وليام بفاف وليام بفاف

ضلال مقولة «الخير ضد الشر» في أفغانستان

عندما سمعوا باراك أوباما يلقي خطاب استلامه جائزة نوبل للسلام، سرت رعشة الدهشة وسط صفوف المحافظين في الولايات المتحدة من أن هذا الرجل، الذي يعتبرونه ليبرالياً صرفاً، كاد أن يشير صراحة إلى وجود الشرّ. أظن ذلك لأنه من البديهي افتراض أن الليبراليين ينأون بالمجتمع عن ذكر الشر، ويعتبرون أن الكلمة بحد ذاتها مصطلح بائد لا يستخدمه إلا أناس مثل الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش وأتباع حقه «المسيحي المقدس».

وكذلك أدهشهم اكتشافهم أن أوباما «مسيحي الديانة» أيضاً. وكانت علاقته مع المبشر المسيحي الذي هداه إلى الدين عنواناً رئيسياً في نشرات الأخبار وموضوع التعليقات خلال حملته الانتخابية التمهيدية في عام 2008. وبالطبع من الصعب أن تصبح مؤمناً من دون أن تسمع شيئاً ما عن الآثمين، وعن الشر.
عكست تعابير جورج بوش الدينية، على الدوام، إيمانه بأن الخير يتمثّل بالولايات المتحدة الأمريكية، وأن الشر يتمثل بأعدائها. وهو القائل في خطابه الأخير الموجه للشعب: «يتوجب على أمريكا أن تحافظ على صفائها الأخلاقي. لطالما حدثتكم عن الخير والشر، مما أثار حفيظة بعضهم. غير أن الخير والشر موجودان في العالم، ولا يمكن قيام تسوية بينهما»!
هذا صحيح بما يكفي من حيث أساس المعتقد، إنما هنا نستشف أمراً يتعلق بأي منهما هو المسيحي الجيد المقصود في حكاية الرجل المُرائي والرجل الفقير؟ تقول الحكاية إن الرجل الفقير احتل مكانه في مؤخرة صفوف الكنيس، واعترف للرب بأنه كان آثماً وطلب المغفرة. بينما جلس المرائي في الصف الأمامي وذكـّر الرب بكل الأعمال الخيّرة التي أداها، وأُعطياته الثمينة للمعبد، شاكراً الرب على أنه ليس مثل باقي الناس!
كل منهما، أوباما وبوش، كان يقول على طريقته إننا نحن الأمريكيين أخيار، فيما حركة طالبان والجهاديون هم الأشرار. نحن أخيار بسبب كوننا من نحن عليه، ومعاقبتنا لهم مبررة لأنهم ما هم عليه. سوى أن المسألة في الواقع مختلفة بعض الشيء. فالأمريكيون هم المنتقمون من حركة طالبان التي استضافت، قبل عام 2001، أسامة بن لادن وجماعته بعدما أبعدتهم الحكومة السودانية عن السودان استجابة لطلب أمريكي.
ولم تشتكِ حكومة طالبان في كابول من ضيم الولايات المتحدة إلا بعدما هاجمت واشنطن أفغانستان في عام 2001، لأن طالبان كانت تزهو بتوكيلها تأمين الحماية وحسن الضيافة، ما اعتبرته دليل تشريف لها. أما اليوم فتحاول استعادة السيطرة على بلدها من أيدي الطاجيك (جماعة التحالف الشمالي القديم)، الذين تلقوا أفغانستان هدية من الولايات المتحدة في عام 2002، لمساعدتهم في إسقاط حكم طالبان آنذاك.
باراك أوباما لا يحب جماعة طالبان لأنهم يضطهدون النساء ويهاجمون الغزاة الأمريكيين!! لست أدري أين يجد اللاهوتيون العدالة في كل هذا، إنما يذهلني ما لا أعتبره حرباً بين خير وشرّ، بل صداماً هائلاً بين جماعتين، على السواء، جاهلتين، خاويتين ثقافياً، معتدّتين بالذات، متعصبتين قومياً وإيديولوجياً.
كتب دافيد بروكس في صحيفة «ذا نيويورك تايمز» عن أوباما منعش أفكار الواقعي المسيحي الحديث رينولد نيبور، الذي انتشل الكنيسة البروتستانتية الأمريكية، فترة الثلاثينيات وحتى الخمسينيات، من التشويش الناجم عن وجود عظات إنجيلية مسالمة (أدر له الخد الآخر) بالتزامن مع ضرورة الحرب على الحركات الاستبدادية (استلّ سيفك).
الخطيئة المعاصرة أكثر بساطة، تلك «تبع» المرائي المتكبر. نحن الأمريكيون نشن «حروباً عادلة» لكوننا أناساً أخياراً وصالحين، ولذلك يحق لنا استخدام جيوشنا الجرارة بقاذفاتها وصواريخها وألغامها وطياراتها الموجهة، لقصف وترويع الشعوب، وغزو بلدان كل من نعرف أنهم سيئون بدليل أنهم يرتكبون العصيان المسلح والتآمر والإرهاب لمقاومتنا، ويواصلون إقامة شعائر دينية لا تعجبنا.
مشكلات الحرب العادلة ليست حديثة العهد. فهي تعود في التقليد المسيحي الغربي إلى اللاهوتيين أكيناس وسواريز اللذين يذكران أنه لكي تكون الحرب عادلة، يجب أن يكون سببها جريمة واضحة مبررة لا يشوب وضوحها أدنى شك بنظر العالم كله؛ وتقوم بعد فشل كافة الوسائل السلمية (المفاوضات)؛ ولكي يُنجَز الخير يجب قياسه مع الشر الذي تنجزه الحرب؛ ولابد من توفر حد معقول من الأمل بأن الحرب ستصل إلى تحقيق العدالة لكلا الطرفين؛ وتستخدم في الحرب الوسائل المحللة (الأسلحة محدودة وشرعية)؛ ومقيدة بالقانون الدولي.

بهذا المعنى، لست أرى حرباً عادلة في أي مكان هذه الأيام.