_

كامب ديفيد، المفرزات السياسية العامة

استكمالاً لمراجعة نقدية لاتفاقية كامب ديفيد التي مثّلت المشروع الاستعماري في المنطقة في النصف الثاني من القرن العشرين، سنتتبّع في هذه الحلقة التحولات السياسية في الوعي العام للمجتمعات العربية عموماً والمصري خصوصاً وذلك عبر توضيح السمات السياسية العامة للمزاج الشعبي عبر نموذجين:

1-النموذج المصري بقيادة جمال عبد الناصر:

 والذي حمل قضايا عديدة حيث اتسمت هذه المرحلة بصعود الفكر القومي، و كان من نتائجه توجيهه للصراع ضد مشاريع الولايات المتحدة في المنطقة وعلى رأسها الصراع العربي-الصهيوني، وبالتالي تحولت مصر إلى مركز لحركة التحرر العربي بشكل رسمي وتم دعمها من  معسكر الاتحاد السوفييتي آنذاك حيث كان الراعي الأساسي لحركات التحرر، وفي ذاك الوقت اتصفت هذه المرحلة بحكم أحزاب (البرجوازية الصغيرة) والتي تبنت إجراءات اشتراكية مما أدى إلى حدوث تقارب سياسي مع المعسكر الاشتراكي إلا أنه ظل محدوداً بالعلاقات الاقتصادية المنسوجة مع المعسكر الغربي.

 ترافق ذلك مع المزاج الشعبي الذي ناهض الولايات المتحدة و»إسرائيل» في تلك المرحلة وبهذا كانت تلك المرحلة تعبيراً عن حالة من التعقيد والتناقض .

 

2- نموذج السادات:

 ولد هذا النموذج السياسي بتأثير حاسم من الوضع الاقتصادي الذي برمجه السادات نفسه، والمبني على دعم الطبقة البرجوازية في مصر للسياسة الأمريكية، ومنه بدأت عملية التحضير للاتفاقية المختبئة وراء ستار الواقع الاقتصادي لمصر متجاهلين القضية الوطنية. لقد كان السادات مدركاً لأهداف هذه المعاهدة وأكثر من ذلك يمكن القول إنه كان المهندس لهذه العملية من الطرف العربي، ويمكن تقسيم هذه الأهداف عسكرياً وسياسياً إلى:

 

• عسكرياً :

1- إنهاء حالة الحرب التي لا تستطيع «إسرائيل» تحمل استمرارها وبالتالي تخفيف النفقات عن أمريكا وإعطاء «اسرائيل» فرصة لتوسيع وزيادة عدد المستوطنات وتطوير الترسانة العسكرية بالدعم الأمريكي، حيث حدد بن غوريون مفهوم الصهيونية للسلام منذ أيام الانتداب البريطاني بقوله «إن اتفاقاً مع العرب هو أمرٌ ضروري لنا ولكن ليس من أجل خلق السلام إذ ليس من الممكن بناء البلاد في وضع من الحرب الدائمة، ولكن السلام هو وسيلة لنا، إن الهدف هو التحقيق الكامل والمطلق للصهيونية ومن أجل هذا فقط نحتاج للاتفاق»

2- التخلص من القوة العسكرية التي تشكل خطراً جدياً على «إسرائيل» آنذاك الممثلة بمصر بصورة أساسية، و يقول «آبايبان» في مقال نشرته صحيفة معاريف في 141977 تحت عنوان «أساس تحديد استراتيجية سياسية:

 المهمة الأولى الملقاة على عاتق الولايات المتحدة تتمثل بردع مصر عن القيام بمغامرة على غرار 1973 أي تفضيل الخيار العسكري»

3- إعادة نشر قوات عسكرية في العريش ومنطقة السويس حسب نص الاتفاقية بحجة الحفاظ على أمن «إسرائيل» وتطوير الترسانة العسكرية لها ومضاعفة قواها كجزء من عملية تطوير جيش «إسرائيل» الكلية .

4- إضعاف دور الجيوش العربية من خلال تحويل العقيدة القتالية من خط مقاومة الصهيونية إلى خط الاستسلام تحت يافطة الحلول الدبلوماسية وبالتالي تحييدها عن الصراع العربي «الاسرائيلي» كما حدث في مصر أو ضرب جاهزية بعض الجيوش العربية كما حدث مع الجيش العربي السوري خلال حرب أكتوبر بعد انسحاب الجيش المصري .

 

• سياسياً:

انقسمت الأهداف إلى مجموعة تم تحقيقها مباشرة وحققت انتصاراً للمعسكر الغربي أولاً و»اسرائيل» ثانياً تمثلت بـ:

1- الاعتراف رسمياً بقيام دولة «إسرائيل»، حيث يقول دانيال بلوخ في صحيفة دافار بتاريخ 20111977 «أما من ناحيتنا فإن السادات يعطي «إسرائيل» أقصى حد ممكن وهو ليس فقط الاعتراف بحق وجود «إسرائيل» بل بعدالة وجودها لا بل اعترافاً بالأيديولوجيا الصهيونية التي أدت إلى قيام دولة «إسرائيل»

2-  إعادة صياغة شكل العلاقات في المنطقة العربية وفق المعادلة الأمريكية وفي ظل تفوق عسكري «لإسرائيل» .

3- ضرب حركات التحرر العربية بإيجاد قوة تقف في وجهها وتفكك صفوفها وبالتالي استباق التطور الطبيعي لها في الثورة على الكيان الصهيوني وحسم الصراع العربي - الصهيوني لمصالح العرب .

4- خلق عقلية عربية جديدة تقبل تطور الشروط «الإسرائيلية» فيما يخص وجودها ومشاريعها في المراحل المتعاقبة.

5- ضرب المعسكر الشرقي المتمثل بالاتحاد السوفييتي من خلال التحالفات الجديدة وبالتالي عطف مسار الصراع الدولي لمصلحة الغرب الأمريكي وهو ماركّزت عليه الولايات المتحدة عبر مشروعها حيث صرح السفير» الإسرائيلي» في واشنطن بتاريخ 5/1/1978«هناك قاسم مشترك بين مصر و»إسرائيل» والولايات المتحدة، وهذا القاسم المشترك إبعاد النفوذ السوفييتي عن المنطقة والحيلولة دون إحباط السلام من قبل «جبهة الرفض» وبضمنها منظمة التحرير الفلسطينية».

 

ترتكز المجموعة الثانية إلى أهداف بعيدة الأجل منها:

1-تثبيت مراكز القوى اللبرالية في المنطقة العربية وجعل القرار السياسي بيدها على مراحل ففي نموذجنا المصري تم إنهاء مرحلة السادات باغتياله والتأسيس لمرحلة مبارك.

2-توسيع عملية التطبيع مع «إسرائيل» عبر شرعنتها باتفاقيات ومعاهدات وتضمينها كل المجالات الاقتصادية والعسكرية والثقافية والعلمية.

 

إن التطبيع مع الكيان الصهيوني هو عملية مركبة جوهرها إقتصادي مرتبط بمصالح الإمبريالية العالمية ومشاريعها الاستعمارية، وفي إطار الواقع المصري تم تكريس هذه العقلية في مرحلة مابعد السادات عبر اللبرلة الاقتصادية وإنتاج قوى سياسية لاتعادي هذه الأفكار.

إن مشروع كامب ديفيد قاد لمشاريع عديدة أثّرت على الواقع المصري والعربي وأنهت مشروع الوحدة العربية إلى سلسلة من الإنقسامات والحروب والهزيمة، ولذلك توجّبت مراجعة التاريخ وقراءة الواقع من جديد لإيقاف انحرافاته والخلاص من تأثيراته.