_
التبغ في موسم 2019...  سعر الحكومة نصف سعر السوق

التبغ في موسم 2019... سعر الحكومة نصف سعر السوق

يقول مزارعو الدخان إن الدونمات القليلة التي تزرع من التبغ، تستنزف المزارع عاماً كاملاً، فعندما يباع التبغ في شهر أيلول تقريباً، يبدأ المزارع في شهر تشرين بتجهيز المساكب، ويزرع بين شباط وآذار وفقاً للمناطق، وتستمر العمليات اللاحقة حتى جمعه مجدداً في الخريف. أدخلت زراعة التبغ إلى سورية من 1580 م أيام الاحتلال العثماني، وكانت اللاذقية أولى مناطق زراعته... المحصول الذي يزرع في الملكيات الصغيرة يحقق معدل ربح جيد، ولكنَّ رقماً قليلاً في الملكيات الصغيرة يجعل زراعة التبغ غير محفزة ومجدية، وتحديداً عند مقارنة سعر مؤسسة التبغ مع سعر السوق ومع مرابحها. 

تُدار عملية مساحات زراعة التبغ وجمعه وتصنيعه من قبل إدارة حصر التبغ والتنباك، التي يعمل في تعدادها 10 آلاف عامل، ويرتبط بها عدد كبير من المزارعين يقدّر عددهم بـ 60 ألف مزارع تقريباً.

بلغت المساحة المخصصة لزراعة التبغ لموسم 2019-2020 حوالي: 5500 هكتار تقريباً: (55572 دونماً) وهي المساحة المرخصة التي على المزارعين الالتزام بها تحت طائلة المخالفة وإتلاف المساحات الإضافية المزروعة، وعليهم أيضاً أن يسلموا إنتاجها المقدر للمؤسسة بمعدل سماح بنسبة 20% زيادة أو نقصاناً تتغير سنوياً، فإذا ما نقص المحصول المسلم عن النسبة الموضوعة للسماح يدفع المزارعون مخالفات.
بالعموم، وكما في العديد من الزراعات السورية، يعزف المزارعون عن الزراعة أو توسيع زراعتهم، فالجدوى الاقتصادية تقل، ومقابل ارتفاع أسعار شراء المؤسسة 2-3 مرات، فإن أسعار مستلزمات الإنتاج ارتفعت 10 مرات خلال السنوات الماضية.
حيث يقارن المزارعون بين سعر محصولهم (الدخان العربي) في السوق الذي يتراوح بين 5000-6000 ليرة للكغ، وبين أعلى سعر تضعه المؤسسة وهو 3000 ليرة، أي سعر السوق ضعف السعر الأعلى للمؤسسة... بينما وسطي الأسعار الرسمية للأصناف والمستويات فلا يتجاوز 1700 ليرة، ما يجعل سعر السوق ثلاثة أضعاف السعر الوسطي لشراء الريجي من المزارعين.

تكاليف إنتاج دونم في اللاذقية

تكاليف كغ الدخان تختلف حسب الأصناف، والتي يوجد منها في سورية 7 أصناف رئيسة (شك البنت- تنباك- فرجينيا- برلي- بصما- بربلين- كاتريني) وتختلف بين مرويّ وبعليّ، كما تختلف بحسب النوع الوظيفي (قوة، عطري، مذاق سكري، نصف عطري، امتصاص). وأيضاً تتباين إنتاجيتها في الدونم فبينما البصما العطري ينتج 60-80 كغ في الدونم، فإن الفرجينيا المروي (مذاق سكري) يعطي 450-550 كغ في الدونم، وهو نوع أمريكي المنشأ ومن أكثر الأنواع إنتاجية، أما النوع البعلي (شك البنت) فعملياً ينتج في الدونم 150-250 كغ، وهو من الأنواع ذات المنشأ المحلي سوري الأصل، والنوعان الأخيران هما الأكثر انتشاراً والأعلى ربحية.
ولكن من دراستنا لصنفين شائعين مروي وبعلي فإن التكلفة تتراوح بين 500-600 ليرة للكيلو، وربح الكيلو يتراوح بين 1000- 1200 ليرة إذا ما بيع بالسعر الرسمي الوسطي للنوع. ولكن بالمقابل فإن سعر السوق عشرة أضعاف التكلفة! وهذه الفروقات الكبيرة تجعل العلاقة بين المزارعين وإدارة المؤسسة مختلة، حيث يسعى المزارعون لتهريب كميات من دخانهم للسوق، وتدقق المؤسسة على المساحات المخالفة الإضافية بينما لا تستطيع أن تستوعب كميات إنتاج أكبر أو ترفع السعر...
فالمزارعون مع ملكياتهم الصغيرة في الجبال الساحلية وهي أماكن الزراعة الأساسية، لا يزرعون أكثر من 10 دونمات إلا في حالات قليلة وربما نادرة، والمرابح الرسمية في 10 دونم تستهلك عاماً كاملاً من العمل تصل بأقصى حالاتها إلى 6 ملايين ليرة، ودخل شهري حوالي: 500 ألف ليرة، لأسرة تعمل في هذه الزراعة. وبطبيعة الحال كلما قلت المساحات كلما أصبحت التكاليف أعلى والربحية أقل والجهد المبذول لعام كامل لا يحقق دخلاً وفق السعر المذكور، وخصوصاً أنَّ المزارعين يكررون القول إن التصنيفات الرسمية تبخس دخانهم حقّه وتقلل سعر الشراء، ويعملون هم بالمقابل على تهريب جزء من الدخان للسوق، في التفاف على المخالفات وكمحاولة ضمانة هامش ربح أعلى وذلك عبر زيادة سقي المحصول أو زيادة تسميده ليحصلوا على إنتاج أكبر في المساحة. ولكن هذه العمليات بدورها تقلل النوع وتخفض السعر الرسمي، وتزيد تكاليفهم...
الجدول التالي (1) يبين تفاصيل التكاليف لزراعة دونم من تبغ شك البنت البعلي، والذي يزرع في الأماكن الأكثر ارتفاعاً، ويعتبر عالي النيكوتين، وذلك وفق تسلسل العمليات الزراعية زمنياً، أما الجدول (2) فيبين التكاليف الإجمالية في الدونم للنوعين، والمرابح لكل منهما.

 

 

 

 

حيث يتبين أن التكاليف موزعة بين العمليات الزراعية المختلفة، ولكنها كبيرة في الأعمال الزراعية لتأهيل الأرض، وفي التسميد. ويتبين أن معدل الربح في الدخان المروي فرجينيا أعلى من الدخان البعلي، ويعود هذا للفارق الكبير في الإنتاجية، فدونم المروي يعطي 500 كغ وسطياً، بينما يعطي دونم البعلي 195 كغ وسطياً، وفق نموذج من قرية بشلاما في اللاذقية لأعوام متتالية. أما السعر الوسطي للكيلو فلا يختلف كثيراً حيث يقارب 1600 ليرة في البعلي، و1700 ليرة في المروي.

إنتاجية عالية عالمياً وإنتاج متراجع

إن مقارنة بسيطة بين إنتاجية الهكتار من التبغ في سورية مع الإنتاجية عبر العالم، تشير إلى أن المساحات القليلة المزروعة في سورية عالية الإنتاجية.

 

 

 

 

 

فبالمقارنة مع وسطي إنتاجية الهكتار في تركيا فإن الإنتاجية السورية أعلى بنسبة 64%، أما بالمقارنة مع الإنتاجية الوسطية في تنزانيا وهي ضمن أكبر عشر منتجين عالميين في 2017، فأيضاً الإنتاجية الوسطية في الهكتار السوري أعلى بنسبة 57%. وهي ضمن مستويات الإنتاجية المرتفعة عالمياً، وفقاً لبيانات منظمة الغذاء والزراعة fao.
ولكن زراعة التبغ كما غيرها قد تراجعت كثيراً خلال سنوات الأزمة، فبينما كمية الإنتاج المتوقعة لمحصول التبغ هذا العام 11 مليون كغ بتراجع 2,5 مليون كيلو عن موسم العام الماضي. فإن التراجع عن مستوى ما قبل الأزمة يقارب نسبة 37%من إنتاج 2011. أما بالمقارنة مع أعلى مستوى إنتاج في عام 2000 فقد تراجع إنتاج التبغ بنسبة 60%. ويعود هذا التراجع لتراجع المساحات المخصصة والمخطط لها، والتي بتحديدها هذا العام بـ 5500 هكتار، فإنها تسجل تراجعاً عن عام 2017 يقارب: 40%.


40 ألف ليرة لكل فرد من أُسر مزارعي التبغ!

يمكننا القول إن كل شخص من أسر مزارعي التبغ في سورية البالغ عددهم قرابة 60 ألف مزارع، يحصل على حصة من دخل وسطية من ربح التبغ تقارب 40 ألف ليرة فقط لموسم عمل كامل. فعملياً وفق سعر بيع محلي وسطي يقارب 1700 ليرة لكغ الدخان، وإنتاج قد يقارب 11 مليون كيلو، فإن القيمة المحلية لزراعة التبغ في موسم 2019 تقارب: 18,7 مليار ليرة، هذه القيمة توزع على 60 ألف مزارع أي 60 ألف أسرة وأكثر من 300 ألف شخص. إن دخل التبغ قليل جداً بالقياس إلى عدد العاملين في هذا القطاع، وإلى إمكانياته... ما يدفع باتجاه تمركز الإنتاج لتصبح الجدوى أعلى ويتخلى صغار المزارعين عن زراعة دونمات قليلة لا تجدي نفعاً.

35 ليرة كلفة الدخان من (الحمرا)!

إن كلفة التبغ الموجود في باكيت الحمرا الطويلة لا تزيد عن 35 ليرة، فعملياً تحتوي الباكيت على 20 غراماً من التبغ فقط، اشترته المؤسسة بسعر وسطي من المزارعين 1700 ليرة للكيلو، حيث إن هذا الكيلو يتوزع على 50 باكيتاً سعرها في السوق 200 ليرة لكل واحدة منها... إن سعر شراء المؤسسة ليس منخفضاً بالقياس إلى التكاليف، ولكنه منخفض بالقياس إلى السعر الرائج في السوق، وبالقياس إلى سعر بيع الدخان الأجنبي وحتى المحلي في السوق. وهذه الفروقات ينبغي إيجاد حل لها، لأنها مع عملية حصر الإنتاج بالمؤسسة تفتح تاريخياً لأبواب فساد وتهريب، وبيع في السوق وإلخ...

الاستيراد 10 أضعاف

تقلل المؤسسة مساحات زراعة الدخان لأنها لا تستطيع التصدير ولا توسع عمليات إنتاجها بمقدار قدرة الإنتاج من التبغ المزروع الخام. والنتيجة تكون هدراً في قدرات زراعية وإمكانيات دخل. وبالمقابل تخصص مبالغ كبيرة لاستيراد التبغ من الخارج الذي يحتل المرتبة الرابعة في مستوردات سورية لعام 2018: بمبالغ تقارب 347 مليون دولار أي أكثر من 10 أضعاف قيمة التبغ المدفوعة للمزارعين. إن تقليص استيراد الدخان، يمكن أن يتحول إلى زيادة المساحات وزيادة الأسعار للمزارعين، وزيادة إنتاج الدخان المحلي عبر الإنفاق على مؤسسة التبغ صناعياً لتحسن الجودة وتنوع المنتجات...

 

 

 

 

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
938
آخر تعديل على الإثنين, 04 تشرين2/نوفمبر 2019 12:09