_
قرار البيوع العقارية والمركبات هل هو وثيقة مصرفية فقط؟
عاصيا اسماعيل عاصيا اسماعيل

قرار البيوع العقارية والمركبات هل هو وثيقة مصرفية فقط؟

سيدخل حيّز التنفيذ، اعتباراً من مطلع الأسبوع القادم، القرار الحكومي القاضي بـ«إلزام الجهات العامة المخولة قانوناً مسك سجلات ملكية العقارات والمركبات بأنواعها، والكتّاب بالعدل بعدم توثيق عقود البيع أو الوكالات المتضمنة بيعاً منجزاً وغير قابل للعزل قبل إرفاق ما يُشعر بتسديد الثمن أو جزء منه في الحساب المصرفي للمالك أو خلفه العام أو الخاص أو من ينوب عنه قانوناً».

ومن المتوقع، بدايةً، مشاهدة المزيد من الازدحام على المصارف، العامة والخاصة، من قبل المواطنين، بائعين ومشترين، من أجل فتح الحسابات المصرفية لكل منهم، بحال عدم فتح حسابات سابقة، تقيداً بتنفيذ مضمون القرار أعلاه.
ويبقى التساؤل عن جدواه وانعكاساته الفعلية مشروعاً من قبل هؤلاء، خاصة في ظل ما رشح من ملاحظات كثيرة عن مضمونه، سواء من قبل المواطنين أو من قبل بعض المختصين، حقوقيين وعقاريين وماليين وغيرهم، وذلك قبل وضعه بالتنفيذ.
فللوهلة الأولى يبدو أنَّ الأمر عبارة عن وثيقة إضافية تضاف إلى معاملة نقل الملكية المطلوبة، تتمثل بالإشعار المصرفي فقط، فكيف سيكون الحال خلال الحصول عليها، وبعدها؟.

ازدحام وبوابة جديدة للاستغلال

الازدحام المتوقع ليس من باب التكهن، فجميع معاملات نقل الملكية مضمون القرار أعلاه، بطوابيرها وازدحامها، ستنتقل في البداية إلى المصارف العاملة بفروعها، عامة وخاصة، من أجل الحصول على الإشعار المصرفي المطلوب كوثيقة إضافية على معاملة نقل المليكة، مع عدم اليقين حيال تخصيص بعض الفروع فقط بهذه المهمة، ما يعني المزيد من الازدحام عليها، أم سيفسح المجال لجميع فروع المصارف العاملة باستقبال المواطنين لهذه الغاية؟!.
وبمطلق الأحوال فالمزيد من الازدحام على جميع المصارف وبكافة فروعها قادم لا محالة، فأعداد المواطنين الذين يقومون بعمليات نقل الملكية للعقارات والآليات يومياً يعتبر كبيراً نسبياً، وهؤلاء سلفاً تغص بهم أروقة الجهات العامة، سواء تلك التي تمسك السجلات العقارية، الدائمة والمؤقتة، أو مديريات النقل في المحافظات، بالإضافة إلى كتاب العدل طبعاً.
فكل وثيقة (إشعار مصرفي) سيسبقها فتح حسابين، أحدها للبائع والآخر للمشتري، كي تتم لاحقاً عملية «تسديد الثمن أو جزء منه في الحساب المصرفي للمالك أو خلفه العام أو الخاص أو من ينوب عنه قانوناً»، بحسب ما نص عليه القرار، وبالتفصيل العملي فهذا يعني طابوري انتظار، وإن أخذت هذه الطوابير الشكل الإلكتروني المتّبع في المصارف بحسب الرقم المتسلسل والنافذة المخصصة لتنفيذ العملية «تسديد الثمن أو جزء منه» بالنتيجة، مع كل ما يمكن أن يستتبع ذلك الازدحام من انتظار وتعب وإرهاق في أروقة المصارف، وما يمكن أن ينجم عنه من سلبيات، بما في ذلك بعض أوجه الاستغلال كبوابة جديدة ستفسح المجال لنشوء شريحة مستفيدين منها، سواء من خلال نمط المحسوبية والوساطة السائد، أو لقاء منفعة مباشرة أو غير مباشرة، لمصلحة بعض المواطنين الساعين إلى هروب من ساعات الانتظار وتعبها، على حساب البقية الباقية من المواطنين في طوابير الانتظار.
وسبق أن سمعنا في بعض الفروع المصرفية عمّن يقوم مثلاً بحجز تسلسل رقمي لبعض العمليات المصرفية من أجل المساومة عليه مع بعض المواطنين المنتظرين في طابور «التكنولوجيا الرقمية».

المصارف جاهزة والغاية نشر ثقافة الدفع الإلكتروني

حول الجهوزية المصرفية للقيام بهذه المهام الجديدة، صرح مدير الأبحاث في مصرف سورية المركزي لصحيفة تشرين بتاريخ 8/2/2020، أن «مصارفنا جاهزة لهذا الأمر، مشيراً إلى أنه كانت هناك مشكلة تقنية لدى المصرف التجاري وقد تم حلها، موضحاً أن الغاية الأساسية من القرار نشر ثقافة الدفع الإلكتروني وفتح حساب لمعظم المواطنين لأن الدفع الإلكتروني يجري عبر الحسابات، وتالياً التخفيف من عمليات الدفع (كاش) وتداول العملة الورقية».
فيما لفت مدير عام المصرف التجاري السوري حول القرار بأنه: «سينعكس إيجاباً على القطاع المصرفي، ففتح الحسابات المصرفية لكل الناس هو أحد مقاييس التنمية المستدامة أو ما يسمى الشمول المالي».

المصارف مستفيدة حكماً

الأكيد، أنَّ المصارف ستستفيد من تنفيذ مضمون القرار أعلاه، بغض النظر عمّا سيفرضه ذلك، من تطوير مطلوب على البنية التحتية في كل منها، أو بنظام عملياتها، بما يتناسب مع الزيادة المتوقعة في أعداد المراجعين والحسابات المصرفية الجديدة التي ستفتح لهم فيها، سواء كانت لمرة واحدة، أو لتكون مستمرة.
فالعمولات المصرفية التي ستجبى من جيوب المواطنين، بائعين ومشترين، مضمونة لهذه وتلك من العمليات، ولئن اختلفت بقيمتها بين مصرف وآخر بحسب التعليمات الناظمة لعمل كل منها، مع الأخذ بعين الاعتبار الفوارق النوعية في الخدمات بينها، العام والخاص، مع عدم تغييب عامل الثقة الذي يؤخذ بعين الاعتبار من كل بد من قبل المواطنين.

الدفع الإلكتروني والعمليات المالية الكبرى

ربما لا غرابة من أن نلمس بعض المنافسة بين المصارف لتقديم هذه الخدمة التي أصبحت مُلزمة من أجل البدء بعملية نقل الملكية بين البائعين والمشترين، أو غيرها من الخدمات الأخرى التي ستنشأ من خلال التبني الحكومي لمشروع الحكومة الإلكترونية، ونظام الدفع الإلكتروني كعنوان عريض وواسع، بحال تم استكمال تنفيذه كما يروّج له نظرياً.
مع اليقين أنَّ هذا المشروع بحاجة لفترات زمنية طويلة لاستكمال بنيته السورية الخاصة، والتي لا تقف عند الحاجة لتعديل بعض القوانين والتشريعات والقرارات الموجودة أو سن تشريعات خاصة به، أو باستكمال البنى التحتية، بما يتناسب مع بنية الدفع الإلكتروني المعروفة والمطبقة في بعض الدول، بحيث يبدو موضوع تسديد ثمن نقل ملكيات المواطنين بهذا الصدد، أو تسديد قيم فواتير الكهرباء والهاتف والمياه و... خطوات أولية وصولاً إلى تعميم استخدام البنية الإلكترونية المصرفية للدفع المقترنة بحسابات الأفراد عبر التطبيقات الإلكترونية أو أجهزة الجوال للقيام بكافة عمليات الشراء وتبادل الخدمات مع ضمان سريتها، بحسب ما هو مفترض.
ويبقى التساؤل مشروعاً حيال إمكانية تطبيق ذلك لاحقاً على العمليات المالية الكبرى، مثل العقود والمناقصات وعمليات الاستيراد والتصدير والفوترة والضرائب والرسوم، وغيرها الكثير من العمليات المقترنة بالتداول النقدي الكبير، بما في ذلك بين الداخل والخارج، وهل للمستفيدين من الواقع الحالي، كبار التجار وحيتان الفساد وأمراء الحرب والأزمة و..، مصلحة في تعميم بنية الدفع الإلكتروني فعلاً، بحيث تشمل هذه العمليات المالية الكبرى، أم أن من مصلحة هؤلاء استمرار الوضع على ما هو عليه مع بعض الفقاعات الإعلامية بالحديث عن الحكومة الإلكترونية ونظام الدفع الإلكتروني؟.

ملاحظات غير مستدركة ومآلات

بالعودة إلى مضمون القرار أعلاه، فقد تعرض للكثير من النقد والملاحظات والتفنيد، سواء من قبل بعض المختصين بالشأن القانوني والحقوقي، أو من قبل بعض العاملين في المجال العقاري والمختصين فيه.
فقد تركزت بعض الملاحظات على الغايات المطلوبة والمرجوة من مضمونه وفقاً لما رشح عن بعضها، وخاصة ما يتعلق بتقييد التعامل بالليرة أو بمنع التعامل بالقطع الأجنبي لقاء عمليات نقل الملكية، حيث أكد البعض أن هذه الغايات لن تُحقق وفقاً لهذه الآلية، إلا بما يتوافق مع الجزء المسدد من القيمة بحسب القرار فقط، بينما الجزء الآخر من هذه القيمة سيبقى بعيداً عن العمليات المصرفية وغير مضبوط.
بينما تركزت أخرى على انعكاساته السلبية على المواطنين والحقوق، وخاصة مضمون المادة 148 من القانون المدني السوري، والتي تنص على ما يلي: «العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون».
فقد اعتبر بعض الحقوقيين أن مضمون القرار فيه مخالفة صريحة للمادة أعلاه، ناهيك عن إيرادهم لبعض الحالات التي لا يمكن أن تقترن معاملتها الخاصة بنقل الملكية بوثيقة المصرف المطلوبة، طبعاً بالإضافة إلى بعض القيود الموضوعة على السحب والمقترنة بسقوف معينة، وغيرها من الملاحظات الكثيرة الأخرى.
وعلى الرغم من صدور التعليمات التنفيذية للقرار من قبل المصرف المركزي لاحقاً، إلا أن بعض الملاحظات الموضوعة لم يتم تلافيها وتداركها بموجب هذه التعليمات.
لن نستبق الأمور بالحديث عن المآلات النهائية للقرار الحكومي أعلاه، فأيام معدودات تفصلنا عن الحيز التنفيذي لمضمونه، ولنا وقفة لاحقة مع تداعياته العملية، وما يمكن أن يظهر من ملاحظات جديدة خلال تطبيقه.

معلومات إضافية

العدد رقم:
952
آخر تعديل على الأربعاء, 12 شباط/فبراير 2020 12:01