الإلزام بالدفع الإلكتروني عبء إضافي وفرصة استغلال!

الإلزام بالدفع الإلكتروني عبء إضافي وفرصة استغلال!

الدفع الإلكتروني (مستلزماته ولوجستياته، ممكنات تطبيقه ونواقصها، آلياته ونتائجه المتوخاة والعملية)، هي عناوين لتساؤلات كثيرة، أكثرها إلحاحاً عن انعكاساته على حياتنا كمواطنين!

فهل شكّل الدفع الإلكتروني بآلياته التنفيذية الحالية الملزمة حلّاً لبعض مشاكلنا، أم زاد الطين بلّه علينا؟!

تسارع بعد الاستكانة!

عناوين «الحكومة الإلكترونية- والدفع الإلكتروني» بدأ الحديث عنها منذ منتصف العام 2005، إلا أنها بقيت في الحيز النظري والإعلامي نسبياً، مع استثناءات (إيجابية لا شك) تمثلت على المستوى التنفيذي بمشاريع النافذة الواحدة لتقديم بعض الخدمات المباشرة للمواطنين، حتى أتى عام 2021 لتدفع الحكومة مجدداً بهذه العناوين إلى الواجهة، وخاصة الدفع الإلكتروني، مع زخم إعلامي وتسويقي وترويجي، ومسيرة متسارعة بعد الاستكانة لاستكمال وضعه في حيّز التنفيذ!
وكان الهدف حسب التصريحات الرسمية توجيه كل المدفوعات وتسديدات الفواتير لتمر عبر القنوات المصرفية النظامية، ما ينعكس إيجاباً على استقرار العملة وضبط المدفوعات وتخفيف الهدر في طرق التسديد التقليدية، إضافة إلى توفير وقت وجهد المواطن!
والآن وبعد ما يقارب السنتين ونصف، أين وصلت مساعي الحكومة، وما هو رأي المواطنين، وخاصة المفقرين؟

الانطلاقة كانت عبر شركات الخليوي!

أطلقت وزارة الاتصالات والتقانة ومصرف سورية المركزي خدمة الدفع الإلكتروني عبر الهاتف الخلوي باحتفال كبير بحضور رئيس الحكومة بتاريخ 29/5/2021 في فندق داما روز في دمشق.
وتهدف الخدمة، بحسب ما ورد في موقع وزارة الاتصالات بحينه، توفير مجمل الخدمات للمواطنين بأقل جهد ووقت وتكلفة وتعد نقلة نوعية في التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية وتطوير صناعة تقانة المعلومات بحيث يكون المواطن قادراً على دفع الرسوم والفواتير إلكترونياً سواء أكانت عامة أم خاصة.
الانطلاق عبر شركات الخليوي ربما كان سببه ضعف البنية التحتية لدى المصارف الحكومية والخاصة، ومحدودية الحسابات المصرفية الخاصة بالمواطنين لديها، وعدم وجود شركات للمدفوعات الإلكترونية، وضبابية القوانين والأنظمة التي تحدد وتضبط هذه الخدمة بما يحقق الغاية منها، بما في ذلك مصالح مستخدميها وتخفيف الأعباء عنهم!

مهام خارج الاختصاص والمسؤولية!

بالمقابل فإن تعهيد هذه الخدمة لشركات الخليوي جعلها تقوم بمهام مصرفية وبمهام شركات المدفوعات، بالإضافة إلى دورها ومهامها المفترضة كشركات اتصالات!
ومع ذلك لم تمانع شركات الخليوي القيام بالمهام أعلاه تحت عنوان الدفع الإلكتروني، على الرغم أن تلك المهام خارج مسؤولياتها المفترضة، فهاجس التربح على حساب المستفيدين من خدماتها الجديدة أهم!
مع الأخذ بعين الاعتبار أن الخطوة المتسرعة بوضع خدمة الدفع الإلكتروني بالتنفيذ وبعهدة شركات الخليوي شكّلت ضغطاً عليها أيضاً!
فحتى البنية التحتية لهذه الشركات لم تكن مستكملة وكافية، لا على مستوى البرمجيات ارتباطاً بأقنية التحويل والتسديد وضوابطها، ولا على مستوى مراكز وكوى التسديد والدفع التابعة لكل منها وعددها وانتشارها، وما زالت بعض هذه الصعوبات قائمة ومستمرة حتى الآن!

التجاوب غير الكافي والإلزام الرسمي!

على الرغم من المساعي الحكومية، المتسارعة والمتسرعة، إلا أن الدفع الإلكتروني لم يلقَ الإقبال والتجاوب الكافيَين من قبل المواطنين، مما دفع الحكومة إلى السير في طريق الإكراه والإلزام به، ابتداء من رسوم جواز السفر مروراً بالرسوم الجامعية، وليس انتهاء بفواتير (المياه والاتصالات والكهرباء)، وقريباً المحروقات!
فخطوات الحكومة المتسارعة للتشجيع على الدفع الإلكتروني والإلزام به، وبغض النظر عن شرعية وقانونية طرق الإلزام التي اتبعتها، إلا أن التجارب المطبقة حتى تاريخه غير مشجعة، بل منفّرة!
فجزء من الطوابير انتقل من الجهات العامة إلى المصارف، وجزء آخر وأكبر إلى كوات شركات الخليوي، ناهيك عن المشكلات المزمنة والمستمرة المتعلقة بخدمات الإنترنت والكهرباء!

الأعباء على المواطنين لم تخف بل زادت!

رغم مرور ما يقارب سنتين ونصف على إطلاق مشروع الدفع الإلكتروني، وعلى الرغم من حجم الترويج والتسويق الإعلامي الكبير الذي رافقه، إضافة إلى مساعي الحكومة الواضحة بفرضه والإلزام به، إلا أن جل ما حققه هذا المشروع حتى الآن هو مزيد من الضغوط والأعباء على المواطنين، وليس العكس كما يفترض!
فمع تأكيد أهمية وضرورة الانتقال إلى آليات الدفع الإلكتروني عبر الأقنية المعتمدة لذلك، فإن التسرع بذلك والإلزام به في ظل تردي البنية التحتية (للاتصالات والإنترنت والطاقة الكهربائية ولدى الجهات المعنية بهذه الخدمة)، إضافة إلى الواقع المعيشي والاقتصادي المنهك لعموم المواطنين كانت نتيجته مزيداً من الأعباء على المواطنين، وبوابات استغلال إضافية لهم!
وبعيداً عن الخوض بموضوع توسيع خصخصة الكثير من مهام الدفع الإلكتروني، سواء عبر شركات الخليوي أو عبر المصارف الخاصة وشركات الدفع الإلكتروني الخاصة أيضاً، ولعل أهم الأسباب التي جعلت من المشروع ضاغطاً على المواطنين تتمحور حول البنية التحتية غير الجاهزة من الناحية التقنية، نتيجة ضعف الإنترنت وغياب التيار الكهربائي!
مع الأخذ بعين الاعتبار أن غالبية المواطنين من المفقرين لا يملكون حسابات بنكية، ويضاف إلى ذلك بعض الإجراءات التضييقية المتبعة من قبل المصارف وتعقيداتها من أجل فتح الحسابات، بما في ذلك الرسوم والمبلغ المحدد كحد أدنى لفتح الحساب حسب نظام العمليات المتّبع في كل مصرف، وغيرها من المعيقات المرتبطة بالعمل والخدمات المصرفية عموماً، مثل سقوف السحب والتحويل، والتي بمجموعها عوامل غير مشجعة بالنسبة للمواطنين للتعامل مع المصارف، وهذا الأمر لا يقتصر على المفقرين، فعوامل الثقة مهزومة بالتعامل مع المصارف حتى من قِبل أصحاب الأموال والأثرياء!
ويضاف إلى كل ما سبق أن الدفع الإلكتروني يفترض توفر جوالات حديثة وذكية لدى المواطنين كي يتم تحميلها التطبيقات اللازمة للاستفادة من خدمات الدفع الإلكتروني، الأمر غير المعمم عملياً بالنسبة للغالبية المفقرة العاجزة عن شراء مثل هذه الأجهزة مرتفعة السعر، ناهيك عن الصعوبات بالنسبة لكبار السن في التعامل مع التطبيقات الإلكترونية!
والنتيجة هي أن الإلزام الذي اتبعته الحكومة لم يترك للمواطنين، وخاصة غالبيتهم المفقرة، سوى خيار اللجوء إلى شركات الخليوي بطوابيرها المزدحمة على كواتها، وصعوبة تغذية الحساب عبر الأجهزة الخاصة التي تعاني بدورها من أعطال تجعلها في معظم الأوقات خارج الخدمة، أو إلى بعض المكاتب التي تقوم بتقديم خدمات الدفع الإلكتروني لقاء عمولات إضافية!
فالمواطن وجد نفسه بين فكي كماشة، من جهة القرارات الحكومية الملزمة بالدفع الإلكتروني للفواتير المسقوفة بمهل زمنية، ومن جهة صعوبات التحويل والتسديد، فلا كهرباء ولا إنترنت، واستغلال من قبل مقدمي خدمات الدفع الإلكتروني الذين أبدعوا بقص رقاب الناس، مستغلين حاجتهم لدفع فواتيرهم خلال المهل الزمنية المحددة!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1165
آخر تعديل على الجمعة, 26 نيسان/أبريل 2024 23:44