_
التأمين الصحي.. إلى أين؟
غزل الماغوط غزل الماغوط

التأمين الصحي.. إلى أين؟

في آخر تطورات مسألة التأمين الصحي للعاملين في الدولة، يجري الحديث حالياً عن قرب الانتهاء من دمج التأمين الصحي لكل من القطاعين الإداري والاقتصادي، مع الإشارة إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن مساعٍ تهدف إلى تحقيق جانب من العدالة والتوازن في التغطيات المقدمة للقطاعين، لكن ذلك يثير مخاوف العمال، لأنه ببساطة قد يعني مزيداً من الاقتطاعات من الحقوق التأمينية للعامل، الذي يعي جيداً أنها ستكون عدالة في ممارسة الظلم لا عدالة في رد الحقوق.

 

فالعمل_ على تحديث البنية التشريعية عبر مشروع قانون التأمين الجديد_ لا يحمل بشارة خير للعمال الذين اعتادوا على أن تصب أية قوانين جديدة في صالح المستثمرين على حساب أصحاب الحقوق، ما قد يعني مزيداً من الانحسار في المظلة التأمينية، أو مزيداً من الحسم والاقتطاعات من أجره الهزيل.
لا جديد!
كان مصدر مسؤول في وزارة المالية، قد تحدث عن أن حجم الزيارات التي يقوم بها العمال المؤمن عليهم_ سواء أكانت للطبيب أو المخبر_ قد انخفض إلى نحو 90 %، بعد إصدار القرار القاضي بتخفيض الزيارات من 48 زيارة سنوية إلى نحو 12 فقط، وهو تصريح لا يحمل أي جديد، فمن الطبيعي أن يتراجع عدد المقبلين على الاستفادة من التأمين الصحي إثر خفض الزيارات الصحية المسموحة لهم إلى الربع، فهل هو اعتراف ضمني أن خطوة كهذه جاءت لهذا الغرض بالذات؟ وإلا فما الغاية من حرمان العامل من حقه في زيارة الطبيب كلما دعت الحاجة؟
العامل هو السبب!
الإجابة عن التساؤل السابق تأتي ضمناً في سياق التصريحات التي نسمعها كل حين من مختلف الجهات المسؤولة عن التأمين الصحي، حيث يخبروننا دائماً أن سوء استخدام الخدمة التأمينية من طرف العمال المؤمن عليهم يشكل المعضلة الأصعب في ملف التأمين، وهكذا يجري الإلقاء بسائر الأخطاء والعثرات على عاتق المؤمن عليهم، فهم «يفتقرون إلى الثقافة التأمينية، ويسيئون استخدام بطاقة التأمين، ويتعاملون معها كما لو كانت بطاقة راتب، يجب أن يستفاد منها قدر المستطاع من دون وجود مبرر صحي يستدعي ذلك..» وهكذا يتم تجيير سوء الواقع التأميني الصحي كله على العاملين بمثل هذه العبارات، في حين تتم تبرئة كل من شركات تقديم الخدمة الطبية، التي باتت مساعيها إلى الربح على حساب صحة العمال معروفة للجميع، وشبكة الأطباء والمشافي والصيدليات المتعاقدة، وهو ما لا ينفي بالطبع حصول إساءة الاستخدام من قبل بعض العاملين، لكنها بطبيعة الحال تأتي كنتيجة لا كسبب في قصور قطاع التأمين الصحي.
نتيجة.. لا مبرر
بسبب سوء التعامل والمزاجية المحسوبية، ومحدودية التغطية التأمينية، وعدم كفايتها، يتفاقم إحساس العمال بأن التأمين الصحي جاء لاستغلالهم ونهب نقودهم لا لضمان حقوقهم أو الحفاظ على صحتهم، وهكذا ينمو لديهم الإحساس بالحذر من هذا «الدخيل» وضرورة التعامل معه بحنكة وشطارة حتى لا تذهب اشتراكاتهم الشهرية سدى.
ومن الضروري ألا ننسى، أن إحساس العمال بالغُبن والاستغلال في التأمين الصحي، والذي قد يقود بعضهم إلى إساءة استخدام البطاقة، راجع في المقام الأول إلى شركات تقديم الخدمة الطبية، تلك الشركات الخاصة التي حولت التأمين من تكافل اجتماعي إلى مشروع استثماري ربحي لا أكثر، مما يستدعي تقليص الدور المنوط بها، مقابل زيادة حصة الدولة بالتغطية الصحية واستعادة دورها الإشرافي الكامل على هذا القطاع، بعيداً عن الخصخصة والاستثمار.