_
الضغوط الاقتصادية على تركيا: الكرة في ملعب المعارضة!

الضغوط الاقتصادية على تركيا: الكرة في ملعب المعارضة!

انعكست الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا بقوة على نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في الشهر الماضي. فمع تشديد المنظومة المالية الغربية الطوق على الليرة التركية، وتدهور الوضع المعيشي للمواطن التركي وبالأخص في المدن الكبرى، تصعّد شخصيات وقوى تركية معارضة هجومها ضد «العدالة والتنمية» إثر اكتساحها بلديات المدن الكبرى

بعد هيمنته على الحكم قرابة عقدين من الزمن، خرج حزب «العدالة والتنمية» التركي، بزعامة الرئيس رجب طيب إردوغان، من الانتخابات المحلية الأخيرة بانتصار باهت بطعم الهزيمة، بنسبة 51%، كشف عن تآكل قاعدته الجماهيرية، وبالأخص في المدن الكبرى، إسطنبول وأنقرة (العاصمة) وإزمير وأضنة وأنطاليا، التي خسرها الحزب لصالح معارضيه من حزب «الشعب الجمهوري».
عملياً، بلورت الانتخابات الأخيرة خريطة سياسية جديدة في البلاد، فقد خسر التحالف الحاكم المناطق الساحلية المطلة على بحر المتوسط وإيجة ومرمرة، إضافة إلى العاصمة أنقرة، وهذه المناطق تنال الحصة الأكبر من الموازنة العامة، حوالي 62 %، وتعد الأكثر حيوية من الناحية الصناعية والتجارية والسياحية، ويتركّز فيها نصف سكان البلاد. في المقابل اقتصرت انتصارات «العدالة والتنمية» على مناطق وسط الأناضول والبحر الأسود، وحصد في هذه المناطق أغلبيته من حيث عدد الولايات والمجالس.

الاقتصادي مجدداً

مثلما رفع النمو الاقتصادي سابقاً من أسهم «العدالة والتنمية»، والذي تحقق في مُستهل فترة حكمه، كان للأزمة الاقتصادية الحالية أيضاً دور أساسيٌّ في تراجعه الأخير في أهم مناطق البلاد. فكما هو معروف فقد قاربت معدلات التضخم رقم الـ 25 %، والبطالة 11 %، وخسرت الليرة التركية ما يقارب 40 % من قيمتها في العام الأخير تقريباً. إلّا أن الأزمة الاقتصادية فسحت المجال أيضاً إلى انكشاف العيوب في طريقة إدارة «العدالة والتنمية» للبلاد، وإلى انفتاح الأفق مجددا أما المعارضة التركية بمختلف مشاربها، وولادة سياسيين معارضين جدد مستعدين لإدارة صراع شرس مع الحزب الحاكم في الفترة المقبلة.

شخصيات جديدة

ما إن تكشّفت النتائج الأولية للانتخابات حتى سارعت أحزاب وشخصيات محسوبة على كل الأطراف السياسية تقريباً، بما فيها قياديون سابقون في «العدالة والتنمية»، بالهجوم على التيار الحاكم مستعرضين العديد من العناوين الرئيسة في الحياة السياسية. تصدّر المشهد في الآونة الأخيرة أكرم إمام أوغلو، المرشح الفائز ببلدية اسطنبول، عن حزب «الشعب الجمهوري»، بفارق ضئيل مقابل بن علي يلدرم، مرشح «العدالة والتنمية». وخاض أوغلو عقب فوزه حرب تصريحات مع مسؤولي الطرف المقابل حول اعتراضهم على نتائج الانتخابات، خلال ذلك صعد نجم أوغلو بنحو كبير في الأوساط الشعبية في إسطنبول، والتي كان قد سيطر «العدالة والتنمية» على بلديتها في الــ 25 سنة الأخيرة. تطرق إمام أوغلو في تصريحاته إلى ملفات فساد تخص مسؤولين في الحزب الحاكم، من بينهم الرئيس إردوغان، وإلى انصرافهم إلى الاستعراض الإعلامي بمشاريع إنشائية ضخمة كالجسور والقطارات والأبراج لخدمة شركاتهم الخاصة، مبتعدين عن جوهر الأزمة الاقتصادية التي يعانيها المواطن.

مسؤولون سابقون

كان لافتاً عودة ظهور رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو الذي تم إقصاؤه سابقاً عن قيادة «العدالة والتنمية» وعن المناصب القيادية في حكومة البلاد. ونشر أوغلو رسالة مطولة تحدث فيها عن تراجع شعبية الحزب الحاكم نتيجة سلوك قيادته الإقصائي، وتلطّيهم خلف الأجهزة الإدارية، وإبعادهم الكثير من الأشخاص الفاعلين في قيادة الحزب والبلاد، في إشارة إلى ذاته وإلى الرئيس التركي السابق عبد الله غول، والعديد من الوزراء والمسؤولين السابقين في الحزب الحاكم. وتأتي هذه الرسالة بعد أن كان أردوغان قد أشار إلى هؤلاء قبيل الانتخابات بقوله بأن «من نزل من القطار لن يعود إليه مجدداً».

أخطاء واستفزازات

يرجح المتابعون: أن الرئيس التركي أسهم بفوز المعارضة التركية في فترة الدعاية الانتخابية من خلال تصريحاته العدائية لبعض القوى والشرائح في المجتمع التركي. فعلى سبيل المثال: أعطى الأكراد في إسطنبول الذين يشكلون 11 % من سكانها أصواتهم لمرشح المعارضة إمام أوغلو بعد تصريح إردوغان بأن «كل من يعطي صوته لحزب الشعوب الديمقراطي هو إرهابي». الأمر الذي جمع الناخبين من القومية الكردية للمرة الأولى مع غريمهم التاريخي «الشعب الجمهوري» وأّدّى إلى هزيمة مرشح الحزب الحاكم.
كذلك يُرجح أن تكون المبالغة في معاقبة المشتبهين بالمشاركة بالمحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016 ضد الرئيس التركي قد لعبت دوراً في تراجع الحزب الحاكم. إذ بلغ عدد المعتقلين على خلفية هذا الانقلاب 250 ألف معتقل معظمهم من أجهزة الجيش والشرطة والأمن والقضاء، الأمر الذي أفقد الحزب الحاكم قواعد جماهيرية واسعة من محيط هؤلاء المعتقلين.

العامل الخارجي؟!

الغوص أكثر في عمق المسألة، لا تنفصل المستجدات التي حملتها الانتخابات الأخيرة عن الملف الخارجي، فبالرغم من وجود الأخطاء المذكورة آنفاً التي يستعرضها معارضو الرئيس التركي إلّا أن للأزمة جانبها الخارجي؛ فالحملة لإضعاف التيار الحاكم في الرأي العام بدأت من البوابة الاقتصادية، وهي البوابة التي يمسك الغرب بخيوطها نظراً لنمط التركية- الغربية التاريخية، ودور الاستثمارات الغربية في تركيا. كذلك فإن سياسة التحالفات الإستراتيجية الجديدة لتركيا من خلال التوجه شرقاً، نحو الشركاء الروس والصينيين، لعبت دوراً كبيراً في انطلاق تلك الحملة. وبالتوازي، كثرت في الآونة الأخيرة الاستفزازات الغربية للحكومة التركية، كالتصريحات الأميركية والأوربية بـ«ضرورة احترام نتائج الانتخابات الشرعية من جانب الحكومة التركية»، إثر الاعتراضات التي قدمها «العدالة والتنمية» على نتائج الانتخابات في اسطنبول وأنقرة. بالإضافة إلى التراشقات الإعلامية بين أردوغان والرئيس الفرنسي حول تاريخ بلديهما، كمسائل مجازر الأرمن وإبادة الجزائريين.

تهدئة

في الداخل، يسعى الحزب الحاكم في تركيا إلى إخماد جذوة الهجمة المتعددة الأطراف ضدّه بأكبر قدر من البراغماتية. فقد صدرت غير مرة تلميحات من الرئيس التركي عن احتمالية خسارة المدن الكبرى قبيل الانتخابات، كذلك حول اعترافه بوجود أخطاء ونواقص في حزبه بُعيدها. إضافة إلى تراجع حزبه عن التمسك بالاعتراض على نتائج انتخابات اسطنبول وتسليمه العهدة إلى إمام أوغلو في ظل تصاعد شعبية الأخير.

تطورات مُحتملة

في ظل التطورات الأخيرة في تركيا، بات من غير المستبعد أن تتصاعد الأزمة في البلاد وتدخل بعداً سياسياً بعد أن قطعت شوطاً في المجال الاقتصادي والمالي. تتحدث بعض التقديرات أنّ احتمالية تأسيس أحمد داوود أوغلو حزباً يضم المبعدين من «العدالة والتنمية»، وجدير بالذكر أنَّ الخلاف بين داوود أوغلو وأردوغان تعود جذوره إلى مسألة التحالفات الدولية، وبالأخص العلاقة مع الاتحاد الأوربي، فأوغلو يُعد مقرباً من الأوساط السياسية الغربية ومؤيداً لسياسة بقاء تركيا ضمن تحالفاتها السابقة.
ويرى البعض أن المرشح الفائز في إسطنبول أكرم إمام أوغلو قد يلعب دوراً أكبر في الحياة السياسية القادمة، وقد يكون منافساً لأردوغان في انتخابات 2023 الرئاسية المقبلة. فظهور إمام أوغلو في اسطنبول رئيساً لبلديتها وجذبه الأضواء مشابه إلى درجة كبيرة لظهور أردوغان في الحياة السياسية سابقاً عام 1994 رئيساً لبلدية إسطنبول، وهو المدخل الذي دفعه لاحقاً في الوصول إلى السلطة في البلاد عام 2002.
يمكن القول: إن الحياة السياسية في تركيا تدخل منعطفاً حرجاً، حيث يجري التطرق شيئاً فشيئاً للقضايا الأساسية في البلاد، وأولها: سياسة التحالفات الدولية، وموقع تركيا من الصراع الدولي، وآليات التعامل مع الحصار الغربي الاقتصادي شبه المعلن، والتحولات الاجتماعية المرافقة لكل ذلك.

معلومات إضافية

العدد رقم:
911
آخر تعديل على الإثنين, 29 نيسان/أبريل 2019 13:49