_
بين الأمل والإحباط:  صراع نقيضين سياسيّين
مروى صعب مروى صعب

بين الأمل والإحباط: صراع نقيضين سياسيّين

أقل من شهر على بداية العام الجديد ترافق معه: حريق أدى إلى مقتل نصف مليار حيوان في أستراليا، وخسائر بشرية ونزوح، بالإضافة إلى عواقب كبيرة على النظام البيئي، الغذاء، والمياه، وانتشار الأمراض، وتفاقم مشكلة الاحتباس الحراري. مما ترافق أيضاً بمحاولة توسيع رقعة الحرب والتوتر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وضعت العالم أجمعه بحالة من الترقب والخوف. وآخرها: انتشار فيروس جديد في الصين مع عدم وجود معلومات واضحة حول متى، وما إذا كان يمكن معالجته؟ بينما تُبذل الصين جهوداً كبيرة وجدية، من بينها إغلاق مدن بأكملها، توقف النقل العام والخاص، وإلغاء احتفالات العام الجديد. في أقل من شهر استطاع هذا العام أن يلفت انتباه العالم، أننا نسير نحو الهاوية بسرعة، وإلى أننا بعد أعوام قليلة من عمر البشرية «استطعنا» (كنظام اجتماعي اقتصادي) تدمير مكان عيشنا.

الإعلام يصرِّح باسم النظام

اختلف تطرق الإعلام إلى كل من المواضيع التي حصلت. كان التضامن مع أستراليا والحزن أو الامتعاض من الحريق فيها هو العنوان الذي ركز عليه الإعلام، مع التطرق إلى الاحتباس الحراري من دون تحميل السلطات الأسترالية (أو الرأسمالية عامة) المسؤولية في هذا الحريق. بينما كان الموقف بين رافض لعنجهية الولايات المتحدة، وبين أخذ العالم إلى حروب أخرى أوسع، وكان هو الموقف الأكبر، هذا حينما شعر النصف الآخر من العالم أنه ليس خارج السياسات الأمريكية، حينما لمس أن الحرب يمكن أن تصل إليه أيضاً (فتبدل الأداء الإعلامي هو انعكاس لتبدل اتجاهات سياسية كبرى في العالم). بينما رُمي اللوم الأكبر مثلاً على السلطات في الصين وعلى طبيعة المجتمع في انتشار فيروس جديد، حينما صرحت الولايات المتحدة أنها لا تثق بالسلطات الصينية في تقاريرها حول الفيروس ومدى انتشاره، واعتبرت تقارير أخرى بأن الفيروس هو نتيجة «أبحاث الصين السرية»، التي خرجت عن السيطرة. في حين أن الوضع لا يحمل اتهامات في بلد عدد سكانه وحده يسمح بانتشار أي فيروس بشكل سريع.

تفكك وتباعد

هذا يضعنا أمام «طبيعة» الإنسان التي خلقتها الرأسمالية، أي الأنانية في التعاطي مع الأمور: طالما أن المشكلة لا تخصني فهي لا تعنيني، لهذا كان التعاطف مع الحيوانات أكثر، وبأنهم ليسوا بشراً، ولا يحملون أية مسؤولية في حريق أو دمار أو غيره، وهناك سهولة في أخذ موقف تجاههم. حتى لو كان هذا صحيحاً، ولكنه يعني أن النظام قد أبعد البشر عن بعضهم البعض لدرجة أن أي شيء خارج عن أنفسهم لا يعنيهم. والإعلام (محمولاً على منظومة العلاقات الليبرالية) هو أحد اللاعبيين الأساسيين في انتشار هذه الأفكار وهذه القيم.
بينما ما تحمله هذه القيم أكبر من عزلة الناس عن بعضهم، ومن دمار أكبر للعالم، الذي يتجه إلى نقطة اللاعودة. إنها تحمل معها انعكاساً ذاتياً عبر ارتفاع انتشار أمراض نفسية واجتماعية، وكل تداعيات الاغتراب. من أبرزها الاكتئاب، الذي أصاب أكثر من 200 مليون شخص في العام الفائت. هذه الأرقام المسجلة والتي لا تحتوي جميع الإصابات، بل تحتوي فقط على من طلب المساعدة أو صرح عن وضعه. الاكتئاب بالعام هو الحزن المترافق مع فقدان الأمل بالحاضر والمستقبل، وبالتالي تراجع النشاط، ما يؤدي إلى فقدان التركيز ومشاكل إدراكية في مستويات معينة. وما نشره الشهر الأول من هذا العام (لمن لا يريد أن يرى التحول العالمي المضاد للإنهيار ولو ببطء) هو فقدان الأمل بالمستقبل، ساعد الإعلام هذا على الانتشار بكيفية تطرقه للمواضيع وبتحميله المشاكل للأفراد أنفسهم. بينما الاكتئاب الذي لا يبدو ذا أهمية عالية في العديد من الأماكن، كون التعبير عن الحزن لا يجلب الاهتمام بقدر التعبير عن الفرح، بما أن شعار الرأسمالية هو أن نعيش كل يوم بيومه وأن نتناسى أي شيء يحزننا مهما كان هذا الشيء. ولا يجلب الاكتئاب الحزن أو الانتحار فقط، بل يجلب أيضاً تراجعاً في الإنتاج، لأن قيمة الفرد بذاتها تراجعت أو اضمحلت. وحين يفقد الإنسان قيمته بكونه منتجاً في المجتمع يفقد معها قدرته على الإنتاج. وهذا أحد أسباب ما يجعل العالم اليوم مُعطلاً على كل المستويات.
قام النظام الرأسمالي بتدمير كل شيء في العالم، حتى وصل إلى نقطة تدمير الذات الإنسانية. أي قتل البشر وهم أحياء. ولأن المرحلة الأولى من أي مرض هي الاعتراف به، فإن المرحلة الثانية هي تفسيره ومعرفة السبب الأساس الذي جعل من البشر مجموعة من الحزينين الباحثين عبثاً عن قيمتهم. أما المرحلة الثالثة فهي الحل. ولأن الاكتئاب ليس بمعزول عن باقي العوامل، فإنه يترافق مع اضطرابات أخرى، مثل العدمية أو النزوح نحو اللاشيء، ويعزز ذلك بطء تبلور البديل الشامل، فكما يحصل إلى حد ما في لبنان وفي تشيلي كمثالين بارزين. البلدان اللذان بعد عدة شهور من العصيان يتفاقم الوضع إلى الفوضى بدل من أن يتفاقم إلى الحل، وبما أن الحل ليس بيد النظام الرأسمالي، بل هو بيد نقيضه، الذي لم يتسارع صعوده بعد، بل نرى عناصر منه تتوضّح أكثر، تحت ضغط الأزمة وهدف الخروج من هذه الدوامة القاتلة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
950
آخر تعديل على الإثنين, 27 كانون2/يناير 2020 13:14