ارتفاع الأسعار وزع الأوراق بالتساوي الفقر للناس، الأرباح للسوق، والتصريحات للحكومة

ربما تكون البصمة الاقتصادية الوحيدة التي تركها العام المنصرم على حياة الناس في سورية هي بصمة ارتفاع الأسعار، ذلك الارتفاع الذي وسم مستواهم  المعيشي بندبة قوية جدا قد يحتاجون للشفاء منها أعواماً كثيرة قادمة.

الأسعار التي حلقت عاليا دون أدنى ضوابط لها، عمقت بالمقابل حفرة التردي والفقر والتدهور المادي للناس. ازداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا، وتضخمت جيوب التجار والصناعيين والمضاربين والمستوردين، واتسعت ثقوب جيوب الموظفين والمتقاعدين وذوي الأعمال الحرة ومن لا عمل لهم. وفي ظل غياب أي دور اقتصادي فعال ومقنع للحكومة السورية تجاه مسألة الأسعار، وفي ظل غياب أية إستراتيجية اجتماعية اقتصادية متماسكة، وقعت الواقعة وارتفعت الأسعار، وارتفعت التصريحات بأكثر منها، وكعادتها شحذت الحكومة حرف السين وعلت نداءات التسويف، وأُطلقت الوعود حتى بحت حناجر الوزراء والمدراء، وطارت دوريات الرقابة وحطت في كل مكان، ولكن سبق السيف العزل، وكان الواقع أصدق أنباء من كل التصريحات والأقوال.

أزمة مركبة

تشير البيانات الإحصائية الرسمية أن الاقتصاد السوري ومنذ أربع سنوات تقريبا يمر بحالة مستمرة من ارتفاع الأسعار وصلت إلى حد الذروة خلال العام المنصرم، ففي العام  الماضي ونتيجة تمازج الأوضاع السياسية الخارجية الضاغطة على سورية مع الأوضاع الاقتصادية الداخلية المتدهورة، ظهرت أزمة ارتفاع سعر صرف الدولار كتعبير عن أزمة سياسية اقتصادية مركبة ووجد الاقتصاد نفسه في مواجهتها بشكل سريع ومفاجئ ودون أدنى احتياطيات لها، تلك الأزمة ساهمت أكثر في تخلخل الوضع الاقتصادي العام المتصدع أصلا، فكان أحد أهم نتائجها ارتفاع شديد في المستوى العام للأسعار، وحدوث طفرة سعرية سريعة جدا، ومباشرة تحول ارتفاع سعر صرف الدولار إلى الشماعة التي علقت عليها كل الأسباب والنتائج الكارثية وراء ارتفاع الأسعار. وقدم ذلك على أنه التبرير الوحيد والمباشر لها، فهل الدولار هو السبب حقا؟ وهل بدأت درجة حرارة الأسعار ترتفع عندما ارتفع الدولار فقط؟

 كشف ارتفاع الأسعار الغطاء عن عجز السياسات الاقتصادية عن السيطرة أو التحكم بسياسة الأسعار، أو بالأحرى قد كشف النقاب عن عدم وجود سياسة واضحة لضبط الأسعار أو لمواجهة حالات طارئة. وكانت النتائج أن ارتفاع الأسعار تراوح ما بين 10% إلى 55% للعديد من السلع الاستهلاكية الأساسية بدءا من الزيت والسكر والأرز وانتهاء بالعقارات التي كانت ملكة ارتفاع الأسعار قولا واحدا. سعر صرف الدولار الذي تحمل كل المسؤولية قد عاد إلى وضعه الطبيعي تماما لكن الأسعار لم تعد إلى وضعها أبدا حتى الآن، فمن المسؤول عن بقائها مرتفعة إذا؟ والسلع المستوردة قبل ارتفاع سعر صرف الدولار وأثناء ذلك الارتفاع وبعده بقيت مرتفعة ولم تنخفض، وما زالت هناك أسعار مفلتة من قمقم السيطرة دون أدنى قدرة على ضبطها. لن ينفع البكاء أو الندب على ما حصل، الشيء الوحيد الذي ينفع هو البحث عن حل لما هو آت من ارتفاعات مستقبلية للأسعار، أي التفتيش عن سياسة سعرية من الناحية الآنية لضبط فلتان الأسعار المتكرر، ورسم سياسة اقتصادية واضحة من الناحية المستقبلية لوقاية نصف الشعب السوري من الارتماء في أحضان الفقر واللامساواة. ذلك الفقر الذي اعترفت به الحكومة رسميا على أنه شمل حوالي 5 ملايين مواطن سوري في عام 2005. وتلك اللامساواة التي جعلت أثرى وأغنى 20% من السكان ينفقون 45% من مجمل الإنفاق، في حين جعلت أفقر 20% منهم ينفقون 7% فقط من إجمالي ذلك الإنفاق. وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على اتساع فجوة اللامساواة بشكل كبير بين الناس، تلك الفجوة التي يعمقها يوما بعد يوم ارتفاع الأسعار، وجمود الرواتب والأجور في القطاع العام، واستغلال القطاع الخاص لهذا الوضع وضغطه للأجور للحدود الدنيا وخاصة في ظل غياب تشريع قانوني فعال يضمن حقوق أولئك العمال.

هذه أرقامهم واحكموا أنتم

لم يشهد عام 2004 أي انخفاض في أسعار أي من السلع الأساسية وغير الأساسية على الإطلاق، وهذا ما استمر أيضا في عام 2005، وحتى تصدر البيانات الرسمية عن نسب ارتفاع أسعار العام المنصرم دعونا نذكركم بنسب ارتفاع هذه الأسعار في عام 2004، ففي ذلك العام وبمقارنة أسعاره مع أسعار عام 2000 فقد ارتفعت فيه أسعار اللحوم والبيض بـ28% وأسعار الخضراوات بـ26% وأسعار الوقود والإضاءة والماء بـ21%وأسعار الأدوية والمعالجة بـ27%، أما أسعار الإيجارات فقد زادت بنسبة 34% عما كانت عليه في حين ارتفعت تكلفة التعليم والثقافة بنسبة 44%، هذا عدا عن سلسلة طويلة جدا من المواد الغذائية وغير الغذائية التي طالها ذلك الارتفاع. وهنا نذكر بأن عام 2004 كان قد شهد زيادة في الرواتب والأجور للعاملين والدولة والقطاع الخاص وصلت لحدود 20% فقط، وبمقارنة هذه الزيادة مع مستويات الأسعار تلك نجد أن تلك الزيادة لا معنى لها من الناحية العملية أبدا، وبـأنها قد امتصت تماما، وإذا كان من المتوقع أن تكون هناك زيادة في الرواتب والأجور عام 2006 فما هي النسبة التي ستزيدها لتمتص ارتفاع الأسعار الذي حصل ولتعوض الناس وخاصة موظفي القطاع العام عن تدني وضعهم المادي وترديه؟ في العامين السابقين وإزاء تلك الأسعار بدت السوق مسيطرة تماما على زمام الاقتصاد، وبدت الحكومة مسيطرة على زمام التصريحات الإعلامية فقط. وبين ضغط السوق والفراغ الحكومي تدهور الوضع المعيشي للمواطنين أكثر، وبدأ العديد منهم يسجل في خانة الفقر تلقائيا.

فقراء جدد بلا منازع

بات من شبه المؤكد أن ارتفاع الأسعار المستمر سيدفع بطبقة كبيرة وجديدة من الناس إلى هاوية الفقر دون رحمة أبدا، نقول هذه الكلام ونحن مستندون إلى تقرير مسح دخل ونفقات الأسرة لعام 2004 الصادر عن المكتب المركزي للإحصاء، ذلك المسح الذي جاء فيه أن نسبة 56% من الذين يعملون في سورية في القطاعات الاقتصادية كافة تقل رواتبهم عن 6 آلاف ليرة سورية شهريا، في حين أن 11% منهم فقط تزيد رواتبهم عن 9 آلاف ليرة شهريا، وبات من الواضح تماما ودون الحاجة إلى اقتصاديين مختصين وبعيدا عن مصطلحات خطوط الفقر ودراساته الخاصة، بات واضحا أن 6 آلاف ليرة بالشهر للشخص الواحد تعني بجدارة حياة على حد الكفاف. وتعني حياة مكونة من خبز وماء وفواتير كهرباء واتصالات ومواصلات فقط، وتعني حياة خالية من شروط الحرية الإنسانية من ثقافة وعلم وترفيه وإبداع وحقوق مادية ومعنوية أخرى. فما الذي ستفعله الموجات العالية من الأسعار بهؤلاء إن استمرت بالتقدم تجاههم؟ وما هو مصير الطبقة الأكثر ترديا من الناحية المادية التي هي طبقة موظفي القطاع العام؟. هؤلاء الموظفين البالغ عددهم قرابة المليون موظف والذي يتقاضى ثلثهم تماما رواتب أقل من 6 آلاف ليرة شهريا.بل وماذا عن مصير الطبقات التي لا تعمل من متقاعدين وعاطلين عن العمل وطلاب؟

مقص الأسعار يلتهم الطموحات الاقتصادية والاجتماعية لأكثرية الطبقات في سورية، ويخل بشكل دائم بتوزيع الثروة الاجتماعية، ويساهم بإعادة الترتيب والاصطفاف الاجتماعي، والسياسات الحكومية ينتابها الانكماش، والضبابية، وبالوقت نفسه تقرع الطبول لاقتصاد السوق الاجتماعي، فمن نصدق؟ والواقع أمامنا يختصر الكثير.   

■ أيهم أسد

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.