_
دليقان: نقل اللجنة الدستورية إلى دمشق ضرورة وطنية من طراز رفيع

دليقان: نقل اللجنة الدستورية إلى دمشق ضرورة وطنية من طراز رفيع

أجرت شبكة «أوغاريت بوست»، عبر الصحفية «رزان أيوبي»، يوم السبت 7/12/2019، حواراً مع ممثل منصة موسكو ضمن اللجنة الدستورية المصغرة، وأمين حزب الإرادة الشعبية، مهند دليقان، أوضح فيه موقف الحزب والمنصة من آخر التطورات السياسية المرتبطة بالحل السياسي للأزمة السورية، وفيما يلي، تعيد «قاسيون» نشر النص الكامل للحوار.

في العام التاسع من الأزمة في سورية، ماهي قراءتكم للمشهد السوري في ظل التواجد الفعلي لعدة قوى أجنبية على الأرض، وهل هناك أفق لحل سياسي؟

يمكن القول بشكل مكثف إنّ للأزمة السورية أسبابها الداخلية العميقة المتراكمة منذ عقود، وعلى رأسها السياسات الاقتصادية الاجتماعية الليبرالية التي أفقرت الغالبية الساحقة من السوريين وأضعفت بنية المجتمع وجهاز الدولة، بالتوازي مع مستوى حريات سياسية شديد الانخفاض، أدى إلى تراكم الآهات والآلام دون وجود مسارب طبيعية للتعبير عنها أولاً بأول، الأمر الذي أدى إلى انفجارها دفعة واحدة في نهاية المطاف، وهو ما رأيناه في 2011. وكذلك للأزمة أسبابها الدولية التي جاءت كعامل مكمل ومساعد مستند إلى الأسباب الداخلية.
وما جرى هو أنّ كل تعمقٍ إضافي للأزمة الداخلية دون حلول حقيقية، كان يفتح الباب بشكل أكبر للدور الخارجي وللتدخلات الخارجية، وصولاً إلى درجة عالية جداً من التدويل تمثلت بصدور القرار 2254 عن مجلس الأمن الدولي، والذي مثّل قمة التدويل من جهة، ولكن في الوقت نفسه نقطة الانطلاق نحو التراجع عن ذلك التدويل؛ نحو إعادة مركز ثقل حل الأزمة السورية نحو الداخل من باب حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه.
ترافق تطور الأزمة السورية مع تطور ميزان القوى الدولي إلى غير صالح القوى الغربية المهيمنة تاريخياً على العالم وعلى منطقتنا، وعلى رأسها واشنطن، وهذا التطور بالذات، والذي مرّ بلحظة صفرية عام 2015، ووصل الآن إلى مكان مختلف بات فيه الأمريكي ومعسكره أكثر ضعفاً، وهو الباب الفعلي بالمعنى الدولي والإقليمي للتراجع عن التدويل بشكل فعلي، وصولاً إلى حل داخلي سوري سوري على أساس القرار 2254 نفسه، وبهذا المعنى فالمسألة لا تقف عند حدود القول إنّ للحل السياسي أفقاً في سورية، بل إنّ الأفق كله هو للحل السياسي، الذي سيضمن بدوره خروج كافة القوات الأجنبية من سورية.

بالتزامن مع انطلاق أعمال اللجنة الدستورية، شهدت مناطق شمال شرق سورية تغيُّراً في خارطة النفوذ الميداني، ما دلالات ذلك برأيكم؟

تغير خارطة النفوذ في الشمال الشرقي، وانطلاق أعمال اللجنة الدستورية، وجهان أحدهما ميداني، والآخر سياسي، لجوهر واحد يتمثل دولياً بالتراجع الأمريكي العام على مستوى العالم وعلى مستوى منطقتنا بمقابل التقدم الروسي الصيني، وإقليمياً بتطور التفاهم والانسجام بشكل كبير ضمن منظومة أستانا على حساب المنظومات الإقليمية التقليدية التابعة للغرب تاريخياً، وداخلياً بتراجع القوى والطروحات المتشددة. بكلام آخر، فإنّ هذين التطورين، الميداني والسياسي، هما تعبيران أوليان مهمان عن انفتاح أفق الحل السياسي بشكل فعليّ في سورية، وعن انفتاح الأفق أمام عملية التغيير الداخلي الجذري بإرادة السوريين ولمصلحتهم.

كممثل عن منصة موسكو في اللجنة الدستورية السورية، كيف تقيمون جلسات المجموعة المصغرة هل مازال بناء الثقة بعيداً بين الأطراف؟

مع التفاوت في تقييم الجلستين، الأولى التي يمكن اعتبارها ناجحة نسبياً. والثانية التي فشلت بشكل كامل. إلا أنّ الجولتين معاً تعبران بشكل واضح عن ضعف الإرادة السياسية في الخروج من الأزمة وفي التغيير، لدى المتشددين ضمن الأطراف السورية. وتعبران بشكل أعمق عن انتماء المتشددين في كل الأطراف إلى عالم قديم يموت يتمسكون به ولا يرون لأنفسهم مستقبلاً خارجه، ولذلك يسعون إلى الحفاظ على حالة المراوحة في المكان، وعلى حالة الحرب، هرباً من التغييرات العميقة القادمة بكل الأحوال.
مع ذلك، فإنّ مجرد انطلاق اللجنة الدستورية، هو تعبير عن جهوزية مفتاح الحل السياسي، الذي يجب على السوريين استخدامه بطريقة صحيحة لفتح باب إنهاء الأزمة وصولاً إلى وضع يقرر فيه السوريون مصيرهم ومصير بلادهم بأنفسهم، وفي هذا الإطار طرحنا ضرورة نقل أعمال اللجنة إلى دمشق لصقل هذا المفتاح واستخدامه.

ما هو التوجه العام لمنصة موسكو حول الدستور السوري المستقبلي، هل يصلح تعديل الدستور الحالي، أم وضع دستور جديد؟

نعتقد أنّ سورية بحاجة إلى دستور جديد، ومسألة التعديل لم تعد كافية نسبة إلى حجم التغييرات المطلوبة، ولكن لا نتعامل مع هذه القضية كشرط مسبق، بل نتركها للنقاش السوري السوري ضمن اللجنة، لكن قناعتنا العميقة وما سنعمل عليه هو الوصول إلى دستورٍ جديد.
كلمة السر في الدستور الجديد، وفق فهمنا وقناعتنا، هي السلطة للشعب؛ كيف يمكن للدستور وضع الأساس القانوني لتمكين الشعب السوري من امتلاك السلطة على بلاده وأرضه وثرواته.
هذا المبدأ العام، يحتاج إلى أدوات تفصيلية متعددة، ابتداء من كيفية توزيع السلطات الثلاث وفصلها بحيث لا تطغى سلطة على الأخرى، ومروراً بضرورة إعادة النظر بشكل جدِّي بالعلاقة بين المركز والأطراف، ووصولاً إلى مبادئ الانتخاب بما يضمن إطلاق حياة سياسية حقيقية على أساس برامج جوهرها التوجه الاقتصادي، ولا تقف عند حدود الشعارات الفارغة الشكلية التي رافقت العمليات الانتخابية خلال نصف قرن مضى في سورية.

هل كل الأطراف السياسية السورية ومكوناتها ممثلون في اللجنة الدستورية؟

هنالك عدة أطراف سورية غير ممثلة في اللجنة الدستورية بشكلها الحالي، بينها أطراف ضمن المعارضة السورية، وبينها القوى السياسية في الشمال الشرقي السوري، وهذا نقص ينبغي العمل بشكل جدي لتلافيه، ومن جهتنا نصر على تمثيل الجميع لأنّ في ذلك ضمانة فعلية لإنتاج دستور يؤمن الحدّ الضروري من الوحدة الوطنية السورية في بلد أرهقته الحرب والنزاعات.
مع ذلك، فإننا نرى أنَّ التكوين الحالي للجنة كافٍ للانطلاق، على أن يتم استكماله ضمن سير العملية، وندعو الأطراف غير الممثلة إلى الإصرار على المطالبة بتمثيلها، ولكن في الوقت نفسه، التصرف بمسؤولية وطنية عالية، بدعم عمل اللجنة والحرص عليها.

ما إمكانية نقل أعمال وجلسات اللجنة الدستورية إلى الداخل السوري للحد من التدخلات الخارجية في المشاريع السيادية الوطنية؟

نعتقد أن إمكانية نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى الداخل السوري، هي إمكانية واقعية، بل هي ضرورة وطنية من طراز رفيع؛ ليس للحد من التدخلات الخارجية فحسب، بل ولتفعيل عمل اللجنة ذاتها وتحويلها إلى أداة فعلية لبدء الحل السياسي؛ فطالما اللجنة موجودة في جنيف، فإنّها ستبقى بعيدة عن التأثير المباشر على الحياة السياسية في الداخل السوري، في حين يؤمن نقل أعمال اللجنة لدمشق مع تأمين الضمانات اللازمة وبإشراف الأمم المتحدة، عملاً متواصلاً للجنة بعيداً عن بيروقراطية الجلسات المتباعدة في جنيف، وبعيداً عن المزاودات والمبارزات التي يقوم بها المتشددون من الأطراف السورية.
أهم من ذلك كله، أنّ الشعب السوري ذا التجربة الدستورية التاريخية المميزة، يستحق أن يكتب دستوره على أرضه بلاده، وليس خارج سورية، بل إنّ كتابة دستور لسورية خارج الأرض السورية سيمثل وصمة عار على جبين القوى السياسية السورية، سيكون من المستحيل محوها في نظر الأجيال القادمة. إضافة إلى ذلك، فإنّ كتابة الدستور السوري على أرض سورية، يعني انتقالاً فعلياً من حالة الاحتراب المتبادل، إلى حالة النقاش والصراع الفكري على أساس لا غالب ولا مغلوب، والتي تمثل الباب الأساس نحو المصالحة الحقيقية ونحو استعادة الوحدة والسيادة الوطنية السورية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
943
آخر تعديل على الإثنين, 09 كانون1/ديسمبر 2019 12:55