_
مشاريع الدماغ

مشاريع الدماغ

تزايدت في الآونة الأخيرة عدد المشاريع التي تتناول دراسة الدماغ بشكل موسع ومنها: Blue Brain Project السويسري وHuman Brain Project الأوروبي وBrain Initiative الأمريكي، ومبرر هذه المشاريع المعلن، هو: تصحيح أمراض الدماغ، حيث ثلث سكان أوروبا مصابون باضطرابات مرتبطة بالدماغ حسبما يقول المشروع، وتبلغ تكاليف علاج هذه الأمراض أكثر من تكاليف علاج السرطان والسكري والقلب سوياً (في سويسرا على سبيل المثال) (نحن نعلم أن معظم هذه الأمراض العصبية والنفسية مرتبطة بعدم قدرة الإنسان المعاصر على التأقلم مع نمط الحياة المعادي للإنسان والطبيعة معاً.

الإنسان يعيش حالياً أكثر بسبب تقلص المشاكل الصحية العامة عموماً، وأصبح بحاجة لدماغه لفترة أطول من العمر.
يوجد في الدماغ حوالي 100 مليار خلية، وحوالي100 مليون بروتين، ويبدو أن إمكانية اختبار الأدوية على الحيوانات لا توفر معلومات حقيقية عن تأثيرها على البشر.
من أجل الحصول على نتائج صلبة للأبحاث المتزايدة عاماً بعد عام، والتي وصلت إلى أكثر من 100 ألف بحث سنوياً، فالعلم بحاجة إلى دمج هذه الأبحاث بطريقة تؤمن الاستفادة القصوى من هذه النتائج، عمليات دمج الأبحاث في نماذج مستقلة لم تعط نتيجة. لذا تم الاستعانة بالفيزيائيين لأنهم نجحوا في الدمج لكن لم تنجح نفس الطريقة في البيولوجيا، لأن التبسيط الشديد لا يفيد في منظومة معقدة.
إن النموذج الوحيد مركب من فرضية وطريقة أو نموذج عمل وحلول ممكنة مع خط راجع في حال عدم الحصول على النتائج المطلوبة لتصحيح الطريقة. ودمج النماذج حاسوبياً عملية إجرائية دقيقة والتحقق من كل نموذج ضمن مجموعة النماذج المدموجة يحتاج إلى خوارزمية متعددة القيود، وهكذا يمكن التنبؤ بأشياء لم يكن من الممكن التنبؤ بها بنموذج أحادي من خلال تراكم البيانات، والنماذج الرابطة لها والمرتبطة بالبيانات، وبالتالي، ردم الفجوات العلمية.
هذه المعايير تمّت استعارتها من الفيزياء النانوية إلى الدماغ ومروراً بفيزيولوجيا الدارة العصبية، وتشريح الدارة العصبية، والفيزيولوجيا العصبية والتشريح العصبي والقنوات العصبية والكهرباء الفيزيولوجية، بدءاً من الفأر ووصولاً للإنسان.

مشروع الدّماغ الأزرق

  من أجل بناء محاكاة مُحوسبة للشّبكات العصبيّة في الدّماغ، يوجد في أدمغتنا 1011 عصبونات (خلايا عصبيّة). لو كان لكلّ إنسان يعيش اليوم على الكرة الأرضية 100 ابن، لكان عدد الأشخاص في العالم مشابه لعدد العصبونات في الدّماغ الواحد! إنّ قشرة الدّماغ (cortex)، ذلك النّسيج المنحني والرّقيق (الذي يصل سمكه إلى ميليمترين اثنين) الموجود تحت الجمجمة، هي المسؤولة عن أرفع الوظائف الدّماغيّة. هذا النّسيج متطوّر جدًّا لدى الثّدييّات المتطوّرة.

أعمدة في قشرة الدّماغ

تشير الأدلّة التّجريبيّة إلى أنّ قشرة الدّماغ مرتّبة في شبكة من الأعمدة (حجم كلّ عمود فيها هو ميليمتر مكعّب تقريباً). في كلّ عمود كهذا في قشرة الدّماغ، يوجد ما بين عشرة آلاف ومئة ألف خليّة، تترابط فيما بينها بما يعادل مليار رابط. كما تشير الأدلّة إلى أنّ لكلّ عمود كهذا هناك وظيفة حسابيّة محدّدة، مثل: معالجة المعلومات القادمة من شعرة معيّنة في شارب الجرذ أو تمييز خطوط بزوايا معيّنة (45 درجة، مثلاً) في الجهاز البصري. تفيد الفرضيّة الأساسيّة اليوم: أنّ كل عمود قشري كهذا يشكّل وحدة حسابيّة عامّة وأساسيّة في قشرة الدّماغ.
تبحث التّوجّهات الحسابيّة في مجال بحث الدّماغ، من جملة الأمور، عمليّة معالجة المعلومات في شبكات العصبونات. في العقود الأخيرة، أُحرز تقدّم في فهم الطّريقة التي يقوم فيها العصبون الواحد- وهو وحدة المعالجة الأساسيّة في الدّماغ- بإنجاز عمليّاته الحسابيّة. تُمكّن المحاكاة المحوسبة للعصبونات الباحثين من وصف النّشاط الكهربائي والحسابي الذي يجري في عصبون واحد بصورة مفصّلة.
على الرغم من ذلك، تمّ وصف النّشاط الشّامل للشّبكات العصبيّة الكبيرة حتّى الآن بصورة في غاية التبسيط، حيث يتم تجاهل عدد كبير من التّفاصيل البيولوجيّة، مثل: البناء المفصّل للعصبون الواحد ومواقع الرّوابط المشبكيّة على طول العصبون. أحد أسباب إهمال هذه العوامل هو غياب الموارد الحسابيّة اللازمة لحل المعادلات الرّياضيّة الهائلة التي تساهم في وصف نشاط الشّبكة.

أسئلة أساسية

هل توجد لدينا معلومات كافية لإعادة بناء النّشاط الكهربائي المعقّد في شبكة كبيرة من العصبونات في قشرة الدّماغ؟ ما الذي ينقصنا من المعرفة للقيام بذلك؟
كيف تنعكس العلاقة المتبادلة بين مكوّنات الشّبكة المختلفة (مثل: أنواع الخلايا المختلفة، بناء التّرابطات في الشّبكة ، نوع التّرابطات- استثاريّة أم تثبيطيّة)  وبين النّشاط الكهربائي الكلّي للشّبكة ؟
هل نستطيع أن نعزو الفروق التي نشاهدها بين نشاط دماغي طبيعي ونشاط في دماغ مريض لعوامل سببيّة محدّدة، مثل: روابط غير مناسبة في الشّبكة العصبيّة، أو فائض حسّاسيّة كهربائيّة لدى خلايا من نوع معيّن؟

وسائل البحث

أصبح بناء محاكاة مُحوسبة مفصّلة لميليمتر مكعّب من قشرة الدّماغ لدى الثّدييّات أمراً ممكناً بفضل الحاسوب الخارق من نوع IBM BlueGene/L الذي يحتوي على ما يزيد عن 8000 معالج (processor) تعمل بالتّوازي. تُتيح لنا القدرة الحسابيّة الخارقة الكامنة في هذا الحاسوب القيام بحسابات قد تستغرق عدّة سنوات في الحواسيب العاديّة خلال يوم واحد. في حاسوب «الدّماغ الأزرق» كلّ معالج يمثّل، بشكل رياضيّ، النّشاط الكهربائي لعصبون واحد. يُمكّننا هذا من محاكاة شبكة عصبونات تحتوي على حوالي عشرة آلاف عصبون في آن واحد، حيث ترتبط هذه العصبونات بعضها ببعض بعشرة مليارات رابط.
قد يكون التّحدي الحسابيّ المباشر هو محاكاة الشّبكة المعقّدة- نوع من «رحلة إلى العمود القشري»- لكنّ خلق النّموذج بحد ذاته وتعييره وفقاً للنّتائج التّجريبيّة يشكّلان تحدّياً بحدّ ذاتهما. لهذا الغرض، تمّ تطوير إطار لبرنامج مدمج، يتيح لنا تعيير النّماذح وفق النّتائج التّجريبيّة بشكل تلقائي. من ثمّ، في الإمكان إجراء التّجارب المُحوسبة ومقارنتها مع التّجارب الأصليّة. وهكذا، من خلال المقارنة بين أداء النّموذج المُحوسب وبين السّلوك الكهربائي للعمود القشري الحقيقي في الحيوان، يستطيع العلماء أن يفهموا بشكل أفضل كيف يُنفّذ العمود وظائفه- كيف يحسب، ويتعلّم، ويُمثّل العالم من حولنا.

النّموذج

يتم بناء النّماذج بموجب المعطيات التي تمّ جمعها على مدار ما يزيد عن عِقد من الزّمن في المختبرات، هذه المعطيات هي، بمعظمها، تسجيلات للنشاطات الكهربائيّة لخلايا منفردة في القشرة الحسّيّة الجسديّة (somatosensory) في دماغ جرذ، وعمليّات إعادة بناء الخلايا وروابطها بشكل ثلاثي الأبعاد. يسمح لنا هذا الجهاز ببناء نموذج لعمود قشري واحد أو أكثر، ومحاكاة نشاطاتها بمختلف الظروف، وبيان النتائج بوسائل بصريّة ثلاثيّة الأبعاد. يُمكننا وصف النّشاطات على عدّة أصعدة- من سلوك القنوات الأيونيّة المنفردة التي نجدها في غلاف الخليّة، وإلى صعيد الخليّة المنفردة وحتّى صعيد الشّبكة ككل.

أهمّيّة الأبحاث

تأتي بالطبع من إمكانيات استخدام نموذج الدماغ في الذكاء الاصطناعي وتطوير كل علوم الحاسوب بكافة أشكالها، بالإضافة إلى إمكانية التحكم بالبشر من أجل كبح أعراض الأزمة الرأسمالية على البشر بدلاً من حل المشكلة الأساسية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
925
آخر تعديل على الأربعاء, 07 آب/أغسطس 2019 13:58