في لقائه مع موفد الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي الرئيس الأسد: لسنا وحدنا .. والتحقيق هدفه إذلالنا وليس كشف الحقيقة..

لا تزال الأنظار مركزة باتجاه دمشق. وزوار العاصمة السورية يشعرون بالشيء الكثير  المختلف عن السابق. الأعلام السورية المرفوعة على شرفات المنازل والأبنية، واعتصامات الطلاب أمام السفارة الأمريكية، والتحركات المحتجة على الضغوط الأمريكية، لا تخفي النقاش العميق الجاري بين معظم الأوساط حول طريقة التعامل مع الأحداث الكبيرة التي تحصل، ومثال العراق يتقدم على ما عداه عند مقاربة طريقة التعامل مع المطالب الأمريكية، والخيارات محدودة، فمنسوب الوطنية السورية يجعل الجمهور وأوساطا كثيرة يرفضون القبول بما يريده الأمريكيون،

لكن هؤلاء وقسما كبيرا من النخب السياسية يناقشون آليات المواجهة وأسئلتهم كثيرة حول ما يمكن أن يقدمه النظام من خطوات تساعد على توسيع الجبهة الداخلية المعنية بوضع آليات مختلفة للمواجهة. لكن الإجماع عند معارضي النظام ومؤيديه يقول برفض التجربة العراقية، لا احد يريد الانتحار ولكن ليس هناك من لا يرى نموذج الفوضى الذي خلفته السياسة الأمريكية في العراق وآثار ذلك على المنطقة.

وإذا كان خطاب الرئيس السوري بشار الأسد فتح الباب أمام نقاش من نوع مختلف، فان الأسد نفسه يهتم هذه الفترة بمناقشة خلفية وأبعاد خطابه مع عدد غير قليل من الوفود السورية والعربية التي تزور دمشق هذه الفترة، ومنها وفد الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي الذي يضم 27 شخصية عربية من 17 بلدا عربيا وبينهم سوريون ومنهم من هو في موقع المعارضة الوطنية الداخلية. وهو ينطلق في مقاربته من عدم التقليل من خطورة ما يجري ومن أهمية التعامل بحذر ووعي مع التطورات. لكن يحسم بلغة واضحة أن القيادة السورية لا ترى مجالا لمناورات من غير ذي جدوى، وان قرارها بمواجهة الضغوط متخذ وحاسم ولا رجعة عنه.

يوزع الأسد محاور بحثه في ثلاثة عناوين: الملف الداخلي وملف العلاقة مع لبنان وملف التحقيق الدولي وصلته بالمشكلة المتفاقمة مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.

في الملف الساخن الذي يخص التحقيق الدولي والضغوط الغربية، يعيد الأسد روايته الأولى بالقول: «قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقبل التمديد للرئيس إميل لحود كان هناك قرار كبير بمحاصرة سورية وضربها، ونحن نعرف أننا نقع على تقاطع استراتيجي يخص ملفات حارة بالنسبة للغرب وإسرائيل، من المقاومة في فلسطين إلى المقاومة في لبنان إلى المقاومة في العراق. ونحن لسنا نخجل من موقفنا الداعم للمقاومة المشروعة ضد أي احتلال وكنا على الدوام وما زلنا نميز بين المقاومة وبين الإرهاب، وهم يريدون منا الأمور التي لا تخصنا، وفي ملف العراق أثاروا معنا ملف التسلل، ونحن نقول وهم يعرفون أن عدد الإرهابيين الذين أوقفتهم السلطات السورية أكبر بكثير من عدد الإرهابيين الذين أوقفتهم القوات الأمريكية والبريطانية في العراق، ولكنهم لا يريدون منا منع التسلل فقط، بل يريدون منا أدوارا أخرى داخل العراق وهذا أمر لا نقبله، وحتى لا نتسبب بمشكلات لأحد عمدنا حتى إلى تقليص لقاءاتنا واتصالاتنا مع قوى ومجموعات عراقية كثيرة، وأبدينا استعدادا لأشكال عدة من التعاون ولكنهم يريدون أمورا أخرى ونحن لسنا في وارد تغيير قناعاتنا».

اغتيال الحريري..

وفي ملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، يقول الأسد «منذ اللحظة الأولى قرروا أن سورية هي المسؤولة، وصار التحقيق يعمل لأجل تثبيت هذا الحكم المسبق، ونحن قلنا للجميع بان من يريد الحقيقة، ونحن مع معرفتها، عليه سلوك طريق آخر، ولكن إذا كان هناك من يريد أن يكون التحقيق بنتيجة مسبقة ومبرمة فهذا أمر آخر».

ويضيف: «في المرحلة الماضية، كانوا يريدون أن يتهموا «حزب الله» بالوقوف وراء الجريمة، وعمد سفراء الدول الكبرى إلى سؤال القوى اللبنانية كافة عن رأيهم في الوضع لو أن حزب الله كان على علاقة بالجريمة، وكانت الإجابات تقول بان الآمر سوف يتسبب بمشكلات كبيرة في لبنان وبفتنة واضطراب وخلاف ذلك، فقرروا أن لا علاقة للحزب بالجريمة، وانتقلوا إلى خطة جديدة فعمدوا إلى توقيف الضباط الأمنيين في لبنان، وشرعوا في الخطوة التالية التي تقول بان سورية هي المسؤولة عن الجريمة، وهو أمر لا نقبله بهذه الطريقة، ونحن قلنا بأننا حاضرون للتعاون مع لجنة التحقيق، ولكن إذا كان الهدف الوصول إلى الحقيقة وليس أي شيء آخر، والآن ما الذي يمنع لجنة التحقيق من مقابلة الضباط في سورية أو في مقر الجامعة العربية في القاهرة، لكنهم يريدون الأمر في لبنان، وهذا له تفسير واحد وهدف واحد وهو إذلال سورية وهو أمر لا نقبله ولن نقبله، ونحن قلنا بالتعاون مع التحقيق بما يحفظ كرامة سورية وسيادتها واستقلالها، وخلاف ذلك لا نقبل».

وينتقل الأسد فورا إلى النتائج المتوقعة:«يقال إن المحقق الألماني سوف يصدر تقريره الإجرائي قبل الخامس عشر من كانون الأول المقبل، وهو يريد أن يقول بان سورية لم تتعاون معه، ويمهد لقرار موجود لدى القوى العالمية التي تضغط على سورية، وحيث هناك من يستعجل إصدار قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات على سورية، ونحن على صلة بما يجري في العالم ونعرف أن هناك دولا كثيرة في العالم ليست إلى جانبنا، ولكننا نشهد لبعض الدول العربية بأنها وبرغم كل الضغوط التي تمارس عليها من جانب الأمريكيين فهي تحاول الوقوف إلى جانبنا، ونحن نعرف طريقة الضغوط، والتنازلات التي يتحدثون عنها لا سقف لها ولا أفق، وبالتالي فنحن نعرف الأمر ببساطة تفيد بان كلفة الصمود هي اقل من كلفة التنازلات، ونحن نتوقع حصارا اقتصاديا وحصارا دوليا ماليا وسياسيا، ولا نستبعد حتى قيام البعض بضربات عسكرية ضد أهداف رسمية أو عسكرية في سورية، ولكن لدينا تجربتنا في هذا المجال، وسبق لنا أن واجهنا حصارا وبأوضاع أكثر صعوبة، ولدينا الآن وضع اقتصادي وإنتاج داخلي يسمح لنا بمواجهة هذه الصعوبات، وربما تأتي هذه الشدة لتجعلنا أكثر واقعية في التعامل مع حاجاتنا وفق امكاناتنا، ولذلك نحن لا نريد السير باتجاه مشكلة مع احد، ولكننا لن نقبل بأي شيء يخالف قناعاتنا، وسوف نواجه بكل إمكاناتنا ونحن نعرف انه يوجد إلى جانبنا قوى ورأي عام وأحزاب لها دورها الكبير ونحن نراهن على هذه التيارات».

لكن الأسد يلفت النظر إلى أن حصار سورية سوف تكون له انعكاساته على كل محيطنا، وكل الدول من العراق ولبنان والأردن وتركيا سوف تتأثر بهذا الحصار وبإغلاق الحدود وتعطيل الحركة الاقتصادية، وان مواجهة سورية بالقسوة لها تأثيرها أيضا، وهو تأثير سلبي على كل دول المنطقة: «نحن لا نريد المواجهة مع أحد، ولكن يبدو ان في الغرب من قرر معاقبتنا على مواقفنا من القضايا القومية التي تخص أمتنا ونحن اتخذنا قرارنا بالصمود والمواجهة».

العلاقة مع لبنان

وفي ملف العلاقة مع لبنان، يبدي الأسد (ومحيطه الأقرب) مرونة واستعدادا حواريا مع الجميع، حتى انه يمكن تلمس إشارات واضحة إلى أن القيادة السورية لا تسعى إلى إقفال الباب أمام أي نوع من التواصل بينها وبين أي فريق لبناني من دون استثناء ، ولكن للأسد نظرته إلى الواقع الحالي، يأخذ بالاعتبار أن «الفترة الماضية شهدت هجوما لم يتوقف على كل شيء في سورية، على العمال وعلى الحكومة وعلى النظام وعلى الشعب السوري وعلى الرئيس السوري وعلى الجيش السوري، ولم يبق في لبنان إعلام إلا وتناول سلبا كل شيء في سورية، وباتت سورية مسؤولة عن كل مصائب لبنان، ولم يجد احد أمراً جيدا يذكره، وكان ردنا بالصمت والهدوء، ولكن فسر الأمر على أنه دليل ضعف وهذا غير صحيح، فاضطررنا إلى الرد والى قول الأشياء كما هي».

ويعيد الأسد الحديث عن المرحلة السابقة والأخطاء التي ارتكبت من جانب سورية ويقول: «إن هذه الأخطاء لا تنحصر في الحديث عن تصرفات عسكريين وضباط مخابرات، بل نحن أخطأنا في تحالفاتنا وفي بناء علاقات مع كثيرين صاروا في موقع آخر، وهذه مسؤولية تقع على عاتقنا، وهؤلاء كانوا وراء الفساد في لبنان ووراء نقل الفساد إلى سورية أيضا».

الجبهة الداخلية السورية

في الملف الداخلي، يستمع الرئيس السوري من زواره إلى أهمية تحصين الجبهة الداخلية وتوسيع دائرة الحوار مع القوى كافة من داخل الحكم وخارجه، وأهمية الإجراءات والقرارات التي تساعد على هذا الأمر، ولا سيما ما يعزز المصالحة الداخلية مع كل القوى التي كانت على خلاف مع النظام أو الأطر التي تعاني نقصا في التواصل والحوار. وهو يجيب بالقول أن سورية تواجه مشكلات كثيرة، وهناك صعوبات كثيرة تواجهها، وانه كمن يقود سيارة قديمة يعرف قدرتها على السير وعلى التحمل ويجب أن يقدر السرعة المناسبة لها والتي تجعلها تستمر حتى تصل إلى هدفها، وان مشاريع الإصلاحات السياسية والاقتصادية مستمرة ولها وتيرتها التي تأخذ بعين الاعتبار ما يجري من حولها. وان الحكم في سورية لا يعتبر انه في مشكلة مع احد يعارضه سياسيا، وانه في مشكلة فقط مع من يتعاون مع أعداء سورية ويريد القيام بأمور مخالفة للقانون العام.

 ولكي لا يبقى كلامه عاما، يتحدث الأسد عن الاستعداد للتحاور مع الجميع بما في ذلك الأخوان المسلمين، ويقول: «ليست لدينا حساسية تجاه القوى الإسلامية، وهناك قوى كثيرة ولها نفوذها الكبير في المنطقة مثل حزب الله وحماس، وحتى جماعات الأخوان في بعض الدول العربية التي تربطنا بها علاقة جيدة، وسفيرنا حضر مؤخرا نشاطا للإخوان المسلمين في مصر، حتى أننا وجدنا أشياء ايجابية في أوراق الإخوان المسلمين في سورية، وكل ما في الأمر أننا نريد من هذه الجهة توضيحا يؤكد إدانة الأسلوب الدموي الذي لجأت إليه في الماضي ما يؤكد عدم العودة إليه، وخلاف ذلك ليس هناك مانع في أي علاقة مع هذا الفريق، وحتى أن هناك عائلات وأفرادا لكثيرين من الإخوان المسلمين وكانوا يعيشون في العراق قد عادوا إلى سورية ولا احد يتعاطى معهم بغير صفتهم كمواطنين. ويذهب الأسد إلى ابعد من ذلك بعدم ممانعته في أن تقوم شخصيات عربية تربطها علاقة بالإخوان بالتواصل لأجل حسم مثل هذه المسائل. كما انه لا يمانع بل كلف القيادة الحزبية بان تفتح الباب أمام كل الحوارات والمؤتمرات التي توفر مشاركة أوسع حشد سياسي من قوميين ويساريين وآخرين في النقاش حول الوضع في سورية وحول مستقبل سورية. ويعتبر الأسد أن سورية اليوم هي غير ما كانت عليه قبل فترة أو قبل سنوات، وهو يعتقد أن الأمور قابلة للتحسن أكثر فأكثر، ولكن له رأيه في وتيرة وسرعة الخطوات الإصلاحية الواجب اتخاذها.

 

 إبراهيم الأمين- جريدة السفير 15/11/2005