_
عن حيلة: شطب «الخطأ» من التاريخ!
محمد المعوش محمد المعوش

عن حيلة: شطب «الخطأ» من التاريخ!

من أدوات الفكر الرجعي تشويه التجارب الاشتراكية وفكرها الماركسي، وأهمها «ثورة أكتوبر العظمى». وتمرّ هذه المحاولة بمراحل تتموّه بمظاهر عدة، وتتبُّعها اليوم يُعيد كشف قواعدها التاريخية، مظهراً الحجج السابقة بشكل جديد.

من ستالين إلى لينين: خط مباشر

بالرغم من أنّ سردية الهجوم على ستالين كـ«إجراميته وإقصائيته وشموليته» و«تشوّه شخصيته وقدراته العقلية» تجد أساسها ومنبعها في الدعاية الرأسمالية والصهيونية، بالتلاقي مع الردة الرجعية السياسية والفكرية عن منجزات الاشتراكية منذ المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي (فكرة التعايش السلمي مع الإمبريالية، التي روّج لها المؤتمر، وأيضاً فكرة أن الاتحاد السوفييتي قد باشر بتحقيق الشيوعية!) بالترافق مع كل محاولات وعمليات الاغتيال التي طالت كوادر أساسية في الدول السوفييتية حينها، وستالين منهم. ولكن إذا كان القصد من هذه الاتهامات هو فكرة الحزم والانضباط وقمع الخصم الطبقي المعادي والعناصر الفوضوية والعميلة والمجرمة، أو ببساطة «دكتاتورية البروليتاريا»، فذلك ليس بالتهمة المطلوب الدفاع عنها. وفي هذه الحالة فإن الهجوم على ستالين، أو على السياسة العامة التي مثّلها، يجب أن يكون هجوماً على لينين، وهو ضمنياً كذلك. أخذاً بعين الاعتبار أيضاً الظروف التاريخية خلال العقود الأولى من الثورة، أي الحرب الأهلية والهجوم الإمبريالي لقتل الثورة ومحاولات التخريب الداخلي استناداً للقوى الطبقية الرجعية التي لم تختف بين ليلة وضحاها وهو ما تطلب حالة يقظة وانضباطاً عاليين وعملاً جباراً.

لينين أيضاً «ستاليني»!

ليست المسألة ببساطة ولكن للدلالة، في مجمل مؤلفاته المبكرة ما قبل الثورة، وتحديداً خلال السير المعقد والطويل والصراع مع الطبقات المستَغِلة وفكرها، لا يظهر لينين شيئاً آخر على صعيد الممارسة غير ما يُتَّهم به ستالين، إذا ما اعتبرنا أن الهجوم يطال فكرة الحزم وعدم التهاون مع الأعداء الطبقيين والداخليين. والأمثلة لا مجال لتعدادها، ومنها حديثه عن الممارسة المطلوبة تجاه العناصر التي ستخل وتخرّب الدولة الاشتراكية التي تتأسس، فيقول: «يجب على الكومونات، على الخلايا الصغيرة في القرية وفي المدينة أن تضع بنفسها آلاف الأشكال والوسائل للحساب العملي والرقابة على الأغنياء والمحتالين والطفيليين... إن التنوع هنا هو كفالة الحيوية، وضمانة النجاح في بلوغ الهدف الواحد المشترك: تطهير الأرض الروسية من جميع الحشرات الضارة، من المحتالين، من الطفيليين-الأغنياء، وخلافه وما شابه. ففي كل مكان سيزجون في السجن بعشرة من الأغنياء، ودزينة من المحتالين، ونصف دزينة من العمال المتهربين من العمل... وفي مكان آخر سيجبرونهم على تنظيف المراحيض. في مكان ثالث، سيزودونهم لدى مغادرة السجن ببطاقات صفراء، لكي يراقبهم الشعب كله حتى صلاح نفوسهم، مراقبته لأناس مضرّين». فـ«لا رحمة لهؤلاء أعداء الشعب، أعداء الاشتراكية، أعداء الشغيلة». (من نص «كيف ننظم المباراة؟» كانون الثاني-1918). ومضافاً إلى ذلك، من هم في الحركة الثورية نفسها.
إن فكرة القمع لا ينفيها لينين بل يدعو إليها، ولكن بالطبع قمع القوى الرجعية والطفيلية والتخريبية، ومن يقوم بالقمع هي اللجان الشعبية في الكومونات نفسها. لم يكن الصراع بعد وفاة لينين مختلفاً عمّا قبله، فالصراع في الحزب استمر بين المجموعات التي كانت تحارب لينين أساساً، وبين ستالين. أمّا في المجتمع، احتد الصراع امتداداً للصراع السياسي العام نفسه قبل وفاة لينين، مثلاً مسألة مَهمةّ تنظيم الفلاحين والصراع ضد الملّاكين العقاريين الكبار ومكننة الزراعة وجعلها واسعة. لماذا ينحصر الهجوم في هذا المجال على ستالين إذاً، وهو لم يقم بما يخالف ما مارسه وأعلنه ودعا إليه لينين (حول هذه النقطة تحديداً)؟ المقصود هنا هو فك وفصل ستالين عن لينين للـ«انفراد» بستالين وعزله لتسهيل الهجوم في هذا المجال.

«الخطأ التاريخي» للينين!

إن محاولة فك ستالين عن لينين لإظهار القبول (الشكلي) بلينين تظهر في مكان آخر هجوماً مركزاً وأعمق على لينين نفسه في قضية مركزية ذات أهمية تاريخية وفكرية وسياسية، هي: مسألة الثورة بحد ذاتها. والتهمة أن لينين أخطأ عندما نظّر وقام بخطوة الثورة «التي لم يكن مكتوباً لها النجاح منذ البداية»، هكذا يقولون! ويعلنون بسطحية أن لينين «لم ينتبه للمصاعب الموجودة أمام الثورة في بلد ضعيف التطور كروسيا»، وهكذا يصلون إلى النهاية المنطقية لطرحهم بأن «الثورة كانت ضرباً من المغامرة غير المحسوبة!» لنترك الكلام للينين نفسه: «اسمحُ لنفسي أن أشير إلى مهمة من أصعب المهام... هي مهمة طاعة العمل.. هي مهمة عالمية تاريخية. ولفهمها يجب أن نصرف النظر عن المصاعب التي لا تصدق والتي تبدو مستعصية... يجب أن نرى الأمور من عل، ونرى إلى تعاقب نماذج الاقتصاد الاجتماعي في التاريخ... وجهة النظر هذه وحدها تبين بوضوح جلال المهمة التي أخذناها على عاتقنا»، وهكذا «لن تؤخذوا بتضليل هؤلاء أذناب البورجوازية التي تنحصر مهمتهم بزرع الذعر، وبذر بذور الكآبة.. وإظهار هذا العمل عملاً لا أمل فيه.. ويتحدثون عن فشل الثورة، كأنما قامت في التاريخ يوما ثورة واحدة دون تفسخ، دون تجارب مضنية» (خطاب في المؤتمر الأول لمجالس الاقتصاد الوطني في عامة روسيا-أيار 1918).
ماذا لو لم تقم الثورة في روسيا؟ كيف سيكون العالم والتاريخ حينها؟ رأى لينين عظمة الخطوة بكل مصاعبها ولم يخطئ الحساب (نصوصه أكثر من أن تعدّ هنا)، بل أراد دفع التاريخ إلى الأمام وتقديم مادة ملموسة للبناء عليها. لو لم تقم الثورة، لكانت الهمجية قد وصلت مبكراً ولكان عالماً غير هذا. ولكنهم، أصحاب التهمة إياها، أصحاب «الثورة الناجحة» (ما هي هذه الثورة؟)، يريدون شطب «الخطأ» من الحسبان والوعي. حينها سيستحيل فهم العالم منذ قيام الثورة، فهي التي صنعته؟!.

معلومات إضافية

العدد رقم:
932
آخر تعديل على الأربعاء, 25 أيلول/سبتمبر 2019 13:18