_
«سُرِق في الصين!!»

«سُرِق في الصين!!»

انتهت استراحة الغداء، وتوجه المجندون بانتظام في طوابيرهم الضيقة إلى غرفة التحكم، يجلس كل منهم أمام شاشة الكمبيوتر الخاص به، ويبدأ على الفور بالنقر على الأزرار، كانت ربع الساعة الماضية كافية لاسترداد القليل من النشاط بعد ثلاثة أيام متواصلة من العمل، قليل من الهواء المنعش يعيد إلى النفس بعض السكينة بدلاً من هذه الغرف المعدنية الضيقة تحت الأرض 

ولابد من العودة الآن إلى العمل، يرفع أحد المجندين يده ليتقدم منه الضابط المسؤول بسرعة، يحدق الاثنان في الشاشة وهي تظهر مجموعة كبيرة من الوثائق والمخططات الخاصة بنوع ما من الأسلحة، يهز الضابط رأسه ويربت على كتف المجند، لقد أثمرت شهور العمل الطويلة أخيراً، قام المجند بطباعة بعض منها فوضعها الضابط سريعاً في مغلف أسود وهم بالصعود على عجل إلى سلم المكاتب فوق الأرض، استمر بالصعود حتى وصل الطابق الأخير، ابتسم ودق الباب، «سيسر الجنرال بهذه لما وجدت.. ربما سأحصل على ترقية أخيراً..!»

انتشرت الأخبار في كل مكان، لم يعد الأمر سراً بعد اليوم، فقوى العالم العظمى تعيش حالة حرب غير مسبوقة منذ مطلع هذا القرن، ساحاتها بعيدة جداً عن مدن الدمار وميادين الجنود، هو الفضاء الرقمي الذي يسعى الجميع الآن لترسيخ موطئ القدم المناسب فيه، عالم من الاسرار يوازيه عالم من فاضحي تلك الأسرار، وأصبحت الأجهزة الالكترونية التي تضبط إيقاع حياتنا تحت رحمة ملايين أجهزة التنصت وبرامج التحليل، رؤساء ووزراء يبدون امتعاضاُ كبيراً من قلة حياء المؤسسات العسكرية والاستخباراتية التي لم تتوقف عن التنصت على دقائق برامجهم اليومية، بالإضافة إلى قيام العديد من المنظمات المدنية والتجمعات الالكترونية بتنظيم احتجاجات دورية للتعبيرعن دعمهم للخصوصية الفردية ورفضهم لكل أشكال التجسس الحكومي، لكن، لم يقل اهتمام تلك الحكومات بالكم المثير من المعلومات الذي يتم معالجته والاستفادة منه يومياً، كما ان الجهد الأكبر لا ينصب في متابعة «المدنيين» على الرغم من حساسة المعلومات الصادرة منهم في بعض الأحيان، حيث يتركز الجهد الأكبر في متابعة المعلومات العسكرية الحساسة التي ترشح عن المجمعات العسكرية الضخمة في أرجاء العالم، فهي الهدف «الدسم» الذي لا يمكن تجاهله.

الجيش الشعبي الحر

تتصدر الصين بقدراتها التقنية والبشرية المهولة هذا النوع من التجسس العسكري الحساس، حيث كشفت التقارير الصادرة عن الشركات الأمنية المتخصصة في أمن الكمبيوتر عن أن «وحدة الجيش الشعبي الحر» في الصين ومقرها شنغهاى هي المسؤولة عن الهجمات الالكترونية المتتالية على الولايات المتحدة الأمريكية، كما ذكرت وكالة رويتر أن الوحدة الصينية التي تحمل رقم (61398) هي المسؤولة عن الهجمات الأخيرة التي استهدفت المواقع الالكترونية الصناعية بواشنطن، لكن وزارة الدفاع الصينية رفضت التعليق  على مثل هذه التقارير مراراً، وتابعت الأخبار تأكيدها أن تلك الوحدة تضم أهم المتخصصين في الهجمات الالكترونية بالصين كما أنهم يجيدون اللغة الانجليزية لاستهداف المواقع الأمريكية بشكل أساسي، بغية الحصول على أسرار الصناعة في واشنطن، العسكرية منها على وجه الخصوص، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية الشهر الماضي إلى توجيه الاتهامات لخمسة من ضباط الجيش الصيني تضمنت ممارستهم «أنشطة التجسس الإلكتروني الذي استهدف الحصول على معلومات حساسة تتعلق بالأمن القومي»، هم وانغ دونغ، وسون كايليانغ، ووين شينيو، هيوانغ زينيو، وغو تشانهيو، وجميعهم ضباط بالوحدة (61398 ) بجيش التحرير الشعبي الصيني، كما صرحت النيابة العامة الأمريكية بأن الضباط الصينين تمكنوا من الحصول على أسرار تجارية ومستندات داخلية خاصة بخمس شركات بالإضافة إلى مستندات خاصة بأحد اتحادات العمال الأمريكية، وأسهبت في تعداد المزيد من التهم بينما علقت وزارة الخارجية الصينية بأنها هي نفسها ضحية هجمات تجسسية رقمية انطلقت من الأراضي الامريكية في السابق، لكنها لم ترد يوماً على تلك الهجمات بالطريقة بذاتها!!

أهداف القرصنة

على كل حال تبدو تلك الهجمات فعالة للغاية، وها هي تحقق الكثير من الأرباح للصين، وبالأخص بعد أن وضعت المؤسسات الحكومية المدنية والعسكرية كأهداف دائمة لقراصنتها، حيث ذكر المتحدث باسم شركة سولار وورلد، مصنعة شبكات الطاقة الشمسية وصناعاتها التكميلية الأولى في أمريكا، على سبيل المثال، بأنها تعرضت لخسارة كبيرة لنصيبها في سوق الطاقة الشمسية بسرعة ملحوظة لمصلحة منافسين صينيين يقدمون المنتج بسعر أرخص. وأرجع تلك الخسارة إلى أن القراصنة الإلكترونيين حصلوا على وثائق تتضمن استراتيجيات التسعير الخاصة بالشركة الأمريكية، كما تحدثت بعض وسائل الإعلام عن سرقة رجال الوحدة 61398 بسرقة التصميمات السرية لمكونات محطات الطاقة النووية الجديدة المزمع إنشاؤها في الولايات المتحدة الامريكية من قبل  شركة «ويستنغهاوس» في الوقت الذي كانت فيه تلك الشركة تتفاوض مع شركة صينية مملوكة للدولة بشأن إنشاء محطات طاقة نووية، بالإضافة إلى العديد من الأمثلة التي تثبت نية المؤسسة الاستخباراتية الصينية في الحصول على كل ما تستطيع الوصول إليه من منافسيها حول العالم، ويبدو أنها تحقق تفوقاً هائلا في هذا المجال، في الوقت الذي تسطو فيه الولايات المتحدة الأمريكية على ثروات العالم وتعلن عن غزواتها الاستعمارية في كل مكان، تقوم مجموعات صغيرة من عباقرة الكمبيوتر في مكان بعيد باختراق الدفاعات الالكترونية وسرقة ثمار عملهم دون أن تزهق روح واحد أو تسيل على الأرض قطرة من الدماء!!