حالمون..

حالمون..

«أريد منك أن تكتب قصيدة من الشعر المرسل موجّهة لهؤلاء الذين تخلّوا, نتيجة الإخفاق الكامل للثورة الفرنسية, عن أي أمل في مستقبل أفضل للإنسانية, وغرقوا تماماً في أنانية أبيقورية, يخفونها تحت أقنعة العناوين الناعمة للترابط الأسري, واحتقار الفلسفات الحالمة»...

بهذه الكلمات يقدّم المفكّر راسل جاكوبي مؤلّفه «نهاية اليوتوبيا» من خلال رسالة  صامويل كولريدج إلى صديقه الشاعر وليم ووردزورث في عام 1799 يحثّه فيها على النهوض لمقاومة حال التبرم والنزعة السلبية السائدة لدى مثقفي فرنسا آنذاك, نزعة تميل إلى الاعتقاد بنهاية «الحلم» في حقبةٍ تفرض عليهم إما القبول، أو الإذعان، فلا بدائل أخرى ولا سبيل إلى عالم ٍ أفضل، فالمستقبل حتماً وفي أحسن أحواله صورة مطابقة للحاضر، ولكنها أسوأ بوجه العموم..

مثقفو «الثورة»
بين اليسار «المتقاعد» واليسار «التائب» رعشة ٌ ثورية أصابت تلك الثلة من المنظرين الذين أطلقوا على أنفسهم لقب «مثقفو الثورة», مستوى من الحماس منقطع النظير انطلق مع بداية الاحتجاجات التي شهدتها سورية, حماس ٌ يبدو من حيث الشكل اندماجاً مع قضايا الشعب وحاجاته، ولكنه في الحقيقة لا يعدو كونه تجلياً آخر من تجليات «اغتراب» تلك النخبة عن العامة, حقيقةً يثبتها لنا اليوم ذاك الانحراف السريع والكبير لدى معظمهم ليتحولوا بين ليلةٍ وضحاها من منظري «ثورة» إلى منظرين للـ«اللا أيديولوجيا واللا تنظير» حسب ما يدعون...!!
«بلا سياسة، بلا حكي فاضي»..
«بلا تنظير، بلا أيديولوجيات وأحلام..., مارح تزبط معنا...»
مع ازدياد تعقيدات الأزمة السورية وتشابك معطياتها، بدأت ظاهرة الانسحاب التكتيكي لدى غالبية «أحرار اللحظة», انسحاب ٌ مر ّ بمراحل سريعة ومتعاقبة، تجلّت في بداياتها بإطلاق شعارات وخطابات ذات طابع «جمهوري.. وديموقرطي.. وإنسانوي» دون  أن يخلصوا منها إلى شيء، لتنتهي اليوم بموجةٍ فاقعة من السلبية والعدمية، ليعلنوا ببؤس انهيار زمن الانتصار، وتلاشي الأحلام، والتعب من تلك الأفكار المثقلة بالحرية والتغيير، رافعين شعارهم الجديد-القديم «نهاية الأيديولوجيا..»
نهاية الأيديولوجيا... نهاية اليوتوبيا
في سبتمبر عام 1955 اجتمع عدة مئات من الكتاب والباحثين في متحف «ميلان الوطني للعلم والتكنولوجيا» وانتهى هذا المؤتمر في تقريره النهائي إلى الخلاصة التالية: «إن ما كان ممكناً بالنسبة لأجيال سابقة لم يعد ممكناً لجيل اليوم»، علماً أن هذا المؤتمر ضم عدداً من مثقفي اليسار الراديكالي الأوروبي «التائب» آنذاك، المجتمعين تحت سقف ورعاية «منظمة حرية الثقافة» والتي اتضح بعد تاريخ انعقاد هذا المؤتمر بوقت طويل لاحقاً حجم ارتباطها بالمخابرات المركزية الأمريكية, وكم الأموال التي تلقته في محاولة لدعم الليبراليين المعادين للشيوعية آنذاك...
«أفيون المثقفين»..
في مطلع كتابه «نهاية اليوتوبيا» يتحدث المؤلف راسل جاكوبي عن حجم الدعاية التي حاولت الليبرالية نشرها عن أوساط مثقفي أوروبا آنذاك, أمثال رايموند أرون, أحد المنظمين الأساسيين لمؤتمر ميلان الآنف الذكر، والذي كان من المبشرين بنهاية العصر الأيديولوجي، من حيث أن الأيديولوجية، حسب رأيه، تعني الثورة واليوتوبيا, وهذان على حد تعبيره قد انتهيا...!! ليطرح بعد ذلك تساؤله الشهير: «هل ما تزال هناك حاجة لإدانة أفيون المثقفين ..؟ ألم يحمل ستالين معه إلى الموت لا (الستالينية) وحدها بل أيضا ً عصر الأيديولوجيا..؟».
 يكثّف هذا التساؤل ما قصده في كتابه «أفيون المثقفين», وأرون هذا ليس سوى نموذج من جوقة أصوات انتشرت في أوروبا والولايات المتحدة وتصاعدت خلال عقد الخمسينيات منهم أستاذ جامعة هارفرد والذي أكد في محاضرته على «نهاية اليسار» أو «نهاية الأيديولوجيا السياسية».
المهزومون الجدد..
في لحظات تاريخية تزداد فيها حاجة مجتمعاتنا إلى منظرين ومفكرين، يرسمون ويخطون لها رؤى واضحة وبدائل متماسكة، تعود تلك «النخبة» لتخط نظريات ورؤى لا تمت للواقع السوري وحاجاته بصلة. يستمر اليوم هؤلاء باستهلاكهم لنظريات أوليائهم في الغرب الأوروبي والأمريكي, فمقولة «بلا تنظير... ما في أمل» لا تتناسب والواقع السوري الطارئ اليوم، بقدر ما تتوافق مع من رددوا بيوم من الأيام تلك المقولة الداعية إلى «نهاية الأيديولوجيا», دعاية ٌرافقت حقبةً من الإنهاك السياسي والتراجع على المستوى العالمي في خمسينيات القرن المنصرم..