_
تسارع الأداء التصفوي للقطاع العام الاقتصادي!
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

تسارع الأداء التصفوي للقطاع العام الاقتصادي!

لأول مرة يتم تسجيل سرعة في الأداء الحكومي، فقد بدأت تهل علينا ملامح التوجهات الحقيقية للسياسات الحكومية بما يخص عنوان «إصلاح القطاع العام الاقتصادي»، الذي تم تشكيل لجنة خاصة به تحت اسم «اللجنة العليا لإصلاح القطاع العام الاقتصادي»، حيث عقدت هذه اللجنة أول اجتماعاتها الأسبوع الماضي، وتداولت بعض وسائل الإعلام مضمون محضر اجتماعها، الذي حمل في طياته الكثير مما يمكن، ويجب، التوقف عنده.

الملامح العامة بحسب مضمون المحضر لا تبشر بالخير بالنسبة لهذا القطاع، برغم وجود بعض العبارات «المطمئنة» في متنه، فالكثير مما ورد في محضر الاجتماع بحاجة إلى تسليط الضوء عليه وتفنيده، مع توضيح أبعاده الاقتصادية والاجتماعية، وآثاره على مجمل الاقتصاد الوطني.
فنظرة أوّلية سريعة لمضمون المحضر، بحسب ما ورد عبر موقع «أخبار الصناعة السورية» بتاريخ 24/10/2019، توضح لنا أن الحكومة ما زالت ماضية بسياساتها الليبرالية المقوِّضة للقطاع العام الاقتصادي، ولئن جرى تغليف هذا التقويض ببعض العبارات البراقة، مثل: (إبقاء المؤسسات العامة على شكلها القانوني- لا علاقة مباشرة لهذه القضية بأي تغيير في الملكية- ضرورة منح مجلس الإدارة صلاحيات واسعة- تمتعها بضمانة الدولة..).

نحو الخصخصة والتصفية المقوننة

لم يعد هناك مواربة بالتوجه الحكومي، فمقابل العبارات البراقة أعلاه كان هناك الكثير من الوضوح بما يخص التوجه نحو الخصخصة والتصفية لهذا القطاع تباعاً وعلى مراحل، حيث لم يعد الحديث عن ذلك مبطناً، بل واضحاً وضوح الشمس، مع آلياته التنفيذية أيضاً.
فعنوان «المرونة في العمل» من ضمن مقترحات «إعادة الهيكلة» مثلاً، ارتبط مباشرة بعبارات (القوانين والأنظمة التي تخضع لها- الدمج بمؤسسات أو شركات أخرى- أو تجزئتها إلى وحدات اقتصادية أصغر، وذلك تمهيداً لتحويلها إلى كيان اقتصادي مستقل، يعمل وفق آليات السوق).
أما العبارة الأوضح بهذا الصدد فهي: «لا شيء يمنع من الإبقاء على ملكية الدولة كاملة عند إنجاز هذا التحول، ومن الممكن حلّها وتصفيتها، أو طرحها على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، أو تحويل بعض المؤسسات العامة التي تتبع لها مجموعة من الشركات إلى شركات قابضة»، والمثال على ذلك بحسب المحضر هي: (مؤسسات القطاع العام الصناعي أو الإنشائي..).
هذه المروحة الواسعة من المقترحات «التنفيذية» التي بدأت بعبارة «لا شيء يمنع من الإبقاء على ملكية الدولة كاملة»، تعني ضمناً أنّ هذا الشكل «الملكية الكاملة للدولة» هو الاستثناء بمضمون التوجه الحكومي العام وليس العكس، وتثبيتاً لذلك ورد بما يخص القضايا المتعلقة بالملكية أنه: «ثمة خيارات متعددة يمكن اعتماد المناسب منها بحسب دراسة الجدوى، والسياسة العامة للدولة، ومن أبرز هذه الخيارات ضرورة الإبقاء على ملكية الدولة، ويكون الشكل الناتج مؤسسة أو شركة عامة مع تعديل القوانين الناظمة لعملها، أو شركة مغفلة تعمل وفق قانوني التجارة والشركات».. «كذلك التحول إلى شركة مساهمة مغلقة أو مفتوحة، مع إمكانية طرح جزء من الأسهم على الاكتتاب العام وقد تكون للعاملين في الشركة».
أي إن استمرار شكل «الملكية للدولة» هو خيار من ضمن جملة الخيارات الأخرى أعلاه لا أكثر ولا أقل، خاصة مع اقترانها بعبارة «السياسة العامة للدولة»، وربما لا داعيَ للخوض بتفاصيل السياسات الليبرالية المعتمدة والمعمول بها منذ عقود، ولعل البقية الباقية ليست بحاجة لأي تفسير أو تأويل.
أما ما تم طرحه على أنه مثال والذي شمل (مؤسسات القطاع العام الصناعي والإنشائي)، فهو أكبر من كونه «مثالاً» باعتبار هذه المؤسسات هي الأكبر والأوسع، بل والأهم بالمرحلة الراهنة والمستقبلية، من ضمن مؤسسات وشركات «القطاع العام الاقتصادي»، سواء على المستوى الاقتصادي والتشغيلي أو على المستوى الوطني.
كما تم طرح الشكل القانوني التنفيذي لإنجاز هذا «التحول»، حيث ورد ما يلي: «يجب الاتفاق على إطار تنظيمي فعّال لإدارة عملية تحويل المؤسسات والشركات العامة إلى كيانات اقتصادية لدى جهة يجري تحديدها (مثلاً مجلس أعلى لإصلاح القطاع العام الاقتصادي يحدث لهذا الغرض)، ويتمتّع بالصلاحيات اللازمة بموجب قانون خاص بذلك إن لزم الأمر».
أي مزيد من الصلاحية والتحصين القانوني لكل الإجراءات «التفريطية» المزمعة رسمياً، سواء كانت تحت عنوان «التشاركية» أو تحت عناوين «الدمج- التجزئة- التصفية..».

هوامش قانونية إضافية للمواربة

لم يغفل المجتمعون أن هذا التوجه بحاجة لمجموعة إضافية من القوانين والتعليمات «التسهيلية» من أجل استكمال عمليات «التحول» المطلوبة، فقد ورد أنه: «تم الاتفاق على دراسة الأطر القانونية والتنظيمية التي تنظم عمل الجهات العامة.. بحيث يتم وضع إطار قانوني يوضح شكل ارتباط كل مؤسسة أو شركة عامة أو مجموعة من الشركات العامة والمرافق العامة وتقديم الخدمات العامة».. «وفي حال تحويل المؤسسة إلى شركة تجارية تملكها الدولة، فتعمل الشركة الجديدة تحت أحكام قانون التجارة والشركات، ويكون لها نظام أساس خاص بها، ونظام داخلي وتنظيمي، ونظام للاستخدام يتوافق مع قانون العمل».. «وفي حال الإبقاء على الشكل القانوني المعروف اليوم، يجب دراسة تعديل القوانين الناظمة لعمل هذه المؤسسات، مثل قانون المؤسسات العامة، والقانون الأساس للعاملين في الدولة، والأنظمة المالية والمحاسبية، وقانون العقود.. إلخ، لمنحها المرونة المطلوبة، مع ضرورة منح مجلس الإدارة صلاحيات واسعة، ويجب أيضاً توضيح النظام الضريبي المطبق عليها، وتمتعها بضمانة الدولة، وأسلوب ارتباطها بالموازنة العامة للدولة كالتمويل الذاتي».
ولعل مفردة «عامة» المكررة أعلاه لم ترد إلا من أجل التغطية على «التسهيلات» القانونية والتنظيمية التي سيحصد نتائجها «التشاركيون» و»القابضون» بمعيّة ومؤازرة «التصفويون».

بوابات تكسب إضافية

لا شك أن ما يمكن أن تتوجه إليه الاستثمارات الخاصة، تحت عناوين «التشاركية» بهذا التوجه التفريطي، هي القطاعات والشركات مضمونة وسريعة الربح، وهو أمر مفروغ منه، والبقية الباقية ربما ستكون قيد التصفية، ومع ذلك فإن فرص التكسب بالنسبة للمستثمرين من القطاع الخاص لن تقف عند ذلك.
فمن خلال عنوان «إعادة الهيكلة» فُتحت بوابات تكسب إضافية لما تمت تسميته «الشركات الحاضنة لعملية إعادة الهيكلة»، وهي شركات خاصة، ربما يكون منها إقليمي أو دولي أيضاً، فقد ورد: «تم وضع برنامج على التوازي مع ما سبق لتقديم المساعدة التشغيلية للشركات الحاضنة لعملية إعادة الهيكلة، وإعداد برامج التدريب اللازمة لتنمية الموارد البشرية وتطوير مهارات الإدارة، والمهارات المالية والمحاسبية، والتسويق وخاصة لدى الإدارات العليا والوسطى، إضافة إلى دراسة الآثار الاجتماعية والاقتصادية لإعادة الهيكلة».
أي إن هذه «الشركات الحاضنة» لن تكتفي بما ستتقاضاه من أجور لقاء أعمالها «الجليلة» برعاية الحكومة ودعمها، بل سيتم تقديم «مساعدة تشغيلية» لها أيضاً، ولا ندري تحديداً ما معنى ذلك على المستوى التنفيذي والعملي والتمويلي؟!.

مخاطر إضافية

لم تقف مخاطر ما يتم طرحه عن شكل الملكية والتفريط بها تحت عناوين التصفية والتشاركية، بل هناك خطر مباشر على العاملين في هذا القطاع وحقوقهم أيضاً، فقد ورد: «معالجة موضوع العمالة الفائضة بالاستفادة من البنى المؤسسية القائمة، في حال تبيّنت كفايتها لذلك، ويمكن إضافة إلى ذلك التفكير في إحداث مؤسسة خاصة لاستيعاب وتدريب العمالة الفائضة، مع إمكان إعادة استخدام جزء من هذه العمالة في بعض الشركات بعد إعادة هيكلتها».
والحديث عن العمالة الفائضة بهذا المجال يأتي من بوابة التصفية المتوقعة لبعض الشركات والمؤسسات استناداً وتنفيذاً للتوجه الحكومي أعلاه، أو من بوابة تغيير شكل الملكية المزمعة، مع ما يرافق ذلك من تعديلات مطلوبة على القانون الأساس للعاملين في الدولة، والأنظمة الخاصة للاستخدام، أي كل ما يتعلق بالعاملين وحقوقهم ومستقبلهم.
أما أخطر ما ورد في محضر الاجتماع فهو ما يتعلق بسياسات الدعم، حيث ورد ما يلي: «اقترحت اللجنة أيضاً دراسة علاقة سياسات الدعم الحكومية المعتمدة بنفقات وإيرادات المؤسسات العامة التي بقيت على شكلها القانوني المعروف اليوم».
وهذه العبارة لا يمكن تبويبها إلا كونها بوابة إضافية يُبنى عليها من أجل استكمال عمليات رفع الدعم الجارية، تماشياً مع السياسات الحكومية الليبرالية، وآثار ذلك ستطال بالنتيجة جميع المواطنين، وسيحصد نتائجها السلبية المفقرون وأصحاب الدخل المحدود والمهمشين.
ولا ندري كيف سيتم الحديث عن الدعم في قطاع الكهرباء أو المحروقات مثلاً، ارتباطاً بالنفقات والإيرادات بهذه القطاعات الاقتصادية وفقاً لمضمون هذا التوجه الليبرالي التشاركي أو التصفوي لاحقاً؟.

تسارع غير مسبوق

بهذا الصدد نُذكّر بما أوردته قاسيون حول نفس الموضوع بمادتها المعنونة: «بذريعة «الإصلاح» تمرر الموبقات»، المنشورة بتاريخ 7/10/2019: «لا شك أن جملة ما يعانيه هذا القطاع سببه الرئيس هو السياسات الحكومية تجاهه، والسياسات الليبرالية المعتمدة عموماً.. فكل حديث عن الإصلاح يغفل هذه الحقيقة لا يعدو كونه فضفاضاً وغير مثمر، إن لم نقل أنه يزيد من الصعوبات ويكرَّس المعيقات.. فالمشكلة الأساسية التي تعاني منها مؤسسات وشركات القطاع العام (الإداري والاقتصادي) كانت وما زالت تتمثل بالسياسات الليبرالية المعتمدة والمعمول بها، والتي حصدنا وما زلنا نحصد نتائجها السلبية على كافة المستويات».
فما سبق أعلاه هو وقفة إضافية سريعة على ما رشح من خلال الاجتماع الأول لـ»اللجنة العليا لإصلاح القطاع العام الاقتصادي»، ولا بد من وقفات إضافية لاحقة للخوض بعمق ما طرح، وما تم إقراره خلال هذا الاجتماع بآثاره ونتائجه المتوقعة على مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي وعلى العاملين فيه، وعلى الاقتصاد الوطني عموماً، ومع ما يمكن أن تُسفر عنه الاجتماعات اللاحقة لهذه اللجنة، خاصة مع مؤشر سرعة أدائها على غير ما هو معهود من مماطلة حكومية بما يخص ملفات هامة وضرورية وأكثر إلحاحاً.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا هذه السرعة والتسارع بما يخص التعامل مع هذا الملف دون سواه بهذا الظرف والتوقيت، ووفقاً لهذا الشكل والنموذج التفريطي الفاقع؟.

الإصلاح كان الغائب الوحيد

ما يُلفت بحسب محضر الاجتماع، أنه تم عرض ونقاش الكثير من العناوين، كما سلف أعلاه، كما كانت مصالح المستثمرين، الآنية والمستقبلية، والضمانات القانونية لهم، حاضرة وبقوة رغم غيابهم «النظري» عن الاجتماع، أما ما تم إغفاله خلال مجريات الاجتماع فهو ما الذي سيتم تقديمه للقطاع العام الاقتصادي من قبل الحكومة نفسها باعتبار أنَّ العنوان الرئيس لجملة ما طرح هو «إصلاح القطاع العام الاقتصادي»، قبل الوصول به للخصخصة والتصفية، حيث لم يتم التطرق خلال مجريات الاجتماع لا إلى موازنات مؤازرة لهذا القطاع، ولا إلى ضخ استثمارات جديدة فيه، ولا إلى تأمين عمالة مؤهلة جديدة له، ولا إلى خلق جبهات عمل لتشغيله، ولا لأي عامل من عوامل الدعم المطلوبة لهذا القطاع، أو لتخليصه من صعوباته ومشاكله المتراكمة منذ عقود، اعتباراً من مستلزمات الإنتاج والعملية الإنتاجية، مروراً بالأجور والتعويضات، وليس انتهاءً بالتسويق وآلياته وأسواقه!.
فعن أي «إصلاح» يتحدثون؟.

معلومات إضافية

العدد رقم:
937
آخر تعديل على الإثنين, 28 تشرين1/أكتوير 2019 13:42