الجذور الطبقية للأزمة
د.م. عفيف رحمة د.م. عفيف رحمة

الجذور الطبقية للأزمة

لقد أصبح اليوم واضحاً أكثر من أي وقت مضى ما أحدثته المادة الثامنة السابقة من تشويه في الوعي السياسي، على مستوى النخب كما على المستوى الشعبي، فغياب التفاعل الفكري والمعرفي وتأطير الرؤى السياسية في قوالب ضيقة لم ينتجا إلا خللاً أخلاقياً نرى اليوم تجلياته في التقسيم الشاقولي للمجتمع السوري حيث الشعب موزع بين فريقين: الموالاة واللاموالاة

تقسيم لا مبدئي غاب عنه البعد الطبقي، يتم إستثماره في تقييم وطنية المواطن وفق موقعه من خط فاصل متمثل بالشخصية الإعتبارية للسلطة السياسية، تقسيم انزاحت عنه الموضوعية وحلت محلها ذاتية النخب السياسية التي تحاول إعادة تعزيز البنية السياسية القديمة من جديد.

نخب تنذرنا اليوم بخطورة دور القوى الخارجية، وكأنه حدث جديد رغم معرفة الشعب القديمة به، ظناً بأنها تستطيع تسطيح حجم القضايا الداخلية رغم عمق تعقيداتها، متعمدة تغييب الجذور التاريخية لهذه الأزمة للتقليل من شأن الأوضاع المأساوية للبيئة الشعبية الحاضنة للعنف والفوضى، في محاولة بائسة لتسخيف ما أنتجه فساد السلطة وسياساتها الإقتصادية من آثار كارثية على المستوى الإنساني والوطني.

اليوم مثل البارحة حظيت هذه النخب بكامل منصات الإعلام الرسمي لتفرض رؤيتها الذاتية بفوقية مفرطة مروجة لمعاييرها الخاصة التي وضعت بموجبها ودون حرج شرائح واسعة من المجتمع السوري في موضع اللاوطنية.

فوقية سياسية لم ولن تساعد في أي وقت من الأوقات في تخفيض شحنة التوتر بل ستزيد من سعته ومن عدم الثقة بين فريقي الانقسام الشاقولي، وتفقد الجموع الشعبية الأمل بالتغيير السلمي الديمقراطي لتدفع المكون الشعبي بقوة عدم الثقة نحو المزيد من العنف والتطرف.

كان يمكن لهذا التقسيم أن يتغير جذرياً فيما لو نظر الجميع إلى الأزمة على أنها أزمة طبقية ذات جذور تاريخية أنتجتها السياسات الإقتصادية التي رَسمت بمباركة من منظومة الفساد مخططاً جديداً لتوزيع الثروة بعيداً كل البعد عن العدالة الإجتماعية التي سعى ويسعى من أجلها شعبنا منذ الإستقلال.

إن من يريد اليوم أن يقف من الأزمة موقفا ًوطنياً لا يُفترض به أن يجد في البؤس أمراً إرادياً، ولا يصح له أخلاقياً أن يضع الفئات التي انزلقت نحو العنف والتمرد بقوة فقرها وعوزها موضع إتهام بشبهة التخلف والعدمية الوطنية تارة وبيع الضمير والإرتزاق تارة أخرى، بل يسعى، بموضوعية تامة ومن موقع وطني صادق، لتحليل الأسباب المادية التي أودت بهذه الشريحة الشعبية الواسعة إلى ما هي عليه من شبهات.

لقد اثبتت تجارب الشعوب قاطبة، في الشرق كما في الغرب بمنظوماتها السياسية المختلفة، أن معالجة أي أزمة وطنية لا يمكن أن تحقق نجاحاً إلا إذا ارتكزت على مراجعة وطنية شاملة إنطلاقاً من الحقائق المادية التي أنتجتها السياسات الإقتصادية من فقر وجهل وبطالة.

ثلاثية البؤس هذه، الفقر والجهل والبطالة، تنامت في سوريا خلال الأعوام الفائتة ككرة الثلج في بيئة كانت أحوج ما تكون لرؤية وطنية صادقة تتحول إلى مشروع وطني شامل للتنمية البشرية يأخذ في مقدمة أولوياته مصلحة الشريحة الأكثر إسهاماً في تكوين الثروة الوطنية، غير أن سورية إبتعدت عن هذا الهدف منذ عقد من الزمن حين تمّ التحديث والحديث عن إشتراكيات متنوعة والترويج لإشتراكية جديدة في سورية، إشتراكية برجوازية السلطة، إشتراكية بمعايير سياسية ومدلولات اقتصادية غير الإشتراكية التي عرفنا أسسها ودافعنا عن قيمها الأخلاقية طوال عقود.

«إشتراكية» جديدة تنازلت فيها الدولة عن مهامها الوطنية وفي مقدمتها دعم الطبقات الشعبية وقوتها العاملة الأكثر إسهاماً في إنتاج الثروة الوطنية، «اشتراكية» فريدة من نوعها ما أثمرت إلا بتطوير التمركز الجغرافي للحركة الإقتصادية وتعزيز الأنشطة التجارية والصناعات التحويلية بدلاً من توفير الأسس المادية والبنى التحتية لتطوير الصناعات الوطنية وتنمية الريف بقطاعه الزراعي والزراعي-الصناعي، الكفيل بخلق فرص عمل محلية لتشغيل القوة الناشئة الأشد حاجة للعمل والأكثر عرضة لإغواءات الهجرة أو التهجير نحو الأسواق المجاورة أو المراكز الداخلية الكبرى للإنتاج.

إن الوقائع الميدانية تؤكد أن لا مخرج إلا بالحوار، الحوار الذي لا يحتاج للتشاور بل لخطوات صادقة وجريئة تتناسب مع عمق القضية وأهميتها، خطوات تفتح الأفق نحو المستقبل وتعيد الثقة بإمكانيات التغيير الجذري والشامل بالطرق السلمية والديمقراطية.

خطوات ربما تتقدمها أولى تطبيقات الديمقراطية في تسليم سلطة الإدارات المحلية لأهلها وأصحابها دون ضوابط حزبية أو أمنية سعياً لفتح الأبواب المغلقة والحدود المحلية التي أنشأها العنف والعنف المضاد، ليؤازرها حوار وطني بين مختلف الطبقات الشعبية وممثليهم برعاية هيئة من الوطنيين المستقلين دون وصايات سياسية أو حزبية.

لقد اثبت لنا تطور الأحداث أن لا مكان للطائفية في سوريا ولا يجوز المتاجرة بها ولا مكان للتقسيم لأن لا أحد يؤمن به إلا من يريد استثمارها لإطالة الأزمة ولا مكان للتطرف لأن السوريين يؤمنون بأنه حالة مرضية لا فائدة من إفزاع العامة منه، وأثبتت لنا تجربتنا المرة كما تجارب الشعوب الأخرى أن لا مفر من التغيير لأنه من حتميات التاريخ الموضوعية التي يستحيل التلاعب بمساراتها.