_
منظومة «S400» في أنقرة: واشنطن تريد «عدالة وتنمية» جديد..!

منظومة «S400» في أنقرة: واشنطن تريد «عدالة وتنمية» جديد..!

تزامناً مع إحياء تركيا الذكرى الثالثة لإحباط انقلاب 15 تموز، وصلت أخيراً الطلائع الأولى لمنظومة «S400» الروسية إلى أنقرة، لتقطع الشراكة الروسية- التركية شوطاً جديداً في عمقها الإستراتيجي. يأتي ذلك وسط خفوت حدة التصريحات الأميركية المناوئة للخطوة، ولكن مع تصاعد الحراك الداخلي في تركيا عبر الأقنية السياسية والاقتصادية.

تناست واشنطن تهديداتها لتركيا بفرض عقوبات اقتصادية عليها في حال تسلّمت منظومة «S400» الروسية. واكتفى الرئيس الأميركي ترامب، أثناء لقائه بالرئيس التركي أردوغان على هامش القمة العشرين في اليابان، باتهام سلفه باراك أوباما بأنه «لم يكن عادلاً» مع تركيا برفضه تسليمها منظومة باتريوت الأمريكية قبل نحو عشرة أعوام، الأمر الذي حدا بأنقرة للبحث عن بدائل أخرى..
بالرغم من التهدئة الظاهرية بين واشنطن وأنقرة، إلّا أن هنالك العديد من المؤشرات إلى أن المعركة بينهما انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيداً عبر أدوات داخلية.

«معركة الحاكم»

أوجع قرار الرئيس التركي أردوغان عزل حاكم مصرف تركيا المركزي مراد تشتينكايا الأوساط المالية الغربية. فقد رفض الحاكم المذكور، بحسب الرئيس التركي، «تنفيذ الأوامر بخفض أسعار الفائدة».
قوبل القرار بهجمة إعلامية غربية شرسة، فقد خصصت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية إحدى افتتاحياتها للهجوم على هذا القرار، بعنوان «ضربة جديدة للاقتصاد التركي» قالت فيها: إن الرئيس التركي «يلعب بالنار.. ويخاطر بمنصبه» من جراء هذا القرار, أشارت الصحيفة: أن الرئيس أردوغان بعدما تعرض لخسارتين في صناديق الاقتراع هذا العام، «ُنصح بالاستفادة من الدروس» والقيام بإصلاح الضرر الذي حصل في ظل حكمه، إلا أن قراره المذكور يثبت أنه ليس من الوارد تغيير «ميوله الديكتاتورية». وأضافت الصحيفة: أن تدهور الاقتصاد التركي يعود إلى «سياسات أردوغان وعناده ورفضه زيادة سعر الفائدة، التي يحتاج إليها الاقتصاد لتخفيف الضغط على الاقتصاد.. ».
يعكس توجيه الانتقاد بهذه الحدّة، إلى درجة التهديد، لقرار سيادي لدولة بوزن تركيا إلى أن الأوساط المالية الغربية فقدت أداة أساسية و«عزيزة» في هيمنتها على الاقتصاد التركي، والمتمثلة بالحاكم المذكور، فكما هو معروف، أن هذا المنصب في غالبية الدول التابعة لطالما يشكّل ركيزة لهيمنة صندوق النقد الدولي والمنظمات المالية الغربية الأخرى عليها.

حزب «عدالة وتنمية» جديد!

قدّم الوزير السابق التركي علي باباجان استقالته رسمياً من حزب «العدالة والتنمية» بعد مداولات كثيفة قام بها مؤخراً داخل وخارج تركيا، تضمنت إحداها لقاءً مع الرئيس التركي أردوغان، الذي سعى جاهداً لإقناعه بعدم الاستقالة، وهو ما لم يفعله سابقاً مع أيٍّ من رفاقه المستقيلين، بل في بعض الأحيان كان يسارع في إقالتهم، كما حصل مع عبدالله غول، الرئيس السابق، وأحمد داوود أوغلو، رئيس الحكومة السابق.
الوزير السابق علي باباجان يُعدّ أحد رجال الكواليس في مرحلة صعود العدالة والتنمية عام 2001، فكما هو معروف فقد كان هذا الحزب، وهو أحد أجنحة حركة «الإخوان المسلمين»، يحظى بدعم غربي في بداياته نتيجة كون النواة الأساسية والقيادية لحركة الإخوان تشكّل جزءاً من قوى رأس المال المالي العالمي. وكان باباجان قد تولّى سابقاً مناصب عديدة وحساسة في الحكومات التركية المتعاقبة تكشف عن عمق علاقاته مع الأوساط السياسية والمالية الغربية، فقد شغل مناصب وزير الخارجية ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية والاتحاد الأوربي وشغل منصب كبير المفاوضين الأتراك لانضمام تركيا للاتحاد الأوربي.
تضمنت رسالة استقالة علي باباجان إعلاناً شبه رسمي عن تأسيس حزب جديد من أنصار وأتباع العدالة والتنمية، وتزامن ذلك الإعلان مع موجة إعلامية مرافقة تتحدث عن شكل القوة السياسية الجديدة المزمع عقدها، ووفقاً للتقديرات فإن 40 إلى 50 برلمانياً من كتلة «العدالة والتنمية» ستنضم لحزبه الجديد، مع إمكانية استقطاب كتلة من المثقفين والمشاهير ورجال الدولة.
وتشير التقديرات إلى أن الهدف المرجو من القيام بهذه الخطوة هو شق الكتلة الانتخابية والنيابية التقليدية لحزب «العدالة والتنمية» بحيث يمكن حرمان الرئيس التركي من الأغلبية، ما قد يفتح المجال أمام الدعوة لانتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة.

المعارضة رابح تلقائي

تجد المعارضة التقليدية التركية، كحزب الشعب الجمهوري وحزب الجيد، في وضعية المستفيد تلقائياً من السجال المحتدم داخل أوساط «العدالة والتنمية» وعلى الجبهات المالية مع القوى الغربية. ولا سيما في ظل غياب برامج جديّة واقتصار برامجها على المسائل القومية والثقافية. وبالرغم من ذلك فقد أيّد كمال كيلشدار أوغلو زعيم حزب «الشعب الجمهوري» خطوة استلام منظومة «S400»، وكذلك فعلت قوى المعارضة الأساسية في البلاد، في مؤشر يعكس المزاج الجماهيري التركي، الذي تتزايد حساسيته من الابتزاز الغربي ولهجة التهديدات والفرض وسياسة العقوبات.

انزياح طبقي

بات واضحاً: أنّ تحول السياسة التركية نحو بناء منظومة علاقات جديدة بالمعنى التاريخي، من خلال التوجه شرقاً بالمجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، سيحمل معه انزياحات جديدة بالمعنى السياسي والطبقي؛ فمن المرجح أن حالة انقسام ستجري داخل أوساط جهاز الدولة التركي وحزب «العدالة والتنمية» بين القوة الطبقية صاحبة المصلحة بإبقاء الأقنية والعلاقات التاريخية مع الغرب، وبين القوة الطبقية التي طالما دفعت ثمن تلك العلاقات من جهدها وكرامتها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
922
آخر تعديل على الإثنين, 15 تموز/يوليو 2019 12:35