_
ضرورات تفكك (الحلف المقدس)
جواد محمد جواد محمد

ضرورات تفكك (الحلف المقدس)

لا يستطيع أي من دعاة «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات» إنكار الحقيقة القائلة بأن «الحضارة الغربية» تعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية جمّة، ونحن هنا لا نريد الخوض في نقاش مطول يتناول جميع الحيثيات فالأمر لن يستوفي حقه، بل سنتناول السياسي والاقتصادي المباشر من الموضوع الذي يعكس عمق المسألة بدرجة جيدة.

 

في الأشهر القليلة الماضية لُوحظ ارتفاع وتيرة وحدة الخلافات الأمريكية الأوروبية كماً ونوعاً، الاقتصادية والسياسية، وحتى العسكرية في بعض الأحيان، الأمر الذي يدفعنا إلى تقييم درجة الخلافات وأسبابها دون الركون إلى الرأي الساذج القائل: بأن ترامب هو مصدر هذه الخلافات، فالأشخاص ليسوا صنّاع التاريخ، ولا يقول بهذا الرأي إلا الغارقون في «بطولة» أبطال هوليود.
في العلن
روسيا كانت مصدر الخلاف الأول والمباشر بين الأوروبيين والأمريكيين منذ حقبة أوباما، حيث لم يكن الأمر معلناً في حينه حتى الآونة الأخيرة، التي ظهرت فيها الخلافات بشكل جدي إلى العلن، هذا الخلاف يعكس التغير في ميزان القوى الدولي، وينبع من اعتبارات اقتصادية جيوسياسية، فلا يمكن لأوروبا إلّا أن تمتلك علاقات جيدة مع روسيا لاعتبارها أقرب مصدر لتوفير الطاقة النفطية والغازية، بالتالي الأرخص، بالإضافة إلى كونها نقطة العبور إلى شرق آسيا براً، إلى جانب الطريق التركي الإيراني، الذي يعتبر غير عملي نسبياً لكونه يمر بدول عدة.
من الجدير بالذكر، أن العقوبات الأمريكية على روسيا بدأت في حقبة أوباما واشتدت في حقبة ترامب، الذي وعد في حملته الانتخابية بتحسين العلاقات مع روسيا.
الموقف من إيران لا يبدو مختلفاً كثيراً عما هو الموقف اتجاه روسيا، ولنفس الأسباب تقريباً، مع إضافة كون السوق الإيرانية مازالت فتية وخالية من الاستثمارات الأجنبية، إلّا أن ضرورات السياسة الأمريكية الأخيرة القائمة على الانكفاء، ومقولة أمريكا أولاً: جعلت من الإدارة الأمريكية الجديدة ترى في الاتفاق مع إيران إجحافاً بالمصالح الأمريكية، وإن كان هذا ينم عن شيء فإنه ينم عن الاصطدام المباشر بين المصالح الأمريكية من جهة والأوروبية من جهة أخرى.
النقطة الثالثة التي توحي بعمق الخلاف الأوروأمريكي هي الحرب التجارية شبه المعلنة بين الجانبين التي بدأتها الولايات المتحدة بفرض بعض الرسوم على واردات الصلب والألمنيوم المستورد من أوروبا بالإضافة إلى بعض السلع الأخرى ذات الصلة، وليقوم الاتحاد الأوروبي بإجراءٍ مماثل على عشرات السلع المستوردة من الولايات المتحدة.
يُذكر أن الولايات المتحدة قامت بفرص رسوم جمركية على الواردات القادمة من الصين، لتقوم الصين برد فعل مماثل على بعض المنتجات الأمريكية أيضاً، وتكون بمثابة بداية حرب تجارية بين الجانبين، سرعان ما استطاع الجانب الصيني احتواءها.
بالإضافة إلى ما ذُكر أعلاه، توجد بعض الخلافات التقنية الدائمة بين الجانبين، إلّا أنها في هذه المرة امتدت إلى قضايا أكثر حساسية وعمقاً، مثل: فلسطين، والموقف من السعودية والحرب على اليمن، فيما كانت تقتصر الخلافات في السابق على الأدوات المطلوبة لإنجاز نفس الأهداف، ككيفية ضرب العراق وتوقيت الضربة.
نقاط استناد
قبل الخوض في محاولة تفسير الحالة الأوروبية الأمريكية الحالية، وتقييم مآلاتها، لا بد من تثبيت بعض النقاط التي ينبغي الاستناد إليها في التحليل:
أولاً: إن ما يعرف بالغرب الذي هيمن على الواقع الدولي لقرابة عقدين من الزمن، هو في الواقع عبارة عن غربين اثنين: مركز متمثل بالولايات المتحدة الأمريكية، وأطراف متمثلة بالاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا وبعض الدول المحسوبة على الحلف الغربي، وفي سياق تطور هذين الغربين الطبيعي تحولت دول اللامركز إلى دول منتجة لمعادلة التبادل اللامتكافئ مع العالم، من خلال تفوقها العلمي والاقتصادي لتخلق المزيد من التفوق الاقتصادي، فيما تحول المركز الأمريكي إلى إنتاج نفس المعادلة مع العالم كله من جهة، ومع حلفائه في الغرب من جهة أخرى، بحكم تسيّده المالي من خلال عملته الورقية الدولار وزعيقه العسكري.
ثانياً: إن المركز الأمريكي كان يتّبع المثل الشعبي القائل «طعمي التسعة لتأكل العشرة» وهؤلاء العشرة هم حلفاؤها في الغرب بالإضافة إلى حلفائها الإقليميين، حيث تجسدت عملية الإطعام هذه بالدعم السياسي والاقتصادي والمالي المشوّه في الكثير من الأحيان، ولكلٍ حسب درجة تخديمه للمصالح الأمريكية.
ثالثاً: اعتمد المركز الأمريكي على ثنائيتي سلاح- دولار لفرض الهيمنة العالمية في مختلف بقاع الأرض، حيث يقوم جانبا الثنائية المذكورة كل منهما بتخديم الآخر، حيث يقوم السلاح بحماية الدولار وفرضه كعملة دولية للحفاظ على الطلب المستمر وعلى قيمته السوقية، بيمنا يقوم السلاح بزيادة الطلب على الدولار إلى حد ما، وكل ذلك كان على حساب ملايين الفقراء في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ما الذي حدث؟
بما أن الخلافات قد دبت ولو ظاهرياً في «الغرب الواحد» بين الأمريكيين وأطرافهم، فهذا ينم على أن إحدى ركائز الهيمنة الغربية قد تم ضربها، لتسبب ترنح العلاقة الأورو- أمريكية، التي كثيراً ما كانت توصف بأنها ثابتة ومتينة، هذه الركائز المتمثلة بالسلاح والهيمنة المالية والاقتصادية والتفوق العلمي، وعليه يمكن افتراض ما يلي:
أولاً: إن الظهور الروسي الصيني القوي على الساحة الدولية، وانتزاعهم لحصتهم الطبيعية المتوافقة مع أوزانهم السياسية والاقتصادية والعسكرية من السوق العالمية، قد أدى بحتمية انخفاض حصة الغرب مركزاً وأطرافاً، والتي تبدو حصة المركز فيها أكثر هشاشة نظراً لاعتمادها على الهيمنة المالية أكثر من التفوق الاقتصادي الإنتاجي الحقيقي، بالتالي لم يعد يملك ما يكفي لإطعام التسعة ليس مالياً واقتصادياً فقط بل سياسياً وعسكرياً أيضاً.
ثانياً: التموضع المختلف لكل من الأمريكيين والأوروبيين في المنظومة الغربية لا بد أن يكون مدعىً للخلاف في حالات التراجع والهزائم، ليس لأنهم يريدون الخلاف أو أنهم يفضلون روسيا والصين، بل لأن المركز لا يريد تلك المنافع التي تأتي للاتحاد الأوروبي ويكون مصدرها تلك الجهات التي يمكن أن تكون بديلاً حقيقياً وجدياً للولايات المتحدة، وتمتلك القدرة على كسر معادلة التبادل اللامتكافئ علمياً واقتصادياً ومالياً وعسكرياً، والتي تضمن الهيمنة الأمريكية.
إن الولايات المتحدة بما تمثله كمركزٍ لقوى الرأسمال العالمي بدأت تتحول إلى مركز للرأسمال المالي فقط دون أن نعني أنه لم يعد يوجد رأسمال منتج فيها، الرأسمال المالي الذي دخل في حالة من التناحر مع القوى كافة على الصعيد الدولي، الرأسمالية منها وغير الرأسمالية، بالتالي يمكن أن نفهم جزئياً تلك الحالة الأمريكية اللّاودّية مع الجميع والتي لا علاقة لترامب بها.