_
السودان: «المشكلة في الصلاحيات لا في التطبيع»!
علاء أبو فراج علاء أبو فراج

السودان: «المشكلة في الصلاحيات لا في التطبيع»!

في خطوة مدروسة وخطيرة اجتمع رئيس المجلس الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، لبحث إمكانية تطبيع العلاقات مع الكيان، وما إن جرى الإعلان عن هذا اللقاء حتى بدأت التفاعلات في السودان على مستوى الشارع وعلى مستوى القوى السياسية، فما هي مواقف الشارع والقوى السياسية السودانية؟ وما هي دلالات هذا التوجه؟

أعلن مكتب رئيس وزراء الكيان الصهيوني في 3 شباط الجاري عن اللقاء في أوغندا، وقال الإعلان الرسمي إن الهدف من اللقاء هو بدء حوار يهدف لتطبيع العلاقات بين البلدين، وفي السياق نفسه نقلت وكالات الأنباء أن هذا اللقاء، الذي وصفه نتنياهو بـ «التاريخي»، جرى بوساطةٍ إماراتية، ومباركة أمريكية، بالإضافة إلى أن مسؤولين مصريين وسعوديين لعبوا دوراً في هذا اللقاء.

تداعيات أولية

كما جرت العادة في مواقفٍ مشابهةٍ، ترافقت هذا الخطوة مع العديد من التصريحات الرسمية السودانية، التي تحدثت في البداية عن أن اللقاء جرى «دون تنسيق مسبق»، وأن الحكومة «لم تعلم به إلا من الإعلام»، وفي بيان أصدره الناطق الرسمي باسم الحكومة ووزير الثقافة والإعلام فيصل محمد صالح قال: «لم يتم إخطارنا أو التشاور معنا في مجلس الوزراء بشأن هذا اللقاء، وسننتظر التوضيحات بعد عودة السيد رئيس مجلس السيادة». ومن جانبها أصدرت الخارجية السودانية تصريحات مشابهة؛ إذ قال مصدر في الوزارة إن اللقاء «تم ترتيبه بعيداً عن الوزارة وبلا تنسيق معها»، ولكن الأمور لم تتغير «بعد أن علمت الحكومة باللقاء» فهناك محاولة رسمية واضحة لحصر مشكلة خطوة البرهان بأنها «تجاوز صلاحيات» لا أكثر، وهذا ما ركز عليه رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك في «تغريدات» له على موقع تويتر، رحب بها ببيان البرهان حول لقائه بنتنياهو مضيفاً أنه يجب الالتزام «بالمهام والصلاحيات» التي تحددها الوثيقة الدستورية وأن السياسية الخارجية من صلاحيات رئاسة الوزراء. وفي هذه الأثناء يعلن المتحدث باسم الجيش السوداني عامر محمد الحسن في 6 شباط الجاري، أي بعد ثلاثة أيام من اللقاء، سماح السودان «للرحلات الجوية المتجهة إلى «إسرائيل» بعبور مجاله الجوي» وهي الخطوة الأولى لتطبيع العلاقات.
الموقف الرسمي السوداني هذا دفع مدير السياسة الخارجية بالمجلس السيادي السوداني رشاد فراج السراج لتقديم استقالته على خلفية اللقاء، وقال في بيانٍ له: «أمانة التكليف تقتضي أن أقدم استقالتي قبل أن أرى أعلام الكيان الصهيوني ترفرف على سارية القصر الذي قتل فيه غردون (ضابط بريطاني قتله أنصار المهدي في الخرطوم عام 1885) من قبل المجاهدين من أبناء السودان الأحرار، الذين قاتلوا وكلاء الاحتلال والاستعمار على مر العصور والأيام، وبذلوا دماءهم مهراً للحرية والانعتاق».

إعلان مواقف

لم تبتعد بعض القوى السياسية كثيراً عن الخطاب الرسمي السوداني، وخصوصاً بيان «قوى الحرية والتغيير» التحالف الذي يضم مجموعة من القوى السياسية، والتي تشارك بجزء منها في المجلس الانتقالي السوداني، وجاء بيان «الحرية والتغيير» في أربعة بنود يؤكد أحدها بصياغة مبهمة على «حق الشعب الفلسطيني في العودة ودولته المستقلة»، أما بقية البيان فتركز على الالتزام بالصلاحيات، وتعتبر أنّ موضوع «العلاقات مع إسرائيل» يقرره الشعب السوداني ولكن «عبر مؤسساته التي تعبّر عن إرادته»، وهنا جوهر المشكلة وهي التستر وراء «الصلاحيات والاختصاصات» هرباً من الموقف الصريح، فـأصحاب الصلاحيات قالوا ما لديهم وبدأوا بتنفيذ رغبتهم، والحديث هنا عن رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» ورئيس الوزراء السوداني، وليس عن موظف في وزارة الصحة، حتى إن وزيرة الخارجية السودانية أسماء محمد عبد الله لم تستبعد قيام علاقات مع «إسرائيل» والتي ترى أنه «لا شيء ثابت» في متغيرات السياسة. فهل يوافق تحالف «قوى الحرية والتغيير» على موقف المؤسسات الرسمية؟
أما بيان «تجمع المهنيين السودانيين» فقد حمل موقفاً واضحاً من الموضوع معتبراً أن البرهان «لا يملك الحق في تغيير» موقف الشعب السوداني الرافض لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني والداعم لحقوق الشعب الفلسطيني.
ومن جانبه عبّر الناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي السوداني فتحي الفضل عن موقف الحزب بشكل واضح، فاعتبر الفضل أنه «ليس من المهم إن كانت الحكومة تعلم بشكل مسبق باللقاء، بل يجب على الحكومة والنظام ومجلس السيادة السوداني أن يوضحوا إذا كانوا شركاء في مشروع بيع القضية الفلسطينية بمقابل حفنة من الدولارات»، ورأى الفضل أن هذه المسألة تدفع لسؤال «من يحكم السودان ومن هو المسؤول عن السياسية الخارجية؟». وفي بيانٍ لها اعتبرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني «أن اللقاء أتى لإنفاذ وجلب التأييد لصفقة القرن الأمريكية ولتصفية القضية الفلسطينية بالكامل، وجر الحكومات العربية للمشاركة في المشروع الإمبريالي في المنطقة، ولإيقاف نضال الشعوب العربية في العراق ولبنان والسودان والأردن» ورأت اللجنة في بيانٍ آخر بأن «لقاء البرهان ونتنياهو امتداد لمحاولات النظام البائد للتطبيع مع إسرائيل» ودعت إلى أوسع مقاومة جماهيرية لرفض هذه الخطوة وكل ما يرهن إرادة الدولة للخارج.

لماذا اليوم؟

قد يكون سبب القيام بهذه الخطوة مختلفاً من طرفٍ إلى آخر، فالولايات المتحدة الأمريكية وإن افترضنا أنها تبحث عن داعمين لمشروع «صفقة القرن»، لن ترى في بلد مقسم يعاني من نزاعات وعدم استقرار سياسي مثل السودان وزناً جدياً لدعم مشروعها هذا، وقد يكون هناك هدفان لهذه الخطوة، الأول تعقيد الأوضاع في السودان ودفع الأمور إلى الانفجار، ومن جهة أخرى تقديم خدمة لبنيامين نتنياهو تكون عوناً له في معركته السياسية الداخلية، إذ يرى فيها الأخير انتصاراً لسياسته إحدى ثمرات علاقته الجيدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي السياق نفسه تحاول الولايات المتحدة الأمريكية ابتزاز السودان دائماً لرفعه عن قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وهذا ما يعتبره النظام السوداني الجديد- القديم «تعبيراً عن مصلحة السودانيين» ويرى فيه حجّة مقنعة للسير في طريق العمالة والارتهان للخارج ليكون السودان بذلك بلداً خاضعاً لا يقوى على المطالبة بحقه بالاستقلال الحقيقي وتأمين مصالح أبنائه، ويصبح أبناؤه وقوداً لحروب لا دخل لهم بها مثل اليمن.
إلا أنّ ما يجري فتح الباب أمام نقاشٍ أوسع يكشف مواقف القوى السياسية السودانية ومدى جذريتها أمام الشارع السوداني، وهو يسمح أيضاً بفتح نقاش جدي حول درجة التغيير الحاصل في السودان إلى اليوم، إذ كان واضحاً أن مركز القرار لا يزال بعيداً عن القوى الجديدة، التي قد نتفق أو نختلف مع بعضها. وإذا كان البعض يرى في خطوة البرهان هذه تجاوزاً للصلاحيات، ربما يكون الوقت مناسباً لتذكيرهم بأنه لم يتجاوز إلا صلاحيات مثبتة على الورق، لا تعكس صلاحياته على أرض الواقع، والتي تعد امتداداً لصلاحيات قوى تنتمي للنظام السوداني نفسه، ولا يجب أن ننسى أن وجود البرهان ومن يمثلهم في سدة الحكم، لا يعتبر بأي شكل من الأشكال إنجازاً للحركة الشعبية السودانية، بل هو محاولة لاحتوائها وحرفها عن أهدافها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
952
آخر تعديل على الأربعاء, 12 شباط/فبراير 2020 11:28