_
حول رفع الدّعم... نقاش يمهّد لنوايا مبيّتة!

حول رفع الدّعم... نقاش يمهّد لنوايا مبيّتة!

تُنبئ بعض التصريحات والإشاعات وبنود الموازنة بأن تغييرات قد تحدث على ما يسمى (منظومة الدّعم) في سورية باتجاه تقليصها طبعاً... وعلى وجه التحديد تحرير أسعار منتجات الطاقة التي لم يتم تحريرها بعد، وربما الخبز... فما الذي تبقّى فعلياً من الدّعم؟ وإلى أين قد يدفع التخلي عنه نهائياً، وهل من ذرائع تبرر هذا التوجه؟

الدّعم في سورية هو سياسة تثبيت الأسعار حيث يساهم المال العام في تخفيض أسعار مواد أساسية (المازوت والبنزين والفيول والكهرباء والخبز وهي المواد والخدمات الأساسية المدعومة) عبر دفع جزء من تكاليفها ليكون سعرها في السوق السورية متناسباً مع مستويات الأجور النقدية القليلة تاريخياً في سورية، ولتخفّض تكاليف المنتجين.

الدّعم وأهميته تاريخياً

غطَّى المال العام تكاليف الدّعم من وارداته التي كانت تأتي بالدرجة الأولى من قطاع الصناعة الاستخراجية (الطاقة) ومن مداخل زراعية أساسية كان القمح أهمها، أي إن القطاعات المدعومة كانت مصدراً أساسياً من مصادر دخل المال العام. ولم تكن سورية استثناءً (اشتراكياً) في هذه السياسة بل كان هذا حال الأمر لدى كل الدول المنتجة للنفط والمشتقات، والتي تبيع منتجاتها في أسواقها بسعر أقل، من الخليج إلى فنزويلا إلى غيرها عبر العالم...
كان لهذه السياسة ما لها وما عليها، ولكن منطلقها كان تقليص تكاليف الطاقة، وهي مدخل أساس في كافة مراحل الإنتاج والتسعير في السوق السورية، أما دعم سعر الخبز وغيره من مواد غذائية سابقاً، فارتبط بسياسة الأمن الغذائي بعد أن بينت أزمة الثمانينات حجم فجوة السيادة الغذائية السورية، فأصبح القمح بعدها سلعة بمثابة هدف إستراتيجي تتحكم الدولة بكافة مراحل إنتاجها وتسعيرها، وتنتج بكثرة وتباع بسعر مدعوم، ودعم الرغيف سياسة عالمية بمثابة الحد الأدنى لأشكال الحماية الاجتماعية.
إنَّ أسعار المحروقات المنخفضة في سورية كانت الدعامة الجدية الوحيدة لتنافسية الإنتاج الصناعي والزراعي السوري الذي لم ينعم يوماً بدعم جدّي من نوع آخر: تكنولوجي أو بنى تحتية أو تمويلي أو تسويقي وغيرها من المهمّات التي تتصدى لها السياسات الاقتصادية. كما أن الأسعار المخفّضة للطاقة كانت المساهم الأساس غير المباشر في الدّعم الحقيقي للأجور السورية النقدية عبر تخفيض المستوى العام للأسعار في سورية قياساً بالإقليم، ما جعل الأجر السوري ذا الآلاف القليلة قادراً نسبياً.

الدّعم عمود نهب أساس

كل ما يقال عن تحول الدّعم إلى بوابة نهب أساسية كان ولا يزال صحيحاً، إذ مع ترسخ نموذج مصالح الفساد الكبير في سورية كمحدد لتسيير السياسات... تحوَّل الدّعم إلى واحدة من دعامات النهب.
فعمليّاً كانت التقديرات بأن مخصصات التهريب من المحروقات تقارب 30% من الكميات. وعدا عن مخصصات التهريب، فإن المليارات الموضوعة للدعم لم تكن دقيقة، وتفتح تساؤلاً على موضع صرف هذه الأموال. وقد بينت الأرقام الرسمية لكلف الإنتاج والتكرير في سورية أنّ تسعير المنتجات 10 أضعاف التكلفة الفعلية المسعّرة عالمياً، أي إن أسعار بيع المنتجات المدعومة كانت أعلى من سعر التكلفة، وتحقق أرباحاً على الأقل في بعض المواد دون غيرها. ومن هذا فإن دعم المحروقات ودعم الكهرباء التي تشكل المحروقات نسبة 85% من كلفها لم يكن دعماً موجوداً فعلياً، فعموم التكلفة أقل من السعر المدعوم.
(يمكن مراجعة نقاشات رفع الدّعم كرد على وزير المالية في 2007 في جمعية العلوم الاقتصادية- قاسيون).

رفع الأسعار غطّى الدّعم منذ 2014

شعار عقلنة الدّعم ارتفع بقوة خلال الأزمة، وهو لم يغب عن أصحاب الطرح الليبرالي الاقتصادي المتطرف في سورية منذ الحديث عن الإصلاح الاقتصادي في عام 2003. وانتقلت السياسات خلال الأزمة للتحرير التدريجي لأسعار المحروقات أي إنهاء الدّعم.
وعلى الرغم من أن مليارات الدّعم كانت تتصاعد سنوياً في الموازنة، لكن كان تزداد مقابلها ما تسمى إيرادات فروقات الأسعار، والتي أصبحت منذ 2014 تغطي نسبة 93% من رقم الدّعم، وأصبحت أكبر من الدّعم أي تحقق إيرادات صافية في عامي 2016-2018.
وسترتفع إيرادات فروقات الأسعار الحكومية في 2020 لتصبح أكثر من 1000 مليار ليرة بينما كانت في موازنة 2019: 774 مليار ليرة، بزيادة 30% تقريباً.
المصدر الأساس لهذه الإيرادات هو رفع أسعار مبيعات الدولة من المواد الأساسية كالمحروقات، وعملياً انتقلت أسعار البنزين لتصبح محرّرة، وأسعار المازوت قريبة من السعر العالمي وكذلك الفيول. ولم يتبقَ إلا سعر كيلو واط الكهرباء، يباع بأقل من التكلفة في تسعيرة الشرائح الأقل سعراً، بينما مبيع الكيلو للشركات العامة والخاصة والقطاع الحرفي والتجاري والصناعي أعلى من التكلفة ورابح.

ماذا يغطِّي الدّعم اليوم؟

يُغطِّي الدّعم حالياً سعر ربطة الخبز، وبأرقام مختلف عليها، ويُغطي أيضاً فاتورة مبيع الكهرباء للمنازل، وجزءاً قليلاً من تكاليف الغاز المنزلي، ولا يزال سعر المازوت محدداً حتى الآن بسعر قريب من التكلفة العالمية.
وعملياً تقليص تكاليف الدّعم اليوم سيكون تعِّدياً على واحد من هذه المواضع القليلة المتبقية، ليصبح سعر المازوت والغاز محرراً، وترتفع تكلفة الكهرباء المنزلية، ويرتفع سعر ربطة الخبز إلى حدود 200 ليرة بالحد الأدنى.

ماذا يحقق رفع الدّعم؟

قد تحقق سياسة رفع الدّعم عن بقايا هذه المواد وفورات للمالية العامة، وإيرادات أعلى. ولكن ما الهدف الحكومي من هذه الإيرادات الإضافية على حساب سعر الخبز والكهرباء والمازوت؟
هل الهدف زيادة الأجور؟ الحكومة لا تبدو في هذا الوارد... وهي تربط زيادة الأجور بزيادة التشغيل والإنتاج، وحتى لو تم تحقيق وفر يبلغ 400 مليار ليرة تقديرياً وتوجّه بكامله لزيادة الأجور، فإنه يستطيع أن يضاعفها بنسبة 100%، وينقل الأجر الوسطي من 35 ألف إلى 70 ألف ليرة ليبقى غير قادر على تغطية الغذاء لأسرة، وبالمقابل يطلق عنان الأسعار في السوق عبر تفليت آخر حلقات تحديد السعر.
هل الهدف تحقيق وفورات تستخدم في العمليات الاستثمارية؟ لا يبدو النقص في السيولة هو المشكلة الحالية في سورية، بل إن فائضاً من السيولة يتكدس في المصارف العامة والخاصة ما يزيد على 3000 مليار ليرة، وآلاف المليارات أيضاً توضع في الموازنات دون أنَّ تتحول إلى عمليات استثمارية إنتاجية، والسؤال الأهم أليس هنالك مواضع لتحقيق وفورات للمال العام عدا بقايا الدّعم؟! وهو ما سنعود إليه لاحقاً...
أم إن الهدف رفع كفاءة هذه الخدمات وإيقاف نهبها؟ إنَّ رفع الدّعم قد ينهي أرباح (شقيعة الفساد) وحلقاته الوسطى من بقايا دعم المحروقات، ولكنّه يُشرعن عملياً ربحاً كبيراً لكبار الوسطاء المتنفَّذين مستوردي المحروقات، وللجهات الخاصة المشاركة في عملية (رفع كفاءة القطاع) كما في شركة تكامل التي تحصل على حصة من مبيعات المحروقات... إنه عملياً قوننة حصة كبار المتنفذين، وإنهاء آخر عقبة أمام إزاحة الدولة من هذه السوق الكبيرة لتصبح متاحة للخصخصة التامة والاستثمار الربحي.
أيَّاً تكن الأهداف الحكومية، فإن الأمر الوحيد مضمون النتائج لسياسة التلاعب ببقايا الدّعم، هو ارتفاع المستوى العام للأسعار، وإطلاق يد السوق لتعمل في مجال أساسٍ جديد تتحكم بسعره، والأكيد أيضاً، ارتفاع مستوى الاحتقان والضغط الذي لا يمكن أن يكون بعيداً عن الانفجار، ويفتح جميع الاحتمالات في ظروف البلاد المعقدة اليوم.

المصدر: محاضرة د. رشا سيروب تحليل الحالة الراهنة للمالية العامة.

 

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
939
آخر تعديل على الإثنين, 11 تشرين2/نوفمبر 2019 11:29