يأس وعجز أم تكريس للتراجع والاستنزاف؟!
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

يأس وعجز أم تكريس للتراجع والاستنزاف؟!

ما زالت الحكومة مصرة على المضي بسياساتها المنهكة للبلاد والعباد، مع استمرار تذرعها بالحرب والحصار والعقوبات، للتغطية على كل موبقات هذه السياسات بنتائجها السلبية الكارثية!

فآخر ما حرر أن الحكومة تبحث عن «مطارح جديدة» لتعزيز موارد الخزينة بالقطع الأجنبي، بالتوازي مع مساعي «ترشيد الإنفاق» الممول بالقطع!

تفاصيل المستجدات الحكومية!

صدر كتاب عن رئاسة مجلس الوزراء موجه إلى الوزراء برقم 8366/1 تاريخ 27/6/2023، يتضمن التالي:

«بناء على ما تقرر في جلسة مجلس الوزراء المنعقدة بتاريخ 27/6/2023 يرجى العمل على موافاة (وزير المالية- حاكم مصرف سورية المركزي) بمذكرة خلال ثلاثة أيام عمل من تاريخه تتضمن مقترحاتكم لتعزيز موارد الخزينة العامة من القطع الأجنبي سواء من خلال اقتراح مطارح جديدة أو ترشيد الإنفاق الذي يموّل بالقطع الأجنبي وبما يمكّن من الاستمرار في تأمين الاحتياجات الأساسية لمختلف القطاعات ليصار إلى دراسة المقترحات أعلاه وإجراء ما يلزم بشأنها».

فكيف ستتم ترجمة الكتاب أعلاه؟
وما هي آليات ترشيد الإنفاق الممول بالقطع وفقاً للسيناريوهات الحكومية المتبعة؟

مصادر القطع الأجنبي المتعارف عليها!

في البداية لا بد من معرفة موارد القطع الأجنبي، والتي يمكن تلخيصها بالمطارح الرئيسية التالية:

عائدات التصدير (خامات ومواد أولية- منتجات خام ومصنعة).
تحويلات السوريين من الخارج لذويهم داخلاً.
عوائد السياحة وإنفاق السياح.
عوائد العبور البري والجوي.
عوائد خدمات النقل والشحن، البري والجوي والبحري.
رسوم وعائدات المناطق الحرة.
الرسوم الجمركية.
حصص الشركاء الأجانب في المصارف والشركات الخاصة وتحويلات المستثمرين من الخارج.
بعض خدمات الاتصالات.
بعض الخدمات المالية والائتمانية والضمان.
إيرادات الرسوم القنصلية، ورسوم جوازات السفر الخارجية.
البدلات التي تدفع بالقطع.
تصريف 100 دولار من السوريين القادمين إلى سورية.
تحويلات المنظمات الدولية، والمساعدات والمنح الدولية.
الديون الخارجية.
وهناك الكثير من المطارح الثانوية الإضافية الأخرى.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن جزءاً من هذه الموارد ليست محصورة بالخزينة فقط، مثل بعض عائدات التصدير والتي تقلصت فاتورتها بشكل كبير، وجزء آخر يتم التنافس للحصول عليه مع السوق الموازي، مثل تحويلات السوريين في الخارج!

الوضع الكارثي المستمر!

يعيش السوريون بغالبيتهم المفقرة كارثة من الأزمات المتراكبة بكل ما تعنيه العبارة من معنى، فالأسعار بارتفاع مستمر، والتضخم بازدياد، والليرة نحو المزيد من التدهور، والوضع الخدمي مترهل، والوضع الاقتصادي في البلاد يمضي نحو الأسوأ، والفقر معمم والجوع منتشر، والآفات والظواهر الاجتماعية السلبية تتفاقم وتتعمّق وتتوسع!

وكل ما سبق مرتبط بتداعيات ونتائج الحرب والأزمة من طرف، وبجملة من السياسات الظالمة المتبعة من طرف آخر، بما في ذلك السياسات المالية والنقدية!
على ذلك فإن الترجمة العملية المتوقعة بنتيجة البحث الحكومي المستجد استناداً للطلب أعلاه سيكون على الشكل التالي:

اقتراحات وبدع جديدة شبيهة ببدعة فرض تصريف 100 دولار من كل سوري يريد دخول البلاد!
مزيد من تخفيض الإنفاق العام وتقليص الدعم تحت اسم ترشيد الإنفاق الممول بالقطع!
أي مزيد من النتائج الكارثية والسلبيات والآفات التي سيحصد نتائجها المفقرون والاقتصاد الوطني على السواء!

بحث اليائس والعاجز والسيناريوهات السيئة!

إن تعزيز موارد القطع الأجنبي بالظروف الاقتصادية القاسية الراهنة أمر طبيعي ومن صلب عمل ومهام الحكومة افتراضاً، ليس من أجل تغطية وتمويل المستوردات وخاصة الاحتياجات الأساسية والضرورية، أو من أجل تسديد الديون فقط، بل من أجل وضع حد لتدهور القيمة الشرائية لليرة، والاستنزاف المستمر للبلاد والعباد.

فالطلب الحكومي أعلاه يمكن أن يكون للأسباب المختصرة التالية:

نقص موارد القطع من المطارح المبوبة أعلاه.
إغلاق بوابة الاستفادة من بعض هذه المطارح.
اليأس من تحسين الإيرادات من مطارح أخرى.
زيادة العجز في الإنفاق الممول بالقطع.

فالبحث عن مطارح جديدة لهذا الغرض يعني أن الحكومة يئست من إمكانية تعزيز موارد القطع وزيادتها من المطارح الموجودة والمتاحة أعلاه (وخاصة عائدات التصدير)، أو أنها تكرّس تخليها عن بعضها (مثل حوالات السوريين)، وربما كلاهما معاً!

أما ترشيد الإنفاق الممول بالقطع وفقاً لمضمون الكتاب أعلاه فلا يعني أن الحكومة يئست من خطط مشاريع إحلال بدائل المستوردات التي طنبت آذاننا بها، أو عجزت عن وضع حد للمستوردات الترفية المستنزفة للقطع، بشكل رسمي أو تهريباً، فقط، بل يعني على المستوى التنفيذي أنها ستقلص سلة مستورداتها المحدودة الممولة بالقطع (مشتقات نفطية- أدوية- قمح- سكر- رز- حليب أطفال)، إما كماً أو صنفاً!

مع العلم أن السياسات المحابية لكبار أصحاب الأرباح ساهمت بشكل مباشر بتقويض الإنتاج المحلي، وبالتالي أدت إلى ارتفاع فاتورة المستوردات المستنزفة للقطع سلفاً!

فعن أي ترشيد يجري الحديث الحكومي بعد كل ذلك؟!

فلا ندري ما يمكن أن تتفتق عنه الإبداعات الرسمية من مطارح جديدة مقترحة، أو ما هي الاحتياجات التي سيتم تقليص تمويلها الرسمي أو إنهاؤه باسم الترشيد؟
لكن الغالب أن هذه وتلك ستكون من جيوب المواطنين وعلى حساب حاجاتهم وضروراتهم، كما جرت العادة!

فمن اتخذ قرار فرض تصريف 100 دولار من كل سوري عند دخوله إلى بلده، في مخالفة دستورية وقانونية، لن يعجز عن إبداع ما هو أسوأ من ذلك!

ومن اتبع سياسات تخفيض الإنفاق العام، وسياسات تقليص الدعم على الأساسيات، لن تعجزه إجراءات إضافية على شكل مزيد من تخفيض الإنفاق وإنهاء الدعم، ولو أدى ذلك إلى مزيد من التراجع الاقتصادي والمزيد من الإفقار المعمم والجوع!

فالسياسات المتبعة المولدة للأزمات والموبقات، والتي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من كوارث، ما زال في جعبتها المزيد من البدع الموبقة على ما يبدو!

دعم الإنتاج أولاً وآخراً!

لعله من الأجدى بدلاً من البحث عن مطارح وبدع جديدة كموارد للقطع الأجنبي أن تتم زيادة الموارد من المطارح الموجودة، مثل الصادرات وحوالات السوريين!

فالصادرات تعتبر مورداً رئيسياً للقطع الأجنبي، سواء كانت من قبل القطاع العام أو من قبل القطاع الخاص!

لكن الحكومة التي تتباكى على تراجع صادرات النفط، والتي فرّطت بالقطاع العام المنتج بشكل مباشر وغير مباشر، لم تعمل على تعويض هذه الصادرات وزيادتها بما هو متاح وممكن من السلع والمواد الأخرى المنتجة والمصنعة محلياً، بل عملت على تقويض الإنتاج (الزراعي والصناعي- العام والخاص)، وبالتالي ساهمت بشكل مباشر بتقليص إضافي لفاتورة الصادرات المحلية، مقابل زيادة فاتورة المستوردات، وبما يضمن مصالح القلة من كبار أصحاب الأرباح فقط لا غير!

فموسم القمح يتراجع من عام الى آخر، وكذلك الحمضيات وزيت الزيتون وغيرها من المنتجات الزراعية بشقيها النباتي والحيواني التي تعتبر منتجات تصديرية، ومن أسباب ذلك المباشرة هي سياسات تخفيض الدعم الجائرة على قطاع الإنتاج الزراعي، وخاصة على مستلزمات إنتاجه، بالإضافة إلى بقية السياسات الظالمة!

أما القطاع الصناعي المنتج (الغذائي والنسيجي والدوائي و..) فوضعه من سيئ إلى أسوأ، والسبب المباشر ارتفاع تكاليف إنتاجه، وخاصة حوامل الطاقة التي كرّست الحكومة تحرير أسعارها على هذا القطاع، ليس ذلك فقط، بل مع خلق المزيد من العراقيل والصعوبات والأزمات التي تحول دون تمكنه من العمل والاستمرار، وصولاً إلى توقف الكثير من منشآته!

فالإنتاج المحلي على أيدي الحكومة وسياستها لم يعد يكفي لسد الاحتياجات المحلية، وبأسعاره المرتفعة أصبح من الصعب استهلاكه من قبل الغالبية المفقرة، فكيف سيكون عليه الحال بما يخص الإنتاج المعد للتصدير بعد ذلك، وكيف لهذ الإنتاج أن يتمكن من الحفاظ على أسواق التصدير، إن لم نقل البحث عن أسواق خارجية جديدة؟!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1130
آخر تعديل على الأربعاء, 19 تموز/يوليو 2023 20:37