_
أستانا 13... ما الذي تحقق؟
سعد صائب سعد صائب

أستانا 13... ما الذي تحقق؟

لم يعد مستغرباً، ولا جديداً، التسييس الواضح في التعاطي مع نتائج جولات أستانا؛ فأولئك المؤيدون للغرب، وبالأحرى التابعون له، يستبقون كل جولة من جولات أستانا بحملات «المقاطعة»، والدعوات إلى مقاطعة المسار، ووصفه– كالعادة- بأنه انحراف عن مسار جنيف، والتفاف على 2254... وإلخ. من ذلك الدعوة شبه الصريحة التي أطلقها رئيس هيئة التفاوض لوفد المعارضة ضمن أستانا لمقاطعة حضور المؤتمر بذريعة الحملة العسكرية على إدلب.

وبات معتاداً أيضاً، أن يمر أسبوع «تحليلات خلبية» بعد كل جولة من جولات أستانا، تُوضح وتُبين وتُبرهن على «فشل» هذا المسار، وعدم قدرته على تحقيق المطلوب منه، وعدم قدرته على دفع الحل السياسي قدماً.

في الاصطفافات

قبل أية معالجة تفصيلية للنتائج الفعلية لأستانا 13، وفي سياق الحديث عن التسييس، لا بدَّ من تحييد هذا التسييس عِبر معرفة مصادره وأصحاب المصلحة فيه؛ فدون القيام بذلك، لا يمكن الفصل بين انتقادات وأسئلة محقة، وأخرى لا شغل لها سوى الاستهداف السياسي للمسار.
إنّه من الواضح أنّ واشنطن والأوروبيين، يعلنون عداء صريحاً لمسار أستانا، يظهر تارة بشكل علني (كما في تصريحات جيمس جيفري أواخر العام الفائت التي دعا فيها إلى إنهاء مسار أستانا)، وبأشكال مستترة معظم الأحيان، لعجز الغربيين عموماً عن تقديم بديل جدي، بل وبالجوهر لعدم رغبتهم بتقديم بديل.
«مصيبة» هذا المسار بالنسبة للغربيين، تكمن بالضبط في أنه يجمع أهم الدول الإقليمية الفاعلة ضمن الملف، ويعمل على تقريب جهودها على أساس المصلحة المشتركة الجوهرية بينها جميعها في الوصول إلى تهدئة حقيقية في سورية، لأنها جميعها مهددة في حال امتدت نيرانها صوبهم.
إلى جانب الغربيين، هنالك أيضاً دول إقليمية، لا تدَّخِر جهداً في التعبير عن امتعاضها من هذا المسار، وتعتبر أنها تُركت جانباً نتيجة هذا المسار، وعلى رأسها السعودية التي لا يطربها التقارب الإيراني التركي الروسي، وتعتبره «اعتداءً» على مطارح نفوذ «تاريخي» لها، وبدل محاولة الوصول إلى تفاهمات مع قوى أستانا، تلجأ إلى الالتحاق بالركب الأمريكي لتقف من موقع الخصم بل وأحياناً العدو، لتفاهمات أستانا، الأمر الذي يزيد الأمور تعقيداً، ويزيد من تراجع دورها في الشأن السوري، وفي شؤون المنطقة عموماً (لعل حرب الناقلات ودور دول الخليج الثانوي والهزيل ضمنها، كفيل بتبيان حجم تراجع قدرة هذه الدول على التأثير حتى في حدودها المباشرة، ناهيك عن حدود المنطقة ككل).
وعلى هذا الأساس، نرى أن السعودية، لا توفر وسيلة إعلامية، ولديها منها الكثير، إلّا وتُشغلها في شتم أستانا، وفي اختراع إخفاقات وانتكاسات...

ملفات أستانا الساخنة

إذا حيّدنا الدعاية المسيسة، وغير الموضوعية، التي تأتي من الأطراف الغربية وحلفائها في المنطقة، ووضعنا في خلفية التفكير الأهمية الاستثنائية لأستانا كمنظومة إقليمية ذات إطلالة دولية تنتمي في جوهرها إلى نمط علاقات دولية جديد لا يزال قيد الإنشاء، وهو الأمر الذي تناولنا جوانب متعددة منه في مقالات عديدة سابقة في قاسيون، وحاولنا على هذه الخلفية الوقوف على ما جرى ضمن أستانا 13، فإنّ نقطة الانطلاق المباشرة، هي الملفات الساخنة التي كانت موضوعة على طاولة أستانا، وبالأحرى ما يقال: إنها ملفات أستانا الساخنة، ومناقشة ما جرى ضمنها. الواضح من هذه الملفات، هو «اللجنة الدستورية»، إدلب، المعتقلون، الشمال الشرقي و«المنطقة الآمنة».

أولاً اللجنة الدستورية

نقف في البداية مع هذا الملف، لأنّ الهجوم الذي تتلقاه أستانا 13 يتركز على «عدم إعلان اللجنة ضمن الجولة 13، والذي كان منتظراً أن يتم ضمنها»!
أول ما ينبغي قوله في هذا القضية: أنّ كل الأقاويل حول كون ملف اللجنة الدستورية جزءاً من الملفات التي تعالجها اجتماعات أستانا بجولاتها المتعاقبة، هي أقاويل استنسابية بعيدة عن الدقة في أفضل الأحوال، وتتوخى الهجوم على أستانا في معظمها؛ فاجتماعات أستانا التي تجري في كازاخستان، ليست مختصة بالشأن السياسي، ووظيفتها المحددة والواضحة هي الملفات العسكرية، وإنْ كان هذا لا يعني أنّ لا علاقة لثلاثي أستانا، أو مسار أستانا بصفة عامة، بملف اللجنة الدستورية، بل هو دافع أساسي نحوها، عبر تنظيمه لقاء سوتشي العام الماضي. ولكن هنالك فصلاً وظيفياً واضحاً ضمن المهام وآليات العمل ينتهجها هذا الثلاثي، فاللقاءات التي تجري في نور سلطان ليست معنية مباشرة بالملفات السياسية للحل، وليست لديها الصلاحيات أصلاً للقيام بأمر من مستوى إعلان اللجنة الدستورية، ولم تَدّعِ أطرافه يوماً امتلاكها لهذه الصلاحية، ولذا فإنّ «التفاجؤ» بعدم إعلان اللجنة في اجتماع أستانا والدخول في النقاش البيزنطي حول هل كان غياب الإعلان نتيجة غياب بيدرسون، أم نتيجة عدم الوصول إلى توافق، هو كمن كذب الكذبة وصدقها...
منشأ الالتباس لدى صادقي النية في التعاطي مع المسألة، هو: أنّ اجتماعات أستانا المتتالية، وبتعاطيها مع الشأن العسكري، وحلحلتها التدريجية للمسائل العسكرية، كانت تفتح الباب لتقدمات موازية في المسائل السياسية، وبينها مسألة اللجنة الدستورية، الأمر الذي أدى إلى خلطٍ وسوء فهم.
وبالحديث عن اللجنة الدستورية، وبمعزل عن اجتماعات أستانا، فما لا يمكن تجاهله أيضاً، هو: الارتباط الشديد بين جميع الملفات الخاصة بالأزمة السورية؛ فلا يمكن الفصل تعسفياً بين مسألتي إدلب والشمال الشرقي، ومسألة اللجنة الدستورية، ولكن عدم الانفصال هذا، ينبغي أن يفهم بشكل دقيق... فليس يعني هذا الارتباط أنّ اللجنة الدستورية لن تُعلن حتى يتم حل مسائل إدلب والشمال الشرقي بشكل كامل، ولكنه لا يعني أيضاً أن إعلان اللجنة الدستورية يمكن أن يجري قبل التقدم (بقدر ما) في حل مسألتي إدلب والشمال الشرقي؛ هذا بالضبط أحد مضامين ما جرى التعبير عنه في افتتاحية العدد 922 من قاسيون المعنونة (خطوة خطوة وبالتوازي)؛ الأمر الذي يعني: أنّ درجة تعقد الملف وتعدد ملفاته وتشابكها، ووجود مُعطِّلِين من كل الجهات المحلية والإقليمية والدولية، يفترض نمطاً من العمل والحل- معقداً هو الآخر- يُقيد المعطلين من كل الجهات، بالتوازي، وبشكل مطرد يوماً بعد آخر، وبالتالي، فإنّ الملفات كلها ستبقى مطروحة بالتوازي، وسيجري التقدم في حلها بالتوازي...
هل يعني ذلك أنّ اللجنة الدستورية لا تزال بعيدة؟ ليس الأمر كذلك، لكن اللجنة نفسها ليست إلا «مفتاحاً»، كما عبرت افتتاحية قاسيون للأسبوع الماضي العدد رقم 924، وبالتالي، فإنّ إعلان تشكيلها، لا يعني أن طريق عملها ممهد وخالٍ من العقبات.
مع ذلك فإنّ مجرد تشكيلها، هو إشارة شديدة الأهمية، (بوصفها مفتاحاً)، وبوصفها الخطوة السياسية الواضحة الأولى، إلى جانب خطوات محاربة الإرهاب التي بقيت الموضوع الأساسي طوال سنوات مضت. وهذا يحمل في طياته الكثير...

ثانياً: ملف إدلب

ما الذي يعنيه إعلان التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار، وهو الأمر الذي يبدو «شديد الهشاشة» على الأرض؟ إنه يعني: أن اتفاقاً حقيقياً على وقف إطلاق النار قد جرى، ولكن ليس وقفاً لإطلاق النار ضد النصرة، وهذه الأخيرة تسيطر على الجزء الأكبر من إدلب؛ أي: أنّ الاتفاق جرى بين الحكومة السورية من جهة، وبين المسلحين غير المصنفين إرهابيين وفقاً للأمم المتحدة من الجهة الأخرى. هذا جوهر المسألة، ويعني ضمناً: أنّ أستانا أعادت التأكيد على تنفيذ اتفاق سوتشي بما يخص المنطقة العازلة بعمق 20 كيلومتراً، والتي ينبغي إخراج الأسلحة الثقيلة والمتوسطة منها، وكذلك خروج الأفراد والتنظيمات الإرهابية منها، وجرى في هذا الشأن ضغط علني واضح على الأتراك من قبل الروس مع إعطاء مهلة قصيرة للتنفيذ، الأمر الذي سيتوضح في سلوك وإجراءات ملموسة خلال الفترة القادمة. وهذا يعني أيضاً: أنَّ وفد المعارضة ضمن أستانا، قد اعترف صراحة بكون النصرة إرهابية، وبنيّته عدم الوقوف إلى صفها بالحد الأدنى، إن لم يكن الوقوف للقتال ضدها. وهذا أيضاً تقدم مهم في عملية عزل النصرة وشبيهاتها عن الآخرين الذين لن يكون لدى بعضهم بعد الآن ترف الوقوف الموارب إلى جانب النصرة، وصولاً إلى أنّ مسألة فتح طرقاتm4 وm5 وإنهاء النصرة، هي مسألة قيد التنفيذ، وقد اقتربت من مفصل هام في تحقيقها.

ثالثاً: المعتقلون والمفقودون

ربما يشكل هذا الملف واحداً من أكثر الملفات تعقيداً، لأن فتحه بشكل جدي سيدين الأطراف المختلفة إدانة «سياسية وأخلاقية»، وإنْ كان ذلك متفاوتاً في شدة وقعهِ، نتيجة لتفاوت المسؤولية وفقاً لعدد المعتقلين، ولمصائر هؤلاء المعتقلين. مع هذه الإدانة، ستبدو شعارات المتشددين من الأطراف المختلفة، التي لم يعد يصدقها أحد أساساً، جوفاء وأكثر هزالة مما هي عليه الآن، ولذا فإن إحراز تقدم جدي في هذا الملف الحساس والضروري، لا يزال شديد الصعوبة.
رغم ذلك، فإنّ الجولات الثلاث الماضية من أستانا، باتت تترافق مع تبادل محدود، وهذا تقدم لا يرضي أحداً، ولا يمكن القبول به بوصفه تقدماً حقيقياً.

رابعاً: الشمال الشرقي و«المنطقة الآمنة»

رغم أنّ هنالك ترويجاً عالياً أنّ هذا الملف «ليس من اختصاصات أستانا»، وأنه حكر على الكباش «الأمريكي- التركي»، إلا أنّ واقع الأمور أنه ملف حاضر دائماً في أستانا؛ ثلاثي أستانا متفق بالحد الأدنى أنّ الوجود الأمريكي- الأوروبي في سورية مُعادٍ لمصالحهم جميعاً، من بوابة تكريس هذا الوجود لحالة عدم الاستقرار، ومحاولة الغرب تحويله إلى مسمار جحا الذي من خلاله يحاولون البقاء جزءاً مباشراً من المسألة، وبالضبط جزءاً معطلاً لكل ما يتم إنجازه.
في هذا الملف، لا بد من القول: إنّ كل الحديث التركي عن «المنطقة الآمنة»، وإنْ كان لدى البعض من الأتراك وغيرهم، أوهام حول إمكانية تحقيقه، كلياً أو جزئياً، هو حديث لا آفاق له، ولا إمكانات واقعية جدية لتحقيقه، ليس بسبب الرفض الأمريكي فحسب، (فالأمريكي يمكنه الدفع باتجاه تعقيد الملفات عِبر إعطاء الأتراك منطقة آمنة جزئية، بحيث يصبح الشمال الشرقي متروبولاً عسكرياً غير قابل للفك)، ولكن لأنه مرفوض أيضاً من روسيا وإيران، إذا قصرنا الحديث على القوى الدولية والإقليمية، (ولا ينفع في هذا الإطار، التعويل على «جهود» خليجية تسعى لنفخ أوهام إضافية، وتثبيت وجود ونفوذ ضمن الشمال الشرقي، فهذه الجهود مصيرها الفناء، كما الأوهام التي تملأ بعض الرؤوس، بمجرد خروج الأمريكي من المنطقة، وهو الأمر الذي لن يطول انتظاره، وفقاً لمؤشرات الوضع العام للأمريكي... والأوروبي في هذا الملف مجرد ملحق بلا حول ولا قوة).
بهذا المعنى، فإنّ ملف الشمال الشرقي، هو جزء من نقاش أستانا، بل وجزء أساس، ربما يكون حجم الاختلافات بين الثلاثي ضمنه، أقل بكثير من الاختلافات في كل الملفات الأخرى الساخنة ضمن أستانا.

محصلة

كما كل جولة جديدة من أستانا، فإنّ حجم الانتقادات الغربية، وحجم التهويل الإعلامي بفشل الجولة، يعكس حجم الألم الذي يسببه مجرد وجود هذا المسار، وحجم الألم الذي تسببه كل جوله من جولاته. وبالمحصلة، فإنّ أستانا 13، هو خطوة إضافية، ضمن البرنامج العام للحل: (خطوة خطوة وبالتوازي).

معلومات إضافية

العدد رقم:
925
آخر تعديل على الأربعاء, 07 آب/أغسطس 2019 14:10