تركيا بين طموحات أردوغان والخيارات الفاشية
عامر حسن عامر حسن

تركيا بين طموحات أردوغان والخيارات الفاشية

شهدت وتشهد، الساحة التركية مؤخراً تطورات دراماتيكية، انعكست في مظاهر الشحن القومي، بالترافق مع توسع دائرة العنف، التي لم تسلم منها حتى المدن الرئيسية، وإن كانت بمستويات مختلفة، ولغايات متعددة.

وقد أعلنت الحكومة التركية العديد من المناطق في بلادها، مناطق عسكرية، الأمر الذي سيترجم عملياً، بأن القول الفصل سيكون لأجهزة القوة التركية، التي قامت في بعض المناطق الجنوبية بممارسات ترتقي إلى مستوى إرهاب الدولة، ناهيك عن  شن غارات عسكرية شبه يومية على معاقل حزب العمال الكردستاني، لتصل إلى الأراضي العراقية بحجة ملاحقة مقاتلي الحزب. 

في سياق متصل، وفي خطوة استفزازية، هاجم متظاهرون مقرات حزب الشعوب الديمقراطي في مختلف المدن، لاسيما في العاصمة أنقرة. وأصدر الحزب بدوره بياناً اتهم فيه الأجهزة الأمنية الرسمية بأنها «تسامحت» مع المتظاهرين الفاشيين المهاجمين، بل دعمتهم أحياناً، علماً بأن هجومهم كان مبيتاً ومعلناً.

وكانت تقارير إعلامية قد تحدثت أن نتائج المواجهات بين «العمال الكردستاني» والسلطات التركية بدأت تظهر بوضوح في بعض المدن والبلدات، حيث مشكلات الأغذية وانقطاع خطوط الهواتف والكهرباء والمياه والإنترنت، في حين نقلت تقارير إعلامية عن شريكة صلاح الدين ديمرتاش في رئاسة الحزب، ليلى أمرات، من أن الحرب الأهلية ستبدأ من بلدة «جزيرة» التي شهدت أكبر عمليات تمرد على السلطات المركزية، حيث حفر مسلحون خنادق في شوارعها وأعلنوا الحكم الذاتي.

وفي إسطنبول، وأنقرة، تعرّضت صحيفة «حرييت» التركية لاعتداءات جديدة من متظاهرين يقال إنهم مؤيدون للحكومة ولرئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان للمرة الثانية خلال 48 ساعة. واحتشد عدد من المواطنين ليل الثلاثاء الماضي، للمرة الثانية، أمام مقر صحيفة «حرييت» بمنطقة باغجيلار بإسطنبول متهمين إياها بأنها حرفت تصريحات أردوغان. وقاموا بكسر زجاج واجهة المبنى والبوابة الرئيسية بالحجارة والعصي.

من جهتها، قالت صحيفة «زمان» المعارضة: إن مجموعة مؤيدة لحزب العدالة والتنمية نظمت أعمالاً استفزازية أمام مقرها بمنطقة يني بوسنه بإسطنبول، حيث هاجمت الباب الخارجي لمبنى الصحيفة بالحجارة والعصي، مع إطلاق النعوت والشتائم.

من جانبه، دعا رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كلجدار أوغلو، المواطنين في أنحاء تركيا إلى التصرف بوعي وحكمة حيال الأحداث الأخيرة في البلاد، في حين دعا رئيس حزب الحركة القومية التركي المعارض دولت بهجلي إلى تطبيق الأحكام العرفية في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية للبلاد. وأشار إلى أن إعلان مناطق أمنية أمر لا فائدة منه، وأنه من الضروري تطبيق الأحكام العرفية. وأوضح أن الشعب التركي يبدي موقفًا مشروعاً ضد «الإرهاب»، حسب زعمه، ولكنه أردف أنه من الضروري الحذر من الانجراف نحو الصراع العرقي والفوضى، والتصرف بحكمة وحذر لمنع اشتعال الأزمة والاقتتال الداخلي في تركيا.

وفيما سبق لجهات سياسية تركية، معظمها موال لأردوغان، أن دعت إلى رفع الحصانة البرلمانية عن النائب صلاح الدين ديمرتاش، بحجة مساندته «للإرهاب الكردي»، تشير المؤشرات، والأخبار الواردة عن الوضع الميداني في تركيا عموماً، إلى أن أردوغان يقود تركيا إلى مستنقع خطير، محاولاً تعويض سلسلة الهزائم التي مني بها، حيث فشل في تحويل النظام إلى نظام رئاسي، وتراجعت شعبية حزبه في الانتخابات، وصعدت قوى سياسية لها خياراتها المختلفة عن خياراته، مما قد يهدد آخر معاقل حكم الإسلام السياسي المتبقية. مضافاً إلى كل ذلك لعب الأمريكيون لعبة «العصا والجزرة» معه، فيما يتعلق بما يسمى بـ«المنطقة الآمنة» في سورية، فيحاول خلط الأوراق، ويدفع باتجاه رفع منسوب التوتر، من خلال العزف على وتر التشدد القومي والديني، حتى يتسنى له استخدام صلاحياته في تأجيل الانتخابات لمدة سنة، ويتمكن من تحسين مواقعه الشعبية.

بين تقاطع طموحات أردوغان الملجومة بالتوازنات الجديدة في الداخل التركي، والتوازنات الدولية، وسط سعي القوى الفاشية التي تمسك بمفاصل هامة في الدولة التركية إلى إشعال الحدود الجنوبية للقوى الصاعدة، تنفتح أمام تركيا، بكل ما تعنيه من ثقل جيوسياسي في المنطقة، أبواب المجهول!!