع، وقلنا لهم إنهم يقدمون أفضل خدمة للنظام بشروطهم المسبقة.
واليوم، في الجلسة الثانية من جنيف أيضاً، لم تبق المعارضة وحدها من وضع الشروط المسبقة، بل النظام أيضاً عندما وضع شروطاً سياسية للدخول في المفاوضات حول الدستور، علماً أن وظيفة اللجنة الدستورية هي الدستور فقط وليست لديها وظيفة ثانية. أحد الشروط المسبقة التي وضعها هو موضوع حمل السلاح، وأن «كل من حمل السلاح هو إرهابي» وهذا الأمر غير صحيح. فالإرهاب معرَّف دولياً، وتوجد منظمات مصنفة دولياً بالإرهاب، ويمكن أن أوافق أن الذي يتعامل معها يمكن أن يشتبه به أيضاً أنه إرهابي، ولكن ليس كل الذين حملوا السلاح هم إرهابيون، فمع هؤلاء يجب الحديث، وإلا إن كنا سنضع كل من حمل السلاح نتيجة تعقيدات الظروف في خانة الإرهابي فهذا يعني أننا عملياً أوقفنا الحوار وتنفيذ القرار 2254، هذا اسمه شرط مسبق. والمعارضة في الجولة الثانية لم تكن أحسن حالاً من النظام، إذ عندما رفضت دخول القاعة دون جدول أعمال مسبق وضعت أيضاً شروطاً مسبقة، لذلك، فإن الشروط المسبقة كما تبيّن هي سلاح جيد جداً من أجل التعطيل... وأعتقد أنه ليس لدينا ترف الانتظار.

ضرورة نقل اللجنة إلى دمشق

من هنا، كان اقتراح منصة موسكو بنقل الاجتماعات إلى دمشق، لأن ذلك يمنع التسويف والمماطلة من وفد النظام ويمنع المعارضة أيضاً من التحجج بحجج فنية مختلفة كي لا تبدأ جدِّياً عملية التفاوض السياسي، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نحن كمنصة موسكو نرى أن سورية بلد عريق وبلد حضارة وثقافة، أول دستور لنا كان في عام 1920، وساعدنا ستة بلدان عربية على كتابة دستورها، فكيف يمكننا أن ننظر بأعين أبنائنا وأحفادنا ونقول لهم: «هذا الدستور كُتِب في جنيف!»؟ من الذي يقبلها على نفسه من الوطنيين السوريين؟ يُمكن أن تجري المراحل الأولى الإجرائية التحضيرية في جنيف، ولكن الدستور يجب أن يكتب في دمشق. يعني أن يكتب في حضن الشعب السوري، فالشعب السوري هو الذي يجب أن يحمي اللجنة الدستورية، والقواعد الإجرائية التي أقرها مجلس الأمن تقول بتأمين الحماية لجميع أعضاء اللجنة وعائلاتهم وممتلكاتهم، ويجب أن تجد الأمم المتحدة الطريقة التنفيذية لذلك.
ما الذي يمنع المعارضة بأن تذهب إلى دمشق غير التعطيل؟ ما الذي يمنع النظام أن يضع هذا الشرط؟ أنا أطلب منه أن يضع استكمال عمل اللجنة الدستورية في دمشق كشرط مسبق، وعندها يصبح هذا الشرط مقبولاً بالنسبة لنا. ولكنه لم يضع الشرط إلى الآن، وهو لم يبد هذه الرغبة علناً حتى اللحظة التي أتكلم معكم فيها. أنا أطالب الجميع أن يعلنوا موقفهم الصريح من نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق تحت حماية الأمم المتحدة. وهذا ضمان لتسريع العمل وإنجازه في أسرع وقت ممكن. واليوم يوجد مقال تعقيباً على بياننا يقول إن منصة موسكو تنفذ مطالب النظام بنقل العمل إلى دمشق، قولوا لي متى قال النظام إنه يريد أن ينقل المفاوضات إلى دمشق؟ إلقاء الاتهامات جزافاً هي قضية سهلة جداً عند بعض الأطراف المعارضة، لذلك أطلب من هؤلاء أن يشغلوا عقولهم قليلاً ويحكِّموا ضمائرهم ويتمتعوا بقليلٍ من الحكمة حينما يرون اقتراحات جديدة هدفها فعلياً إنقاذ اللجنة الدستورية من المأزق الذي وقعت به.

القرارات الغاشمة ستطويها الحياة نفسها

في ردٍّ على سؤال حول قيام هيئة التفاوض بفصل عضو اللجنة الدستورية، مهند دليقان، من اللجنة والهيئة والطلب من منصة موسكو باستبداله، أكد جميل: انتبهتم أنني خلال مداخلتي لم أذكر شيئاً حول الإجراءات القمعية التي اتخذتها هيئة التفاوض ضد منصة موسكو بسبب عرضها لرأيها في الجلسة الأولى للجنة الدستورية حول النقل إلى دمشق، ونحن قررنا أن نتجنّب الحديث عن الموضوع حتى نهاية الجولة الثانية، لأننا لا نريد أن نعطي أحداً الحجة لإفشال الجولة بسببنا.
هيئة التفاوض فعلاً طلبت منا الاستبدال، نحن رفضنا إسقاط العضوية ورفضنا الاستبدال، وهذا هو موقفنا الذي وجهناه برسائل للأمم المتحدة ولهيئة التفاوض، وسننشر هذه الرسائل بوقتها. كنا وما زلنا لسنا من أنصار سياسة «كلما كان أسوأ كلما كان أحسن»، نحن من أنصار سياسة حلحلة الأمور وإن كانت خطوة- خطوة.
إن الإجراء غير الحكيم وغير العاقل الذي قامت به هيئة التفاوض بإسقاط عضوية رفيقنا مهند دليقان من هيئة التفاوض واللجنة الدستورية قابلناه بضبط نفس عالٍ، ولم نقم بردود فعل حادَّة، وهذه أول مرة نتكلم عن الموضوع بعد مضي عدة أسابيع عليه، كي لا نعطي أحداً حجة لإثارة الغبار حول عمل اللجنة الدستورية، أي إننا تخطينا حتى مصالحنا الحزبية السياسية الضيقة، وقفزنا فوقها لمصلحة عمل اللجنة الدستورية.
نحن مصرُّون على موقفنا الذي عوقب عليه مهند، أي عوقبت عليه منصة موسكو، وأصدرناه يوم أمس ببيان، واليوم أوضحت لكم ما هو المعنى العميق لهذا الاقتراح. وأعتقد أن الجميع سيقتنعون بعد قليل أنه المخرج الوحيد من المأزق والورطة الحالية التي وقعت فيها اللجنة الدستورية في جنيف، ولا يوجد مخرج آخر لإنقاذها. وبالتالي، عندما تثبت الحياة صحة موقفنا، أعتقد أن القرارات الغاشمة والظالمة التي اتخذت ضدنا ستطويها الحياة نفسها. أمَّا كيف سيجري ذلك تقنياً، فسنجد الطريقة من أجل ذلك هذا.

معلومات إضافية

العدد رقم:
943
آخر تعديل على الإثنين, 09 كانون1/ديسمبر 2019 12:57