حقائق سياسية لمرحلة الحل المقبل!

حقائق سياسية لمرحلة الحل المقبل!

بعد خمس سنوات من أزمتها، التي مرّت بمنعرجات خطيرة ومتعددة، ثبّت اتجاه الحل السياسي في سورية نفسه بوصفه تعبيراً عن إرهاصات لتغيرات عالمية وتاريخية كبرى في النظام الدولي، مع حقيقة أن هذا الميل الثابت يعكس جملةً من الحقائق السياسية التي ستصبح من معالم المرحلة المقبلة، والتي يمكن تعداد أبرزها كما يلي:

الحل السياسي يعني الذهاب إلى الحوار والتفاوض، ما يعني الانتقال من الشكل العسكري للصراع إلى الشكل السياسي، والذي ستتحدد خلاله قواعد الصراع اللاحق حول التغييرات المطلوبة في المجالات المختلفة الاقتصادية – الاجتماعية والديمقراطية والوطنية.

سيتزامن الذهاب للحل السياسي مع عملية محاربة الإرهاب، وهي وبالإضافة إلى كونها مهمة دولية وإقليمية، ستكون مهمة وطنية سورية تقع على عاتق الوطنيين السوريين كلهم. وإن غذّ السير فيها سيصبح معياراً لقياس مدى جدية القوى المختلفة بالحل السياسي ومعياراً لوطنيتها أيضاً.

إن الناتج الطبيعي للخطوتين السابقتين هو وضع جديد سيسمح للسوريين بتقرير مصيرهم، فعلاً لا قولاً، ما يعني امتلاك السوريين زمام المبادرة لرسم سورية الجديدة، وعلى ذلك فإن كل من يمنع الحل السياسي، بالقول أو الممارسة، أو من يسعى لفرض حل سياسي من الخارج، أو من يعمل على فرض وجهة نظره بقوة السلاح، سيضع نفسه في موقع المعادي لحق السوريين في تقرير مصيرهم.

باتت قواعد الحل السياسي واضحة المعالم للجميع، فهي مبنية على أساس قرار مجلس الأمن الدولي 2254، وبيان فيينا، اللذين أكدا بشكل حاسم على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وإنهاء الكارثة الإنسانية، وتثبيت علمانية الدولة، وحصرية الحل بيد السوريين وعلى أساس تفاوضي ودون شروط مسبقة وبعملية تفضي للتغيير، وإن التوافق الدولي على هذه الأسس ينهي أي احتمال للعودة إلى الوراء ومقولاته الساقطة كـ«الحسم والإسقاط والشروط المسبقة».

النجاح في إنجاز حل الأزمة السورية وفق الأسس السابقة سيكون له مفاعيل دولية وإقليمية كبيرة وعديدة ومتشعبة، وعلى هذا الأساس تضع قوى عديدة الكثير من العقبات والعوائق قبيل الذهاب للتفاوض بقليل. ولكن الميل المتقدم للحلول السياسية الذي أرساه الميزان الدولي الجديد، والذي فرض على واشنطن وحلفائها التوافق مع الروس، كفيل بتذويب هذه المعيقات واحدةً تلو الأخرى وبشكل متسارع.

لا تزال العديد من القوى الإقليمية تثير الشغب في المنطقة مشوشة على تلك الحقائق وعلى الحل السياسي وأسسه، وستظل تثير الشغب ذاته للتأثير على مخرجاته اللاحقة. ومن الواضح أن ذلك يأتي في سياق محاولات واشنطن وضع صياغة جديدة لأدوار القوى الإقليمية، فتتيح لهذه القوى ملء شيء من الفراغ، بما يسمح للولايات المتحدة تنظيم تراجعها. إن ذلك الشغب هو مؤقت ومحدود المفاعيل، كونه محكوماً بالدور المتصاعد للقوى الدولية المناهضة للهيمنة الأمريكية، من جهة، وبالحجم الكبير لوزن القوة الأمريكية المتراجعة عموماً من جهة أخرى، وذلك مهما استخدمت واشنطن من تكتيكات للتحكم بمفاعيل تراجعها.

 

إن جملة الحقائق السابقة تفتح الآفاق أمام السوريين، وتبعث فيهم الأمل، فهي تدق أبواب التغيير الجذري الشامل والوطني المنشود، كما تعدهم بالخلاص من كارثتهم الإنسانية وضرب قوى الفاشية الجديدة بآن معاً.