_
لماذا تعيش الصين في حصنٍ منيع؟

لماذا تعيش الصين في حصنٍ منيع؟

في المواجهة الاقتصادية والتجارية الصينية الأمريكية التي استمرت ولا تزال مستمرة منذ أكثر من عام، غالباً ما كان هنالك مشهد مثير للاهتمام: كانت جلسات الاستماع التي تدعو إليها الحكومة الأمريكية حول الضرائب عادة ما تتحول إلى اجتماعات للثناء على الصناعة الصينية والاعتراف بقوتها. في هذا الصدد، نشر الباحث الصيني لي غويتينغ، دراسة في صحيفة الشعب الصينية حملت عنوان: «المنظومة الصناعية... حصن الصين المنيع أمام الضربات القوية».

إلى جانب زيادة تكاليف الاستهلاك وإجبار الشركات على تسريح الموظفين، هنالك سبب مهم آخر لدى رجال الأعمال الأمريكيين يدفعهم إلى معارضة الرسوم الجمركية، وهي تتمثل بقدرات التكامل الصناعي الفريدة في الصين، وصعوبة العثور على موردين بديلين مناسبين على المدى القصير.
فما مدى قوة قدرات التكامل الصناعي للصين؟ وفقاً لتصنيف الأمم المتحدة للصناعة، تعدُّ الصين الدولة الوحيدة في العالم التي تضم جميع العناصر الصناعية البالغ عددها 41 عنصراً كبيراً، و191 عنصراً صناعياً متوسط الحجم، و525 عنصراً صناعياً صغيراً، ويمكنها إنتاج السلع كلها: ابتداءً من الملابس والأحذية، وصولاً إلى الفضاء والمواد الخام. وباختصار، نجحت الصين في إنشاء النظام الصناعي الحديث الأكثر اكتمالاً في العالم.

لماذا لا يمكن تصنيع «آيفون» في الولايات المتحدة؟

في وقت سابق من هذا العام، أثار مقال نُشر في صحيفة «نيويورك تايمز» حمل عنوان «برغي صغير يخبرك: لماذا لا يمكن تصنيع آيفون في الولايات المتحدة؟» نقاشاً حاداً. وتعود قصة المقال إلى عام 2012، حينما أعلن كوك، الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» عن بناء مصنع لتجميع أجهزة حواسيب ماك في أوستن بولاية تكساس. لكن أثناء افتتاح المصنع، اكتشف الجميع نقصاً في التزود بأحد البراغي اللازمة لتجميع الحاسوب.
وأشار المقال إلى أن «أبل» إذا كانت تفتقر إلى أجزاء أو تغييرات في التصميم الجزئي، يمكن للموردين الصينيين في كثير من الأحيان إنتاج عدد كافٍ من الأجزاء في فترة زمنية قصيرة جداً، ولكن في ولاية تكساس، لا تستطيع ورشة إنتاج متعاونة مع «أبل» سوى إنتاج قرابة 1000 من هذه البراغي يومياً. وذكر المقال أن النقص في التزويد بالبراغي أدى إلى تأخر دخول «ماك برو» شهوراً إلى السوق. ومن ثم لجأت أبل مرة أخرى إلى الصين لشراء البراغي.
وطرحت صحيفة «نيويورك تايمز» قضية تكساس في إطار تسليطها الضوء على المشكلات التي ستواجهها «أبل» عند نقل عمليات الإنتاج الضخم خارج الصين. حيث رأت بأن الشركة قد أدركت أنه لا يوجد بلد، بما في ذلك الولايات المتحدة، يمكنه التنافس مع الصين على نطاق التصنيع والتكنولوجيا والبنية التحتية والتكاليف.

أين تكمن مميزات السلسلة الصناعية الصينية؟

تمتلك الصين القدرة على إنشاء النظام الصناعي الأكثر اكتمالاً في العالم، ويعود ذلك إلى مساحة الصين الشاسعة وتعدادها السكاني الهائل، الذي يوازي إجمالي سكان الدول المتقدمة مجتمعة، لكن المميزات الديمغرافية وحدها لا تكفي، حيث هنالك العديد من البلدان ذات تكاليف العمالة المنخفضة، فلماذا أصبحت الصين الدولة الوحيدة القادرة على أن تكون «مصنع العالم»؟
بالمقارنة مع الدول الأخرى، تمتلك الصين مميزات استثنائية. في عام 1980، بعد أن زار فريق التحقيق الاقتصادي التابع للبنك الدولي الصين لأول مرة، رأى أن الصين قد بنت نظاماً صناعياً حديثاً شبه متكامل. كما تفوق الصين غالبية الدول من حيث الأصناف الصناعية، وتعد الدولة الأقل اعتماداً على المنشآت الصناعية المستوردة.
امتلاك نظام صناعي حديث شبه متكامل عشية الإصلاح والانفتاح مثّل ميزة هيكلية ميزت الصين عن جميع البلدان النامية الأخرى. فهذا يمنح الصين ميزة تنافسية تجمع بين انخفاض تكاليف العمالة والمهارات العليا. وفي هذا السياق، يعتقد لو فنغ، الأستاذ في كلية الإدارة الحكومية بجامعة بكين، أن هذه الميزة الهيكلية هي التي تمنح الصين قدرة تنافسية دولية كبيرة وتجعل الصين هي الخيار الأفضل لتدفقات رأس المال الأجنبي وانتقال التصنيع.

قلعة الاقتصاد الصيني

يرى ليه شاوهوا، الباحث في كلية العلاقات الدولية في جامعة بكين، أنّ الحرب التجارية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية هي بأحد المعاني تُعد صراعاً على سلسلة الإنتاج العالمي. فالدولة التي لا تمتلك صناعة متطورة، ستبقى في الطرف الأدنى من السلسلة الصناعية العالمية، وتتحول إلى مصنع الاقتصادات المتقدمة للسلع ووجهة إغراق بالسلع. وإذا لم يكن هناك دعم للصناعات المتدنية والمتوسطة، سيكون الاقتصاد أشبه بعملاقٍ بأرجل من طين. في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة تحدياً مزدوجاً متمثلاً في ضعف الصناعات المتوسطة والمتدنية ما يدفع التكنولوجيا الفائقة إلى أن تحشر رقبتها في عنق الزجاجة، وهو ما يفقدها الدعم القوي لسوق الصناعات الفائقة، وهذا ما جعل دعم عودة الصناعة واحتواء الصناعات الأجنبية الإستراتيجية الوحيدة المنقذة لها.
أما بالنسبة للصين، فبفضل نظامها الصناعي المتكامل، أصبحت بالفعل دولة ذات سلسلة صناعية كاملة، تتمتع بمزايا الصناعة المتدنية والصناعات المتطورة. وهذا النظام المتكامل لا يسمح للصين بالتطور من خلال ريادة الصناعة العالمية فحسب، بل يُحصّن الصين في مواجهة الوضع الدولي الحالي. مما يعني بأنه حتى لو «توقف» الاستيراد الصناعي عن الصين بشكل مفاجئ في يوم ما، فإن الصين لن تُصدم على الفور. لأنها تمتلك بدائل محلِّية لمختلف القطع والتقنيات اللازمة للنسيج الصناعي. وعلى الرغم من بعض الفوارق في الجودة، لكن الصناعة المحلية يمكن أن تحافظ على استمرار دوران عجلة الإنتاج، وهذا هو المهم.
وحتى في مجال تصميم وصناعة وتعبئة الرقائق الإلكترونية الذي يعدُّ نقطة ضعف بالنسبة للصين، فإن الصين تمتلك شركات على مستوى «السوفت وير» و«الهارد وير»، ورغم أنها ليست مشهورة مثل إنتل وكوالكوم وغيرها من الشركات الأجنبية، ولا يمكن التساوي بينها من حيث القوة التكنولوجية وحصة السوق، لكن، نظراً للمثابرة الصناعية المحلية، فإن الحصار التكنولوجي للتقنية الحاسمة لن يعرقل الصين على استكمال نهضتها.
إن النظام الصناعي الكامل هو ما جعل الاقتصاد الصيني واسعاً مثل البحر، ومكّنه من تحمل العالم المضطرب. وبغضِّ النظر عن الدولة التي ترغب في تهديد الصين، يبقى من المستحيل هزيمة النظام الاقتصادي الصيني بسهولة من خلال الحظر التجاري. وحتى إن كان من شأن الخلاصة أن تزعج الأوساط الأكاديمية الأجنبية، لكن الصين تُدين بصمودها اليوم إلى أساسيات الماركسية حول الاقتصاد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
938
آخر تعديل على الإثنين, 04 تشرين2/نوفمبر 2019 12:12