_
تناقض التصريحات الأمريكية حول إيران... ليس براغماتية!

تناقض التصريحات الأمريكية حول إيران... ليس براغماتية!

قد تبدو التصريحات الرسمية الأمريكية في إطارها اليومي منسجمة ومتسقة مع سياسات إستراتيجية واضحة المعالم بالنسبة للمصالح الأمريكية، ولكن بالنظر إليها في إطار زمني أوسع من اليومي وفي ملفات محددة، كيف يمكن أن تبدو مثل تلك التصريحات؟

في الملف الإيراني تناقضت التصريحات الأمريكية، وتغيّرت خلال فترات زمنية قصيرة ومتقاربة، وإذا قمنا برصد بعض هذه التصريحات حول بعض القضايا الملموسة وخلال فترة تقارب الثلاثة أشهر يمكن أن نستعرض بعضاً منها بحسب القضايا التالية:

«نريد اتفاقاً سريعاً مع إيران ولسنا مضغوطين بالوقت»

بعد خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، كثرت التصريحات الأمريكية حول «صفقة منصفة» لها مع إيران، وتضاربت التصريحات حول مدى رغبة الولايات المتحدة الأمريكية بعقد اتفاق جديد؛ فبتاريخ 26/6 من هذا العام صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام مؤتمر «الإيمان والحرية»، متحدثاً عن اتفاقٍ مع طهران: «إن لم يحدث ذلك فهذه ليست مشكلة بالنسبة لي... لدي وقت غير محدود، حسب ما أتصور».
وخلال مؤتمر صحفي جمع ترامب مع الرئيس الفرنسي بتاريخ 26/8/2019 على هامش مجموعة السبع الكبار، في رده على أسئلة الصحفيين حول إمكانية الاتفاق الأمريكي الإيراني:
«لدي حدس إيجابي، من المفترض أنهم لاعبون جيدون، إذا كنتم تفهمون ما أقصد. ولا يستطيعون فعل ما قالوا إنهم كانوا ينوون القيام به، لأنهم حقاً سيواجهون في هذا الحال قوة قاسية جداً... أعتقد أنه (روحاني) سيرغب في عقد اللقاء لمعالجة الوضع».
«إيران دولة لها قدرات عظيمة، ولا نسعى لتغيير النظام فيها، لا نريد مثل هذه التغييرات لأن هذه البلاد عاشت أحداثاً مماثلة، ولم تسفر عن أية نتيجة، ما نسعى له هو ألّا تكون هناك أسلحة نووية وصواريخ باليستية».
وتابع مؤكداً «نريد أن يحدث ذلك في فترة زمنية قصيرة، أود أن أرى إيران دولة عظيمة لكن دون أسلحة نووية».
بتاريخ 28/8/2019 صرح وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر في مؤتمر صحفي عقده مع رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية، جوزيف دانفورد: «لا نسعى إلى نزاع مع إيران، ونريد التعامل معهم عبر القنوات الدبلوماسية»، وأعرب وزير الدفاع الأمريكي عن أمله في موافقة الجانب الإيراني على «التحدث وحل المشاكل».
ثم بعد عدة أيام وبتاريخ 6/9 يعود وزير الخارجية بومبيو ويؤكد على الإلحاح في الرغبة لعقد اتفاق، وذلك خلال كلمة ألقاها في جامعة كانزاس: «الرئيس (الأمريكي دونالد) ترامب أعلن أنه سيكون سعيداً بلقاء القيادة الإيرانية. يمكن أن كلمة سعيد تمثل مبالغة لدرجة معينة، لكنه بالتأكيد مستعد للاجتماع معهم، لأننا، في نهاية المطاف، نسعى إلى حل هذه القضية بواسطة الدبلوماسية».

«لا نستطيع منع أحد من الحديث مع إيران»

حول الجهود اليابانية الفرنسية في محاولة لإقناع طهران الجلوس على طاولة المفاوضات مع واشنطن نستعرض ما يلي:
14/6/2019
أفاد البيت الأبيض في بيان أن «الرئيس ترامب شكر رئيس الوزراء آبي على جهوده لتسهيل في التواصل مع إيران».
25/8/2019
قلل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من أهمية الجهود الفرنسية للتوسط مع إيران، وفي جوابه عن سؤال حول ما إذا كان وافق على أية رسالة ينوي ماكرون تقديمها لطهران نيابة عنه قال ترامب: «لا، لم أناقش هذا الأمر»، وأكد: «سنجري اتصالاتنا الخاصة، ولكن كما تعلمون، لا يمكنني منع الناس من التحدث. إذا كانوا يريدون الحديث (مع إيران)، فيمكنهم فعل ذلك».
6/9/2019
فيما يخص إجراء محادثات مع طهران، أوضح وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر إنه يؤيد جهود فرنسا ودول أخرى لحمل إيران على الدخول في محادثات، «وجهة نظري الشخصية، لكنني لست الجهة الرئيسة بهذا الشأن، إنها وزارة الخارجية، إذا كان بمقدور الفرنسيين وغيرهم إقناع الإيرانيين بالمجيء إلى الطاولة من أجل المحادثات، فسيكون هذا أمراً طيباً».

«لن نتخلى عن نهج العقوبات ولكننا سنرفع العقوبات»

27/8/2019
أعلن جون بولتون، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي، أن إعلان الرئيس دونالد ترامب عن استعداده للتفاوض مع إيران لا يعني تغيير موقف الإدارة الأمريكية تجاه طهران، وأضاف بولتون: «وإذا كانت هناك صفقة شاملة، سيتم رفع العقوبات بالطبع. وعندما يكون النظام في إيران مستعداً للتفاوض حول ذلك، سيكون هناك اجتماع».
4/9/2019
من جهته، قال المبعوث الأمريكي إلى إيران، براين هوك، إن عقوبات إضافية ستفرض على طهران، مستبعداً أن تكون هناك أية تنازلات من الجانب الأمريكي مستقبلاً.

«غريس 1- أدريان داريا-1، (سنحتجزها لن نحتجزها)»

16/8/2019
أصدرت محكمة أمريكية مذكرة احتجاز للناقلة «غريس 1» الإيرانية وشحنة النفط الموجودة على متنها، وجاء في بيان لمكتب المدعي العام في قطاع كولومبيا في واشنطن، أن مذكرة الاحتجاز صدرت بناء على الاتهامات بانتهاك نظام العقوبات الأمريكية على سورية والقوانين الأمريكية المتعلقة بتبييض الأموال والإرهاب.
6/9/2019
قال وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر يوم الخميس، إنه ليست لديه خطط لاحتجاز ناقلة النفط الإيرانية «أدريان داريا-1»، وسط غموض عن وجهتها الحالية.
وقال إسبر للصحفيين في لندن رداً على سؤال عن وجود أية خطط لاحتجاز السفينة «نحن لا نتحدث عن الخطط، لكن حالياً ليست لدي أية خطة في مكتبي لفعل هذا الأمر».

ما تخفيه الدبلوماسية

يرجع الكثير من المحللين التصريحات المتناقضة للحكومة الأمريكية إلى مفهوم البرغماتية في الدبلوماسية الأمريكية التي يصنفها البعض على أنها مدرسة سياسية في التعاطي مع الوقائع والمتغيرات من باب تقاسم الأدوار (المواقف) حول ملف معين.
لكن حدة التناقض، لا في التصريحات وحدها، بل وفي السلوك الأمريكي أيضاً، تجعل تفسير التناقضات بمقاييس البراغماتية تفسيراً منقوصاً وبعيداً عن الحقيقة؛ بنظرة أعمق لسلوك المؤسسة الأمريكية وحجم الأزمات الدولية والداخلية بالمناحي السياسية والاقتصادية والعسكرية، والتسارع في ضخ التصريحات المتناقضة والمتسعة في تناقضها، يتبين حجم التناقض في إدارة مصالح الطغم المالية الأمريكية العالمية وكيف يتمظهر هذا التناقض في المصالح بهيئة تناقض في التصريحات، والذي يعكس حالة انقسام حقيقية تتجاوز الإدارة الأمريكية لتعبر إلى معظم المؤسسات التمثيلية الأمريكية.
الانقسام الداخلي بدوره، يأتي نتيجة لقانون موضوعي ثابت: القوى المتراجعة تنقسم على نفسها وتتشظى، وهذا تماماً ما تعيشه واشنطن...

معلومات إضافية

العدد رقم:
930
آخر تعديل على الأربعاء, 11 أيلول/سبتمبر 2019 15:32