_
تصنيع الزراعة والصدع الاستقلابي في التراكم الرأسمالي البدئي

تصنيع الزراعة والصدع الاستقلابي في التراكم الرأسمالي البدئي

استند تصنيع الزراعة في القرن التاسع عشر إلى الظهور التاريخي الطويل للرأسمالية كنظام اجتماعي اقتصادي متميز. كما يذكر الكاتب بيكيت تفاصيل عن ذلك في كتابه «إمبراطورية القطن». كان «التوسع الإمبراطوري، ونزع الملكية، والعبودية» من الأمور الحاسمة في تشكيلها. على مدار عصر التجارة، من منتصف القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر- وهي فترة يشار إليها باسم «رأسمالية الحرب»- تم حل أشكال الملكية الأولى والعلاقات الإنتاجية من خلال حصر المشاعات والاستيلاء على الأراضي، حيث نقلت ملكية الأرض رسمياً إلى الطبقة البرجوازية.

تم دمج الخصائص العنصرية للرأسمالية منذ البداية، حيث تم استعمار إفريقيا وآسيا والأمريكتين، بينما تم شن حملات الإبادة الجماعية ضد الشعوب الأصلية واستعبد الأفارقة للعمل في المزارع. وساهمت هذه الظروف في نقل الثروة على نطاق واسع إلى إنجلترا ودول أوروبية أخرى. أوضح ماركس أن عملية المصادرة الأولية هذه كانت محورية للثورة الصناعية الإنجليزية. ارتبط القطن بسرقة الطبيعة والعمالة غير المأجورة، بالإضافة إلى استغلال اليد العاملة المأجورة، وتوفير المواد الرخيصة الضرورية لمصانع النسيج الناشئة، حيث كان العمال الصناعيون يعيشون على البطاطا المستوردة من الحقول التي استنفدت على نحو متزايد في إيرلندا.
تزامنت الثورة الزراعية الأولى في العصر الرأسمالي مع تسييج الأراضي، من أواخر القرن الخامس عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر، والنقل الرسمي لسندات ملكية الأراضي. تم طرد الفلاحين وأصحاب الأراضي الصغيرة من الأرض، والفقراء، والبروليتاريا، وأجبروا على بيع قوتهم العمالية مقابل أجور لشراء وسائل العيش. هذه التغييرات بشرّت بعزلة شديدة عن الطبيعة، وتقسيم أكثر بين المدينة والريف، وإنتاج متخصص للأغذية والألياف. تميزت الثورة الزراعية الثانية، من عام 1830 إلى عام 1880، بتطور كيمياء التربة، ونمو تجارة وصناعة الأسمدة، والزيادة في حجم وكثافة الإنتاج الزراعي، وتحسين «الأراضي»، مثل فرض توحيد الزراعات عبر الحقول، مما يجعلها أسهل في تطبيق التقنيات الحديثة. بالإضافة إلى ذلك، تطلب الإنتاج الزراعي المكثف مدخلات ضخمة من الأسمدة من أجل إثراء التربة. ومن نواحٍ عديدة، تمثل هذه الفترة تجسيداً للاعتمادية دون مقابل ودون المعاملة بالمثل.

«نظام سرقة»

لعب العالم الكيميائي ليبيج دوراً رائداً في دراسة كيمياء التربة المتغيرة فيما يتعلق بالزراعة الصناعية الرأسمالية المتقدمة. وأشار إلى أن إنتاج المحاصيل يعتمد على التربة التي تحتوي على العناصر الغذائية الأساسية- مثل، على سبيل المثال لا الحصر، الآزوت والفوسفور والبوتاسيوم. وأوضح أن نظام الزراعة الرشيد يجب أن يحكمه «قانون التعويض» أو قانون الاستبدال. أي يجب إعادة المواد المغذية التي تمتصها النباتات أثناء نموها إلى التربة لدعم المحاصيل المستقبلية. لكن هذا كان بعيداً عن الحالة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة في القرن التاسع عشر. أشار ليبيج إلى أن تقنيات الزراعة البريطانية العالية شكلت «نظام سرقة»، مما أدى إلى هدم التربة. شرح ماركس الذي درس عمل ليبيج بالتفصيل كيفية تطبيق الممارسات الصناعية لزيادة الغلة ونقل الأغذية والألياف إلى الأسواق البعيدة في المدن التي تولد فجوة في دورة مغذيات التربة. لاحظ في «رأس المال» أن الزراعة الرأسمالية تدريجياً «تزعج التفاعل الاستقلابي بين الإنسان والأرض»، مما يمنع «عودة العناصر المكونة لها التي يستهلكها الإنسان في صورة طعام وملبس؛ وبالتالي فإنه يعوق تشغيل الحالة الطبيعية الأبدية للخصوبة الدائمة للتربة. «ونتيجة لذلك،» كل التقدم في الزراعة الرأسمالية هو تقدم في الفن، ليس فقط في سرقة العامل، ولكن في سرقة التربة؛ كل التقدم المحرز في زيادة خصوبة التربة لفترة معينة هو التقدم نحو تدمير مصادر تلك الخصوبة طويلة الأمد».
قدم ماركس تحليلاً منهجياً لكيفية سلب الزراعة الصناعية للأرض عناصرها الغذائية الضرورية، لكنه اعترف وقدم الأساس لتقييم الاضطهاد المتشابك وعمليات المصادرة التي رافقت أزمة التربة هذه. نظراً لتراكم المغذيات من الريف كنفايات في المدن، أو جرفها في البحر كجزء من النفايات الحضرية، تم البحث عن مجموعة متنوعة من الوسائل لتجديد الأرض. على وجه الخصوص، بين 1840 و1880، تم تأسيس تجارة دولية للأسمدة التي تنطوي على شحن ملايين الأطنان من ذرق الطيور والنترات من بيرو وتشيلي إلى الشمال العالمي. كان تحصيل ذرق الطيور قد تأصل إلى حد كبير من خلال مصادرة الأرض والعمل والحياة الجسدية، وكلها كانت ضرورية لجعل هذا الأسمدة مربحةً للغاية. في البداية كان المدانون والعبيد الذكور يعملون كسخرة في جزر ذرق الطيور، مستخدمين الملاقط والمعاول، وعربات اليد، والأكياس. مع انخفاض توافر العبيد، تم استيراد العمال الصينيين كجزء من نظام العمل «غير البارع».
استخدم ملاكوا العبيد السابقون الإكراه والخداع والخطف والعقود المشكوك فيها لإقامة هذا النظام العنصري الجديد للعمل الاستعبادي، الذي زود المستعمرات والمستعمرات السابقة بالعمال في جميع أنحاء العالم. تم شحن أكثر من تسعين ألف عامل صيني إلى بيرو خلال ذروة تجارة ذرق الطيور- ما يقرب من 10% ماتوا في الطريق بسبب سوء المعاملة وسوء التغذية بشكل رئيس. تم إرسال العمال غير المهرة الأكثر لسوء الحظ إلى جزر ذرق الطيور، حيث تقلبت القوى العاملة الكلية بين 200-800 عامل، ولكن حيث تم استخدامهم بحياة سريعة، تعتبر أقل قيمة من ذرق الطيور الذي استخرجوه.

نظام «غير البارع»

تم إرسال الرجال فقط إلى هذه الجزر، حيث احتفظ بأكثر من «مئةِ جندي مسلح» للحراسة، ومنع العمال من الانتحار بالهروب إلى المحيط. وصف ماركس نظام «غير البارع» هذا بأنه شكل من أشكال «العبودية المقنعة». وأشارت شهادات الشهود إلى أن هؤلاء العمال الصينيين عوملوا على أنهم مستهلَكون، وجلدوا بانتظام وجلدوا إن لم يفوا بتوقعات العمل الشاقة. لقد عملوا تحت أشعة الشمس الحارقة، وملأوا الأكياس والعجلات اليدوية بذرق الطيور، ثم نقلوها إلى القوارب. وملأ غبار ذرق الطيور أجسادهم ورئتيهم. كانت الرائحة ساحقة. وصف أحدهم هذه الظروف بأنها «الفن الجهنمي المتمثل في استخدام الحياة البشرية حتى آخر بوصة»، حيث كانت حياة العمال قصيرة للغاية. كان العديد من صانعي السفن البريطانيين «مروعين من القسوة التي ارتكبت بحق الصينيين الذين لقوا حتفهم ومشهد الأجساد العائمة حول الجزر».
هنا نرى كيف تعمل المصادرة على حدود النظام الرأسمالي. تم استنفاد ذرق الطيور، الذي كان يستخدم لآلاف السنين لإثراء حقول بيرو، لتجديد حقول الشمال العالمي. غالباً ما تُقتل الطيور البحرية التي أودعت مئات الأمتار من ذرق الطيور على الجزر، حيث كانت تعتبر مصدر إزعاج لعمليات الاستخراج. تم إزالة ذرق الطيور بمعدل أسرع بكثير مما تراكم. كان نظام العمل العنصري الجديد الذي تم فرضه يعتمد إلى حد كبير على العمل الاستعبادي الذي تمت مصادرته بوحشية، مما يعزز التراكم في قلب النظام. أدت الظروف إلى حدوث صدع جسدي، أدى إلى تقويض الظروف المعيشية، مما أدى إلى تدهور الحالة الصحية والموت المبكر للعديد من العمال، الذين تم استبدالهم ببساطة بعمال مستوردين آخرين. علاوة على ذلك، كان كل هذا يهدف إلى جعل استمرار نظام السرقة ممكناً حيث يتم سلب التربة في أوروبا وأمريكا الشمالية بشكل منهجي من عناصرها الغذائية.
كانت شروط المصادرة هذه مكوناً رئيساً لدعم الثورة الزراعية الثانية المصاحبة للثورة الصناعية. كانت الثورة الصناعية، التي كان القطن فيها جزءاً لا يتجزأ، تعتمد على تجارة الرقيق الثلاثي. بعد قانون إلغاء العبودية لعام 1833، الذي ألغى العبودية رسمياً في معظم المستعمرات البريطانية، تحول البريطانيون إلى «غير البارعين» من آسيا، وهو شكل من أشكال العبودية المقنعة كوسيلة لاستبدال العبودية المفتوحة، بأشكال جديدة من العمل الاستعبادي. كان ذرق الطيور، بهذا المعنى، جزءاً من تجارة ثلاثية ثانية، موجهة نحو تصنيع الزراعة، والزراعة البريطانية العالية، والحاجة إلى استعادة التربة الفقيرة عن طريق نظام إمبريالي، يشمل أسوأ أشكال الاستغلال في العمل ومصادرة الممتلكات المتمثلة في حياة الجسد.

عن موقع MONTHLY REVIEW

معلومات إضافية

العدد رقم:
949
آخر تعديل على الإثنين, 20 كانون2/يناير 2020 12:31