سلاسل القيمة في العصر الرقمي: الاستغلال العمالي والإبادة البيئية المنظومية
يطرح هذا المقال مقاربة نقدية عميقة للعلاقة بين التكنولوجيا الرقمية وسلاسل القيمة العالمية، متجاوزاً الخطاب السائد الذي يروج لفكرة «الانتقال المزدوج» (الرقمنة والاستدامة) بوصفهما مساراً نحو اقتصاد أكثر خضرة وعدالة. يرى المؤلِّف: أن هذه الرواية، التي تتبناها مؤسسات كبرى، مثل: الأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، تغفل الحقيقة الجوهرية: أن الرقمنة، في إطار الرأسمالية، ليست سوى أداة لتكثيف استغلال العمل، وإمعان في نهب الطبيعة، بما يرسخ «إبادة بيئية منظومية» بدلاً من أن يخفف من حدة الأزمة البيئية.
بنجامين سلوين بتصرف
الإطار النظري: الصدوع الاستقلابية والجسدية والإبادة المنظومية
يعتمد المقال على مفاهيم ماركسية في تحليله، مستعيراً فكرة «الصدع الاستقلابي» (Metabolic Rift) التي تشير إلى الانفصال القاتل بين دورات الإنتاج الرأسمالي المتسارعة، ودورات التجدد البطيئة للأنظمة البيئية. فحين تستنزف الرأسمالية التربة والمياه والغلاف الجوي بوتيرة تفوق قدرة الطبيعة على التعافي، فإنها تُحدث خللاً بنيوياً لا يمكن تداركه عبر تحسينات تقنية محدودة.
إلى جانب ذلك، يطرح الكاتب مفهوم «الصدع الجسدي» (Corporeal Rift) لوصف الأذى المباشر الذي يلحق بأجساد العمال عبر أنماط الإنتاج المكثفة، سواء في المناجم، أو المصانع، أو مراكز الخدمات الرقمية. فجسد العامل، بصفته موقعاً للاستقلاب بين الإنسان والطبيعة، يُعاد تشكيله باستمرار وفق متطلبات التراكم الرأسمالي، مما يؤدي إلى أمراض مهنية، إصابات مزمنة، واستنزاف جسدي ونفسي.
أما «الإبادة البيئية المنظومية» (Systemic Ecocide) فمصطلح يتجاوز التعريف القانوني الضيق الذي يربط الإبادة البيئية بأفعال فردية أو كوارث مفاجئة، ليصف نمطاً متكرراً ومنظماً من التدمير البيئي واسع النطاق وطويل الأمد، ينتج عن الأداء العادي لسلاسل القيمة في ظل المنافسة الرأسمالية. وهذه الإبادة ليست استثناءً، بل قاعدة راسخة في النسيج الاقتصادي المعاصر.
دراسة حالة: سلسلة قيمة بطاريات الليثيوم
يختار الكاتب سلسلة قيمة الليثيوم نموذجاً تطبيقياً لاختبار فرضياته، نظراً لأهمية هذا المعدن في التحول الرقمي والانتقال الطاقي المزعوم. يستخرج الليثيوم بطريقتين رئيسيتين: التعدين الصخري في أستراليا، واستخلاص المحاليل الملحية في تشيلي.
في أستراليا، يكشف المقال عن أوضاع مأساوية في منجم غرينبوش، حيث تتجاوز مستويات الغبار السامة الحدود الآمنة مراراً، مما يعرّض العمال والسكان المحليين لأمراض تنفسية خطيرة. وتجري عمليات التعدين بوتيرة متزايدة لتلبية الطلب العالمي، دون توقف رغم التحذيرات الصحية.
أما في تشيلي، فتتركز عمليات الاستخلاص في صحراء أتاكاما، حيث تستنزف المياه الجوفية بنسبة تصل إلى 30% في بعض المناطق، مما يهدد النظم البيئية الهشة، وسبل عيش مجتمعات الكولا والليكان أنتاي الأصلية. كما يعاني العمال من ظروف عمل قاسية، تتمثل في نوبات طويلة، عزل جغرافي، أجور متدنية مقارنة بقطاع النحاس، وممارسات مناهضة للنقابات.
بعد الاستخراج، تُعالج المواد الكيميائية في مصانع الصين وكوريا واليابان والولايات المتحدة، حيث يتعرض العمال لمواد سامة، مثل: سداسي فلوروفوسفات الليثيوم، وغاز فلوريد الهيدروجين، مما يسبب أمراضاً تنفسية وبصرية وجلدية. ويتجلى هذا الواقع المأساوي في حريق مصنع «آريسيل» بكوريا الجنوبية عام 2024، والذي أودى بحياة 23 عاملاً، وأظهر حكم قضائي أن الإهمال المنظومي كان وراء الكارثة، حيث تغلبت دواعي الربح على متطلبات السلامة.
الرقمنة وسلاسل القيمة: تضخيم الإبادة...
لا تقتصر كارثة الليثيوم على كونها حالة معزولة، بل هي نموذج لما تفعله الرقمنة على نطاق أوسع. فالتقنيات الرقمية، وعلى رأسها الحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، أعادت تشكيل سلاسل القيمة العالمية، وزادت من تعقيدها وامتدادها، مما ضاعف استهلاك الموارد والطاقة والنفايات.
يستعرض المقال، كيف أن أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية (ERP)، التي تستخدمها شركات كبرى، مثل: آبل وأمازون، تتيح تنسيقاً آنياً للموردين حول العالم، مما يزيد من الضغوط الإنتاجية، ويُسرع وتيرة العمل، ويُقلص أعداد العمال مع رفع الإنتاجية المتوقعة، كما حدث مع مهندسي برمجيات في أمازون باستخدام الذكاء الاصطناعي.
أما على صعيد البنية التحتية، فيتطلب التوسع الرقمي مدّ كابلات بحرية، وإنشاء مراكز بيانات ضخمة، واستهلاك طاقة هائل، أغلبها ما زالت مولدة بالوقود الأحفوري. ومن المتوقع أن تستهلك مراكز البيانات وحدها حصة كبيرة من الكهرباء العالمية في العقد القادم.
كما أن إنتاج الأجهزة الرقمية يحتاج إلى كميات خيالية من المواد الخام: فإنتاج كيلوغرامين من الحاسوب يتطلب استخراج 800 كيلوغرام من المواد، وشريحة إلكترونية بوزن غرامين تحتاج إلى 32 كيلوغراماً من المواد. وهذا يعني توسعاً هائلاً في التعدين، وإزالة الغابات، وتلويث المياه، مع تفاقم البصمة الكربونية.
وفي نهاية الدورة، تنتج النفايات الإلكترونية (e-waste) التي بلغت 62 مليون طن متري عام 2022، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 82 مليون طن بحلول 2030، مع نسب إعادة تدوير متدنية جداً، خاصة لبطاريات الليثيوم أيون (5% فقط). وتُصدَّر هذه النفايات إلى دول فقيرة، حيث تُحرق أو تُعالج بأساليب بدائية تُطلق سموماً خطيرة.
التاريخ يعيد نفسه: من المحرك البخاري إلى الذكاء الاصطناعي
يرى الكاتب، أن الرقمنة الحالية ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من الثورات التكنولوجية التي وعدت بالكفاءة، لكنها أدت إلى مضاعفة الاستنزاف البيئي. فالمحرك البخاري، والسكك الحديدية، والسيارة، كلها كانت ابتكارات ثورية رفعت الإنتاجية، لكنها عمقت الاعتماد على الوقود الأحفوري، ووسعت نطاق التعدين والتصنيع، وخلقت أنماط استهلاك وإنتاج لا رجعة فيها.
ويستشهد الكاتب بمفارقة «جيفونز» التي تعود للقرن التاسع عشر، حين لاحظ الاقتصادي البريطاني، أن تحسين كفاءة المحرك البخاري أدى إلى زيادة استهلاك الفحم، لا إلى تقليله. وهذه المفارقة تتكرر اليوم مع الرقمنة: فكلما زادت كفاءة الأجهزة الرقمية، زاد الطلب عليها، واتسعت البنى التحتية، وتضاعف استهلاك المعادن والطاقة، وتفاقمت النفايات.
الخلاصة: نحو توجيه التكنولوجيا خارج منطق الرأسمال
يختتم المقال برؤية نقدية واضحة: الرقمنة ليست حلّاً للأزمة البيئية في ظل الرأسمالية، بل هي جزء من المشكلة، لأنها تعزز منطق التراكم اللامحدود، وتُخضع الطبيعة والعمل البشري لمتطلبات الربح.
لكن الكاتب لا يكتفي بالنقد، بل يقترح ثلاثة مسارات بديلة للتحول التكنولوجي، تقوم على إعادة توجيه الأدوات الرقمية نحو أهداف إيكولوجية واجتماعية، عوضاً عن أهداف تراكمية:
الأول: فرض حدود بيئية صارمة (بيوفيزيائية) على استهلاك المياه والأراضي والطاقة والمواد في سلاسل التوريد، مع استخدام الأنظمة الرقمية ذاتها لمراقبة وتنفيذ هذه الحدود، بدلاً من تركها للأهداف الطوعية، أو التقارير غير الملزمة.
الثاني: اعتماد سياسة «الإزالة الابتكارية» (Exnovation)، أي سحب التقنيات والمنتجات الأكثر تدميراً من التداول، مع تعزيز حق الإصلاح، وتصميم أجهزة معمرة، ومقاومة التقادم المخطط، وإعادة تشكيل المشتريات العامة لترجيح الكفاءة في الاستخدام على كفاءة الإنتاج.
الثالث: إخضاع البنى التحتية الرقمية الأساسية (مراكز البيانات، الكابلات البحرية، المنصات السحابية) للملكية والسيطرة العامة الديمقراطية، بحيث يُتخذ قرار موقعها ومصادر طاقتها واستهلاكها للمياه وفقاً للحدود الإيكولوجية المحلية، وليس وفقاً لعوائد المستثمرين.
ويقر الكاتب، أن هذه الإجراءات وحدها لا تكفي للإطاحة بالرأسمالية، لكنها تُمثل خطوات ملموسة للحد من الضرر الراهن، ونقل توازن القوى لصالح العمال والمجتمعات المحلية، وتهيئة الأرضية لنضالات أوسع حول كيفية إنتاج واستخدام التكنولوجيا. السؤال الحقيقي، وفقاً للمقال، ليس ما إذا كانت الرقمنة قادرة على تخضير سلاسل القيمة الرأسمالية (فهي ليست كذلك)، بل كيف يمكن إعادة توظيف الأنظمة التكنولوجية دعماً لأنماط تلبية الحاجات التي تحترم الحدود الكوكبية، وتعمل ضد دوافع التوسع الرأسمالي الجامح؟
المصدر الأصلي:
Benjamin Selwyn, “Value Chains in the Digital Age: Labor Exploitation and Systemic Ecocide”, Monthly Review, Vol. 78, No. 03, July-August 2026.